; ملامح الخطاب الدعوي في المرحلة الجديدة (أخيرة)- تفجير طاقات الناس واستثمارها | مجلة المجتمع

العنوان ملامح الخطاب الدعوي في المرحلة الجديدة (أخيرة)- تفجير طاقات الناس واستثمارها

الكاتب أحمد محمد زايد

تاريخ النشر السبت 09-يوليو-2011

مشاهدات 64

نشر في العدد 1960

نشر في الصفحة 50

السبت 09-يوليو-2011

إن الخطاب الدعوي اليوم لا بد أن يوجه الناس نحو استثمار طاقاتهم، في البناء الجديد، فكل صاحب موهبة أو مهارة أو مال لابد أن يعمل لعصر جديد يحتاج إلى كل الطاقات والقدرات والإمكانات لقد ولد الانتماء للوطن من جديد بعد أن فقده الناس؛ فأهملوا في كل شيء لأنهم لم يروا يومئذ مستقبلا لأي جهد يبذلونه، ولا نتيجة لأي عمل يقدمونه، إن على الدعاة تفعيل أصحاب المواهب والقدرات والإمكانيات في عمل الخير، فصاحب المنصب يوظفه الداعية في الشفاعة الحسنة وقضاء مصالح الناس.

التدرج مع الناس يجعلهم يتفاعلون وهم يتبنون العمل بالدين. أما الطفرات والخطوات الواسعة فنفسها قصير

وصاحب المال يوظفه في مشروعات الخير، وكثير من هؤلاء يريد الخير لكنه لا يملك فقه الإنفاق ومحاله وأولوياته الشرعية، وصاحب الفراغ يوظف الداعية فراغه في خطته الدعوية، ومتقن فن ما كالحاسوب أو الخط أو الإنشاد أو غيره يوظفهم الداعية كلا في فنه لتقديم رسالة متكاملة لأبناء الحي، تعبر عن أن «الإسلام حقًا هو الحل»، من خلال مشروعات دعوية وخدمية للنساء والأطفال والعمال والمرضى والطلاب وغيرهم، ولن يستطيع الداعية القيام بكل مشروعات الخير وخدمة المجتمع بنفسه فقط، بل لابد من استغلال تلك الطاقات المعطلة وتوظيفها، وليتعاون الدعاة مع بعضهم، وليرصدوا في محيطهم عناصر الطاقات والمواهب والقدرات ويحصروها ويتعلموا كيف يحركون المجتمع من حولهم وليقرؤوا إن شاؤوا كتاب «صناعة الحياة» للراشد.

من خلال المعايشة والاتصال بالجمهور يقيس الداعية مدى تأثيره في جمهوره ومدى تفاعل جمهوره معه، ومدى أثر أقواله عمليا في أخلاقهم وبيوتهم وعلى أبنائهم ونسائهم، مما لا تتيحه له الحالة النظرية فقط.

التركيز على الإيجابية والمسؤولية الفردية: المرحلة الجديدة مرحلة بناء كما سبق، ومعنى هذا أن الفرد هو أساس هذه المرحلة، فلنحرص على تثبيت معنى المسؤولية الفردية بحيث يقدم كل فرد ما لديه من خبرات، ومواهب وأفكار ومقترحات وأموال ونصائح كتابة أو ابتكارات أو أعمال دون أن ينتظر أحدًا، وقد قال الشيخ «أمجد الزهاوي شيخ علماء العراق في القرن الماضي: «إن العالم الإسلامي يحترق وعلى كل واحد منا أن يصب، ولو قليلا من الماء ليطفئ ما يستطيع أن يطفئ دون أن ينتظر غيره». 

خطاب مؤسسي: ونعني بذلك أن تنطلق الدعوة من خلال مؤسسات متنوعة الأنشطة، وذلك حتى لا تتمحور الدعوة حول أشخاص، تتوقف بتوقفهم وتضعف بضعفهم وتموت بموتهم، والعمل المؤسسي له مزايا منها ؛ أنه يستوعب الطاقات ويشغل الجميع ويحمي الدعاة، ويحقق الشورى ويتوافق مع روح الإسلام العامة التي ينادي بها، وقد اتجهت الدول المعاصرة إلى العمل المؤسسي فلا يصح أن نتخذ طريق الفردية بعيدا عن العمل الجماعي والمؤسسي، فيعيب علينا الناس ونفقد قوتنا ورشدنا، والجميع يعلم أن من أبرز خصائص المدينة والحضارة هي «المؤسسية».

التخطيط والبعد عن الارتجال

إن البناء الجديد للمجتمع المصري يحتاج من الذين يمسكون بزمام التوجيه يعرفون إلى أي اتجاه يسيرون، وماذا حققوا وماذا بقي؟ وما خططهم ؟ فيبني اللاحق على جهد السابق حتى يعلو البناء وتستمر المسيرة وقد عرف الصف المسلم بتميزه في جانب التخطيط، فلنحافظ على مسيرتنا في ضوء خطط راشدة، ومتناسقة الخطوات متكاملة الجوانب، وأقترح هنا أن تعقد جلسات على مستوى عال نرصد فيها:

الواقع الدعوي من حيث إيجابياته وسلبياته.

  • العوائق التي تعوق الخطاب الدعوي الحاضر.
  • إلى أي مدى وصل خطابنا الدعوي الآن.
  • ماذا يجب علينا في المرحلة القادمة؟

ثم يصاغ كل ذلك في صورة ورقة عمل وخطة للدعاة لا يحيدون عنها، بدلا من أن يتكلم الدعاة في أي موضوع، وفي كل شيء دون أن يراعوا أننا لابد وأن نبني، والبناء له مراحله وخطواته، وحتى نعلم في كل وقفة نحاسب فيها أنفسنا ماذا حققنا؟ وفي أي شيء أخفقنا ؟ وماذا يجب أن نؤديه في المستقبل؟

التدرج والتيسير

الخطاب الدعوي من طبيعته الأساسية أنه متدرج تمشيا مع سنة الله تعالى الكونية وقد قال عبد الملك بن عمر بن عبد العزيز لأبيه الخليفة عمر: «يا أبت مالك لا تنفذ في الأمور؟ فوالله لا أبالي في الحق لو غلت بي وبك القدور». قال له عمر: «لا تعجل يا بني فإن الله تعالى ذم الخمر في القرآن الكريم مرتين وحرمها في الثالثة، وأنا أخاف أن أحمل الناس على الحق جملة، فيدفعونه وتكون فتنة».

إن الناس لا يفهمون فلسفة الحكم الإسلامي، ولا منهج الإسلام في العمل فيتصورون في هذه المرحلة مثلا أن الشريعة إذا طبقت فإننا لا نرى إلا أيدي مقطعة وهذا يرجم وذاك يجلد وهذا يقتص منه وهذا فهم سقيم يحتاج إلى وضوح وتصحيح فلابد من أن يعلم الناس كيف يقيم الإسلام المجتمع المسلم؟ وما خطوات بنائه؟ وما موقع الحدود في الشريعة؟

إذا تصور الناس ذلك جيدًا، فلاشك أنهم سيرون صورة جديدة وحقيقية عن دينهم؛ فتطمئن النفوس وتستقر وتزول عنها المخاوف والشبهات.

ثم إن الخطاب الدعوي بتدرجه مع الناس في طرح القضايا عليهم، والانتقال بهم من قضية إلى قضية، ومن مفهوم إلى مفهوم، ومن عمل إلى آخر يجعل الناس تتفاعل وهي تتبنى العمل بالدين والقيام على أمره، أما الطفرات والخطوات الواسعة التي لا تعرف التدرج فنفسها قصير واستمرارها لا يطول، وكل ذلك هو عن التيسير على الخلق بل هو الطبيعة التي اختص بها هذا الدين، والنصوص على ذلك كثيرة لا يتسع المكان لسردها، وحسب الدعاة أن يراجعوا سيرة النبي ﷺ ليروا هذا جيدًا.

الخطاب الدعوي يجب أن يكون قائمًا على التخطيط والبعد عن الارتجال

التركيز على الإيجابية والمسؤولية الفردية. بحيث يقدم كل فرد ما لديه من خبرات ومواهب وأفكار

خطاب مبادر سباق إلى العقول: قرأت كتابا قيما للدكتور عبدالله قادري الأهدل بعنوان «السباق إلى العقول» أعجبتني فكرته، وأدعو إخواني للاطلاع عليه، وهو متوافر على شبكة المعلومات «الإنترنت»، وأنا أعتبر أن سباق الدعاة وسبقهم أهل الباطل، والمجون إلى العقول ملمح دائم، وأساس للخطاب الدعوي ولا يختص بمرحلة دون أخرى، لكننا الآن أحوج ما نكون إلى ترسيخ هذا المعنى فإن العقل يتأثر بأول من يطرقه بالأفكار ويؤثر فيه ويحن إليه، فإننا ما زلنا نهدم كثيرا من الباطل الذي ترسخ في أذهان العامة والجماهير لأن غيرنا سبقنا بها إليهم وهنا نحتاج إلى مراحل تبدأ بهدم القديم «الباطل»، ثم نبني الجديد «الحق»، ثم نحاول تثبيته في العقول والنفوس ثم نحاول حمايته من أن يلوث بالقديم السيئ خشية أن يطفو عليه أو يرتد المرء إليه. 

هذا جهد يعلمه من حاول تغيير فكرة استقرت في العقول والنفوس طويلا، أما إذا سبقنا وبادرنا بأطروحاتنا وأفكارنا ودعوتنا وقيمنا ومبادئ ديننا بأسلوب مشوق مؤثر مقبول، فهذا يختصر لنا الطريق ونقطع على مناوئنا أمنيته وعمله، فلا ينبغي أن نكون آخر من يصل إلى الجماهير، فتكون أعمالنا أشبه بردود الأفعال لا الأفعال، وهذا كله يحتاج إلى خطة واضحة أن نبدأ في كل مرحلة بمجموعة من القضايا التي تناسب المرحلة وتظهر الحاجة إليها، نطرحها ونشيعها ونثبتها قبل أن يطرح أعداء الفكرة الإسلامية أفكارهم على جماهير المسلمين، فتحاول ملاحقة ما طرحوه وإزالة آثاره، وهكذا فننشغل بردود الأفعال عن الأفعال وتنشغل بالهدم عن البناء والتربية.

وأخيرًا أقترح تفعيل مجموعة من المناشط الدعوية منها على سبيل المثال: 

  • عقد مؤتمرات شعبية يشارك فيها أكبر جمع من الجمهور.
  •  ترتيب صالونات ثقافية لمناقشة قضايا الواقع وبيان فلسفة الإسلام فيها.
  • إصدار كتيبات تحمل تبسيطًا للفكرة الإسلامية.
  • تفعيل جانب الأدب والشعر والفنون في خدمة الثورة والمرحلة الجديدة. 
  • كتابة المقالات في الصحف والتعليق على ما يحتاج إلى تعليق مما يكتبه غيرنا. 
  • تفعيل التعامل مع «الإنترنت» 
  •  لقاءات مكثفة مع الأئمة والخطباء والمدرسين والمثقفين للتعاون في تفعيل الحركة في المرحلة الجديدة.
  • خواطر وكلمات في كافة المساجد.
  • ومما يفيد الاطلاع عليه ومراجعته في هذه المرحلة الكتب التالية:
  • «الخصائص العامة للإسلامي» للأستاذ سيد قطب.
  • «بينات الحل الإسلامي» د القرضاوي.
  • «ملامح المجتمع المسلم الذي ننشده»، د. القرضاوي، وهذا من أهم ما ينبغي أن يقرأ وينشر الآن.
  • «الإسلام هو الحل لماذا وكيف»؟ د. محمد عمارة.
  • «رسائل الأستاذ البنا».
  • «كتاب منهج الإصلاح» د. محمد عبد الرحمن.
  • «الإسلام عقيدة وشريعة» للشيخ شلتوت.
  • «صناعة الحياة»، للراشد.
  • السباق إلى العقول للأهدل.

وأخيرًا: فلنستعن بالله تعالى، ولنبذل وسعنا مخلصين والله تعالى عليه البلاغ وهو ولي المؤمنين والحمد لله أولا وآخرا وصلى الله على سيدنا محمد النبي الأمي الأمين.

(*) الأستاذ بكلية أصول الدين-جامعة الأزهر

الرابط المختصر :