العنوان ردًّا على يوسف إدريس: الشيخ الشعراوي ليس «راسبوتين»
الكاتب عبدالقادر بن محمد العماري
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1987
مشاهدات 57
نشر في العدد 817
نشر في الصفحة 34
الثلاثاء 12-مايو-1987
ليس عيبًا ولا غريبًا أن يختلف الناس في الآراء، وأن يتخاصموا في كل شيء، وأن يعارض الشخص الآخر في رأيه وفكره، وأن يرد عليه بكل ما أوتي من أدلة وبراهين، وبما شاء من أساليب، ولكن العيب كل العيب، والعار كل العار أن يفجر الإنسان في الخصومة، فيكذب ويزور، ويلصق بخصمه ما ليس فيه، ويقول على لسانه ما لم يقله، ويشتمه بما ليس فيه.
ولقد استغربت كل الاستغراب، وعجبت كل العجب أن ينزل كاتب كبير مثل يوسف إدريس إلى مستوى منحط من الإسفاف والكذب والتزوير والفجور، في حق رجل عالم من علماء الإسلام، له مكانة سامية في نفوس المسلمين، عرف بالورع والتقوى، إلى جانب العلم الغزير في علوم القرآن واللغة العربية، ذلك هو الشيخ محمد متولي الشعراوي، فيصفه يوسف إدريس بأنه راسبوتين الإسلام، فيا ليت شعري ما هي الصلة بين الشعراوي وراسبوتين؟ وما هو الرابط بينهما؟ وما هي الأوصاف التي تنطبق على الشيخ الشعراوي من أوصاف راسبوتين ذلك القسيس الفاسق، المشعوذ، الدجال، المنهمك في الفسق والفجور، الذي يصرف الأمور على هواه في قصر القيصر، وهو بين النساء وكؤوس الخمر؟
ماذا ينطبق من هذه الأوصاف على الشيخ الشعراوي، الذي يسكن في شقة متواضعة في حي الحسين بالقاهرة، ويقضي وقته في دروس تفسير القرآن في المسجد، ويتصدق بكل دخله على الفقراء؟ فهل يستحق من هذه طريقته، وهذا سلوكه بأن يوصف براسبوتين الإسلام؟ ترى ما الذي دفع يوسف إدريس إلى هذا الموقف من الشيخ الشعراوي؟ ما الذي دعاه إلى أن يؤلف كتابًا يهاجم فيه علماء الإسلام ودعاته، ويتهمهم بالحق والباطل؟
ونحن قد نأخذ على الشيخ الشعراوي سكوته على ما يفعله العوام حول المشهد الحسيني مما يخل بالعقيدة؛ إلا أن تفسيره للقرآن الذي يؤاخذه عليه يوسف إدريس كان تفسيرًا عظيمًا، لم يسبقه إليه أحد، فقد وهبه الله قدرة على تجلية معاني القرآن البلاغية، وأحكامه الشرعية والأخلاقية بأسلوب جذاب، ينبغي أن يشاد به لا أن ينتقد.
لا شك أن يوسف إدريس قد شعر أن بضاعته قد بارت، وأن أفكاره التي بدأ بنشرها في الخمسينيات والستينيات قد فشلت على الرغم مما أتيح له من فرص، ووضعت كل أجهزة الإعلام- من صحف ومجلات وإذاعة وتلفزيون- تحت تصرفه هو ومن على شاكلته في الفكر، فماذا كانت النتيجة؟
لا يشك أحد أن النتيجة لما نشره يوسف إدريس وأضرابه، وما دعوا إليه هو هذه الحالة المتدهورة في النواحي الاجتماعية والاقتصادية، وأن الفقر الذي عم البلاد هو نتيجة طبيعية لهذا الفكر، وجاء اليوم ليلصق التهمة بغيره في «فقر الفكر، وفكر الفقر»، وما أصدق المثل على يوسف إدريس «رمتني بدائها وانسلت».
أشاد يوسف إدريس في معرض هجومه على الشيخ الشعراوي بالشيخ حافظ سلامة، فهو يقول في حواره مع جريدة اللواء الإسلامي: «إني أنظر نظرة سياسية فكرية إلى ما يدور في الساحة الدينية عايز أربط الاثنين ببعض، وخير نموذج في نظري، وخير مثال الشيخ حافظ سلامة؛ فهو عندما هجم اليهود على السويس لم يجمع الناس في المجتمع، وقعد يصلي، بل حرض الناس على الخروج بالأريحية، وصدوا هجوم اليهود على السويس، هذا هو تصرف حافظ سلامة، الإسلام ثورة، الإسلام جاء ليغير من حياة الناس تغييرًا جذريًا من سلوكهم، وعاداتهم، ويكافح الأعداء، وأي إسلام بدون أن يكافح الأعداء يبقى إسلام مغرض محقون في الأمة الإسلامية بقصد تخديرها».
وينسی یوسف إدريس ما كتبه عن الإسلاميين الذين منهم حافظ سلامة، وشاركوه في صد هجوم اليهود على السويس، هاجمهم وهاجم أفكارهم، وما يقوله عن الإسلام هنا هو مجرد كلام لا يؤمن به، فیوسف إدريس تبين بما يكتبه في الصحف- وما يقوله في كتبه- أنه ممن يحملون معاولهم لتحطيم الإسلام، ولأنهم لا يجرؤون على مهاجمة الإسلام، فهم يهاجمون دعاته للوصول إلى أهدافهم، وهذه طريقة الشيوعيين، وكل أعداء الإسلام من العلمانيين والصليبيين، الذين ما فتئوا ينالون من دعاة الإسلام بموجب استراتيجية تقوم على ضرب الدين الإسلامي، وتشويه الدعاة والنيل منهم، وقد رأينا كثيرًا من الأدباء والصحفيين والرسامين ينهالون على دعاة الإسلام بالتشويه، ولا أحد ينسى رسومات صلاح جاهين وعبد السميع في الستينيات لما يسميه «الشيخ متلوف»، وكان وكان القصد من كل ذلك الهجوم على الإسلام لا على الأشخاص، وقد رأينا انتقام الله في هؤلاء بما ابتلاهم به جزاء استهزائهم بدين الله وأوليائه.
نحن لا ننكر أن هناك من يشوهون الإسلام باسم الدعوة، ويرتزقون بالدين، ويتخذونه مغنمًا، ولا تجد فيهم سمت العلماء، ولا أخلاق المؤمنين، فينافقون الجماهير، وأهل الجاه والسلطان على حساب الدين، وعندما يتحدثون لا يدخل حديثهم إلى القلب، وعندما تشاهدهم في التلفزيون كأنك تشاهد ممثلين يؤدون أدوارًا معينة، مواعظهم مفتعلة، كل همهم المناصب والمال ولا شيء غير ذلك، ولكن أهل الصحافة والكتابة لا ينتقدون هؤلاء، بل تراهم يرفعونهم ويفخمونهم، ويضيفون لهم ألقابًا إلى ألقابهم، بينما تجدهم يحطون من قدر أهل الدين والصلاح المخلصين في دعوتهم إلى الله، ويسخرون منهم، ويلصقون بهم التهم، ولكن أين يذهب هؤلاء من عذاب الله جزاء سخريتهم بأهل الإيمان، وكيدهم لهم، وتكذيبهم لآيات الله؟ ﴿تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ أَلَمْ تَكُنْ آيَاتِي تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ فَكُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْمًا ضَالِّينَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ قَالَ اخْسَئُوا فِيهَا وَلَا تُكَلِّمُونِ إِنَّهُ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْ عِبَادِي يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا وَأَنتَ خَيْرُ الرَّاحِمِينَ فَاتَّخَذْتُمُوهُمْ سِخْرِيًّا حَتَّىٰ أَنسَوْكُمْ ذِكْرِي وَكُنتُم مِّنْهُمْ تَضْحَكُونَ إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ (المؤمنون: 104-111).
ومن تخريفات يوسف إدريس أنه يقول: إن المرأة إذا تحجبت؛ فإن أمريكا وإسرائيل ستدخلان مصر، ونقول ليوسف إدريس: إن الشباب إذا تحصن بالفضيلة، وترفع عن الشهوات، سيتمكن من طرد أمريكا وإسرائيل من المنطقة كلها، وأن ما يدعو إليه يوسف إدريس هو الذي سيمكن أمريكا وإسرائيل من مصر ومن غير مصر.
وإننا نختم هذه العجالة بحديث رسول الله- صلى الله عليه وسلم- المتفق عليه: «أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها، إذا اؤتمن خان، وإذا حدث كذب، وإذا عاهد غدر، وإذا خاصم فجر» صدق رسول الله صلى الله عليه وسلم.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل