العنوان الفكر الإسلامي إلى أين؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1987
مشاهدات 68
نشر في العدد 847
نشر في الصفحة 10
الثلاثاء 15-ديسمبر-1987
في حديثه للقبس يوم الجمعة 4/12/1987 (العدد
رقم ٥٥٨٩) وفي الصفحة السابعة «صفحة الفكر الديني» نوقشت قضية الفكر الإسلامي، فطرح
الدكتور أحمد الربعي رأيًا غريبًا حول الفكر الإسلامي، عكس فيه موقفًا ينبع من تفكير
غير إسلامي، وفيه تجاوز وظلم للإسلام وللتاريخ الإسلامي والحركة الإسلامية، لا يمكن
الصفح عنه ولا السكوت عليه؛ بل يصح فيه قول الإمام علي بن أبي طالب رضي الله عنه: «ليس
من طلب الحق فأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه».
أو كلمته رضي الله عنه عندما رأى المصاحف
ترتفع على أسنة رماح الخوارج وهم يصيحون: «الحكم لله» فقال: «كلمة حق أريد بها باطل»!
والذي يقرأ ما قاله الربعي دون دراسة تصوراته
الفكرية والعقائدية المعروفة لقال: رجل اجتهد فأخطأ فله أجر.. لكن القراءة المتأنية
الفاحصة بين السطور تكشف عن سلبيات وانحرافات فكرية جريئة على الإسلام وأهله، وتنبئ
عما في صدر صاحبها على الحركة الإسلامية المعاصرة من كراهية ونفور.
ألاعيب الحرباء
وهذا الأسلوب المتخفي لأدعياء مدرسة العقل
أو الذين يقدمون الفكر البشري على وحي الله، هو أسلوب جديد ابتدعه الماركسيون العرب،
بعدما منيت تجاربهم في المنطقة العربية المسلمة بالخيية والفشل طوال العقود الماضية،
بالرغم من أن عمر الشيوعية في المنطقة العربية أقدم من عمرها في كوبا أو أميركا الجنوبية؛
حيث تحظى بشعبية كبرى، وذلك لوجود الإسلام في بلاد العرب وارتباطهم به.
هنا ابتدعوا فكرة «من التراث إلى الثورة»
وهو عنوان كتاب «الطيب الصالح» أحد منظريهم صدر في أواسط السبعينيات، تناول فيه فكرة
تغلغل الشيوعيين العرب إلى داخل المجتمعات العربية من خلال الدين وكسب المؤيدين والأتباع
والانتقال بهم تدريجيًّا من التدين إلى «الوعي الاشتراكي» أو كما نسميها نحن المسلمين
الإخراج من الإيمان إلى الكفر، حتى تعم الماركسية الإلحادية العالم العربي كله.
فالكفر الماركسي المرتبط بالأساليب الميكافيلية
لا يرى غضاضة في تحويل جماهير المتدينين إلى سلم يرقى فوقه؛ لتحقيق ثورة إلحادية تفرض
عليهم نظامًا لا دينيًّا بعد كسب ثقتهم من خلال رفع الشعارات الإسلامية والظهور بمظهر
الحريص على الإسلام والعروبة!
ومنذ ذلك الحين ونحن نرى خالد محيي الدين
يذهب لزيارة البيت الحرام، ويعود بلقب حاج! أو نسمع بأن أعتى عتاة الفكر الماركسي قد
تحولوا بقدرة قادر إلى مفكرين ومؤرخين «إسلاميين» يحبون الإسلام والعروبة مثل على عمارة،
ومحمد أحمد خلف الله، وعبدالرحمن الشرقاوي، وغيرهم من المدلسين والكذابين.
لكن أسلوب التخفي الذي تمارسه الحرباء وأشياعها
قد فشل في إقناع جماهير المسلمين وعامتهم في صحة ادعاءات هؤلاء الناس؛ لوعي الحركات
الإسلامية ونشاطها، وهي التي تمثل الاتجاهات الأصيلة للإسلام وفكره الصحيح.. فبقيت
كتبهم على رفوف المكتبات تشكو الغبار والإهمال، وهذا أحد الأسباب التي جعلت الماركسيين
يحقدون على الحركات الإسلامية.
وعلى ضوء هذه المفاهيم نستطيع مناقشة ما
ورد من أفكار حول موضوع «الفكر الإسلامي إلى أين؟» من كلام الدكتور أحمد الربعي.
الإسلاميون وفهم الحاضر
ورد في نص الحديث أن أحد مآخذ الربعي على
الحركة الإسلامية أنها «لم تستوعب أحداث العصر» دون أن يضرب مثالًا على ذلك.. رغم أن
الواقع غير هذا.
فالحركات الإسلامية- بعموم تياراتها- استوعبت
قضايا العالم الإسلامي المعاصرة أفضل بكثير من الاتجاهات العقائدية الأخرى؛ سواء القومية
أو اليسارية؛ حيث كان موقفها المبدئي والعقائدي مبنيًا على العقيدة الإسلامية، والتي
تنبع من روح هذه الأمة، وتركيبها الثقافي، والعضوي، والتاريخي. واجتهدت في تطبيق ما
تراه مناسبًا من حلول من خلال القرآن الكريم والسنة المطهرة المنزلة من عند الله، وذلك
على خلاف الأحزاب الأخرى التي اعتمدت المناهج الأرضية البشرية، واتخذت من أفكار الفلاسفة
والمخرفين من أمثال اليهودي كارل ماركس ورفيقه انجاز برامج لنهضة العالم الإسلامي،
واعتسفوا تطبيق الاجتهاد اللينيني والماوي على أمة محمد بن عبد الله صلى الله عليه
وسلم.
والحقيقة أن رواد الحركة الإسلامية الحديثة
والمنتسبين إليها كانوا أوائل من تفاعل مع قضايا الأمة الإسلامية ومد الجسور بينهم
وبين المسلمين من غير العرب في كافة أقطار الإسلام، فخرجوا من دائرة الإقليمية والقومية
إلى دائرة العالمية العقائدية تحت ظل الإسلام.
كما أن الإسلاميين قد ملأوا الساحة الفكرية
الإسلامية المعاصرة بكثير من المؤلفات والمصنفات والتي عجز المنتسبون إلى المؤسسات
التعليمية الدينية التقليدية من الالتفات إليها أو تصنيف مثلها.
بل إنهم كانوا عنصر تحفيز لهذه الطاقات
العلمية لتأخذ موقعها الطبيعي في الحياة وتلعب دورًا رياديًّا وهاديًّا في أمة محمد
لصالح من يقلل من شأنهم وشأن منجزاتهم والهجوم
عليهم؟ إلا إذا كان من ينقد من غير المحبين ولا الحريصين وكان من رجال الصف الآخر المتضرر
من هذه الحركة!
التركيز على الاقتصاد
ويركز الربعي كثيرًا على الجانب الاقتصادي
في حديثه وقصور الإسلاميين في فهم ذلك الجانب، ويحاول الإيحاء بأن المشكلة في أساسها
اقتصادية يتجاهل الأساس العقائدي وأن مشكلة المسلمين الحقيقية اليوم هي في الالتزام
بدينهم وتطبيقه في حياتهم تطبيقًا صحيحًا يشمل كافة مظاهر النشاط الإنساني من سياسة
واقتصاد واجتماع وفكر وثقافة وقيم وعادات وتقاليد وتشريع إلى ما غير ذلك.
فهو يقول: إن أزمة العالم العربي والإسلامي
تكمن في: «التردي للاقتصاد والإنتاج وفي مستوى الحالة الاجتماعية».. وهكذا بكل بساطة
يتجاهل الربعي كل المشاكل الاجتماعية والأخلاقية والسياسية والاستعمار الحديث والوجود
الصهيوني في فلسطين يحصرها في «الاقتصاد والإنتاج» فحسب! وهذه قمة التجاهل للواقع وتزييف
الحقائق، ويضرب مثالًا لذلك بالحركة الإسلامية في مصر المطحونة بالمشاكل الاقتصادية
والتي يقول بأن معظم المنتمين إليها هم «من الطبقات الدنيا المسحوقة في المجتمع المصري
خاصة في الريف مع أن الواقع يبين أن رواد الحركة الإسلامية وأتباعها هم من الطبقات
المتعلمة والمثقفة وأصحاب الكفاءات العلمية، وأن الحركة الإسلامية تتصدى من خلال هذه
الكفاءات للمساهمة في حل المشاكل التي أوجدها العصر الساداتي في مصر، وذلك من خلال
المشاريع الاقتصادية المساهمة والشركات الخاصة وغيرها، فما أورده أحمد الربعي في هذه
المسألة إذن تزييف آخر للوضع الحقيقي في مصر لدعم النظرية الماركسية التي تهمل أي عامل
آخر غير الاقتصاد في حياة الشعوب وصنع التاريخ!
حقائق الإسلام ونظريات البشر
ويتحدث عن الاقتصاد الإسلامي فيقول بلهجة
لواثق من صدق دعواه(1): «من هنا نرى أن هناك أزمة في الاقتصاد الإسلامي، ليس سببها
أن أجدادنا لم يتشغلوا في الاقتصاد لكن بسبب أن اقتصاد الأجداد ليس اقتصاد القرن العشرين».
ويقول بأن اقتصاد مكة ليس كاقتصاد المدينة
أو الأندلس، وواقع الأمر أن أحدًا من المسلمين لا يعارض ذلك مطلقًا.. فتفاصيل الاقتصاد
تختلف من بلد لآخر، ولكن تبقى المبادئ الاقتصادية واحدة.. إن اقتصاد اليابان غير اقتصاد
الولايات المتحدة في تفاصيله إلا أن المبادئ الاقتصادية واحدة، فكلاهما رأسمالي، لذا
فإن الإيجابيات والسلبيات تتشابه تشابهًا كبيرًا في الاقتصادين برغم اختلاف البنية
والتفاصيل.. وكذلك الحال بالنسبة للاقتصاد الاشتراكي المقيد في روسيا ومجتمعات الطوابير
الاستهلاكية في دول أوروبا الشرقية.
ثم يتحدث عن النظرية السياسية في الإسلام
ليقول: إنها غير موجودة وأن الإسلاميين: «لا يملكون نظرية ذلك.. فهناك قواعد عامة مجموعة
الآيات التي تدعو إلى نظام سياسي معين وهي آيات قليلة جدًّا».
ويدعي أنهما
آيتان فقط، واحدة في الشورى والأخرى في العدل وكفى.
ويبدو أن الربعي قبل أن يلقي الكلام على
عواهنه لم يتثبت من قوله جيدًا، ولم يكلف نفسه بقراءة كتاب الله جيدًا.. فقد ورد في
القرآن أكثر من ٣٨ آية قرآنية تنظم العلاقات السياسية والعامة، وترسي قواعدها وأسسها،
في الحكم والسلطة وولي الأمر، من حيث طاعة الرعية له ورفقه بهم والشورى والعدل، ونحيل
الدكتور إلى المعجم المفهرس لألفاظ القرآن والتفاسير والشروح المتعلقة بذلك، إضافة
إلى كتاب السياسة الشرعية لابن تيمية، والأحكام السلطانية للماوردي، والإمامة والسياسة
لابن قتيبة من التراث وكتاب نظرية الإسلام وهدية للمودودي والتفسير السياسي للإسلام
للندوي، من الفكر الإسلامي المعاصر.
ثم يعود الربعي لينعي على المسلمين عدم
وجود برنامج إصلاحي جاهز لمشاكل الأمة الإسلامية.
نعم ليس في الإسلام نظريات؛ لأن النظريات
للبشر ومن صنع عقولهم القاصرة المحدودة بالحواس والزمان والمكان.. أما الإسلام فيتعامل
مع الحقائق الكونية والبشرية والعقائدية.
تجاهل خطير
وهنا يتجاهل الربعي حقيقة أكبر في أن الفقه
الإسلامي وليد البيئة الإسلامية، وأن الحلول الجاهزة لا تنفع إلا إذا كان هناك تطبيق
كامل وشامل لكافة جوانب الإسلام في الحياة تطبيقًا صحيحًا، وإن أسهل ما يمكن عمله هو
وضع برنامج عمل يعرضه الإسلاميون على جماهير أمتهم؛ ليشتروا به عواطفهم، كما يفعل أصحاب
المبادئ الأرضية والطرق الميكافيلية، ثم يتراجعون عنه عند التطبيق، ويكون هناك تنقيح
وتعديل، ثم تراجع، ثم تصحيح المسار.
فهل يريد الربعي للإسلاميين أن يكونوا هكذا؟
يرسمون البرامج ويعطون الوعود ويخدرون الجماهير بالأماني المعسولة وجنان البروليتاريا
الفردوسية، ثم يضربون بيد من حديد، كما حدث في تشيكوسلوفاكيا وبولندا؟!
القرامطة حركة ثورية!
ويتحدث الربعي عن التاريخ الإسلامي وهو
متخصص فيه فيقول: إن الحركات الثورية عبرت عن نفسها في ردود فعل ثورية ضد الظلم السياسي
أو الاقتصادي ومثال الماركسيين المفضل هو ثورة الزنج أو القرامطة الذين هدموا الكعبة
وسرقوا الحجر الأسود في القرن السابع الميلادي.. وهم يتناسون الدوافع العقائدية للتصور
الفاسد عن الإسلام عند هؤلاء القوم في نشوب ثورتهم؛ ليركزوا على المعنى الطبقي والأسباب
الاقتصادية، والتي ربما لم تمثل إلا جانبًا يسيرًا من أسباب الثورة أو غير ذات أثر
على الإطلاق في نشوبها أساسًا.
ويدلل الربعي على عدم استقرار النظام السياسي
الإسلامي حتى في عهد الخلافة الراشدة لاغتيال ثلاثة من أربعة خلفاء، متناسيًا نبوءات
الرسول صلى الله عليه وسلم فيما سيحدث من بعده، ومتجاهلًا أن الاغتيالات الأولى لم
تؤثر في سير الحياة اليومية واستقرارها كثيرًا في غالب مدن العالم الإسلامي، وبخاصة
عاصمة الخلافة في يثرب باستثناء الفتنة الكبرى.
ونريد من الربعي الذي تخصص في دراسة التاريخ
الإسلامي أن يدلل لنا على تفسير منطقي ومعقول لتوحد العرب تحت راية الإسلام وإسقاطهم
لأعظم إمبراطوريتين في ذلك الزمان، وهما الفرس والروم، وإقامة خلافة عالمية في أقل
من مائة عام من ظهور الإسلام في الجزيرة العربية، وكيف لعب الاقتصاد دوره «دون العقيدة»
في هذا؟ ثم لماذا تحطمت الحتمية التاريخية على جبال الهندكوش في أفغانستان؟
إننا نؤكد من الآن للدكتور بأن أي تفسير
بعيد عن الدين هو تفسير خيالي.
الوحدة العربية والشعارات الوهمية
وفي معرض حديثه عن الوحدة يقول الربعي:
بأن الوحدة الإسلامية مستحيلة، وبأنها طرحت كبديل للوحدة العربية، مع أن العكس هو الصحيح.
فإن جامعة الدول العربية طرحتها بريطانيا في العصر الحديث؛ لتكون بديلًا عن الجامعة
الإسلامية التي نادى بها جمال الدين الأفغاني، وهكذا تنقلب الحقائق عند الربعي.
ثم يقول: بأن الإسلاميين يطرحون شعارات
وهمية ومطاطة.. إن الإسلاميين لا يطرحون سوى الإسلام، ويقدمونه بشكل أقرب إلى شعوبهم
التي عانت خلال عقود طوال من القمع الثقافي والسياسي الاستعماري والتغريب والتجهيل،
فيمارسون التوعية العقائدية، منطلقين من عقيدة الله عز وجل، ثم الإرث التاريخي الضخم
الذي تركه لنا الأجداد السابقون وعلى هدي الواقع المعاصر.
إن الذي يخاطب الشعوب المسلمة بشعارات وهمية
هو ذلك الذي يخاطبها بنظريات ثبت سفهها وفشلها عمليًّا، واعتبرت من مخلفات العصور البائدة
في أوروبا، وتراجع عنها وأنكرها حتى أشد المتحمسين لها.. ولا نظن أحدًا يحترم عقله
وذاته الإنسانية سيؤمن بها بعد أن آلت إليه غربة شبه كاملة في بلادها وبين أهلها.
إن الفكر الإسلامي بخير ولا يعاني من أزمة
الفكر بقدر ما يعاني من أزمة التطبيق، ويعاني من جهل أبنائه وعجز علمائه، ونخشى عليه
أكثر من هؤلاء الذين يدعون الخشية عليه وهم يحاولون تقويض أركانه والفتك بدعاته والتخريب
عليهم.