; قصتان واقعيتان من حياتنا الأسرية نستخلص منهما الدروس والعبر | مجلة المجتمع

العنوان قصتان واقعيتان من حياتنا الأسرية نستخلص منهما الدروس والعبر

الكاتب تيسير الزايد

تاريخ النشر السبت 16-فبراير-2008

مشاهدات 56

نشر في العدد 1789

نشر في الصفحة 54

السبت 16-فبراير-2008


  • وراء كل باب توجد قصة بطلتها إحداهن.. نعيشها معها لدقائق فأحيانًا نجد المتعة وأحيانًا نجد العبرة

القصة الأولى: سباق مع الأيام

  • هل حقًا سترحل؟
  • نعم.
  • لماذا؟
  • سؤال لا أستطيع الإجابة عنه الآن.
  • وأبناؤك؟
  • لا أجد حتى رغبة في توديعهم.

 أغلق الباب خلفه، وأبواب فتحت أمامها وأبواب أخرى أغلقت ألقت بجسدها المتعب على أقرب كرسي بجوارها، صارعت بيدها دمعة أبت إلا أن تشاركها همومها، وفي أعمق لحظات ضعفها عاد لها تفكيرها الصائب لينتشلها، نعم، إنه تحد جديد لها ولقد اعتادت على مثل تلك التحديات.

سؤالان باتا يحيرانها: «هل أخطط لحياة جديدة بدونه؟» أم «أعيده إلى بيته؟». 

وحتى تستطيع الوصول للقرار استأذنت الإجابة فترة من الزمن تراجع فيها حساباتها.

 «إنه يوم مختلف، أسرعوا والحقوا بي إلى السيارة»..

عشرون دقيقة وكانت هي وأبناؤها الأربعة على شاطئ البحر يداعبون الأمواج بأقدامهم. والرمال بأصابعهم. كيف تبدأ حديثها معهم، وكيف تخبرهم بما حدث دون أن تهز صورة الأب في أعينهم الصغيرة تلك الأعين التي كانت تتحاشى النظر إليها طوال الطريق وأثناء اللعب. خوفًا من الانهيار أخذت تنظر إلى الأعلى بحثًا عن دعم فطالما كان معها تستمد القوة من إيمانها العميق به والعون من توكلها عليه.

«أقصر الطرق الخط المستقيم»، هكذا كان الدرس الذي كانت تشرحه لولدها بالأمس، فلتختصر الكلام وتكن واضحة ولترح عقول هؤلاء الصغار من التفكير: «القد انتقل أبوكم للعيش في مكان آخر لفترة لا أدري كم ستطول، وعلينا في تلك الفترة أن نكون أكثر قربًا من بعضنا البعض ألا تخبرونني بأي فكرة أو سؤال تفكرون فيه، وأعدكم إنني سأكون صادقة معكم في الإجابة عليه، فهل لدى أحدكم سؤال الآن؟».

لقد كانت المسألة أسهل مما كانت تتخيل: هل استوعب الصغار ما قالت أم أجلوا الأسئلة إلى الليل كعادتهم؟ ستنتظر فالحكاية ما زالت في بداياتها.

عاد الليل وعاد السؤالان اللذان طرحتهما على نفسها: حياة جديدة؟ أم كفاح مسلح لاسترجاعه؟، لم تجد رغبة أيضًا للإجابة ولن تتعجلها، ربما تترك للأيام الإجابة برغم عدم اعتيادها ذلك. فطبيعة البحث لديها كانت دائمًا حافزًا لها للوصول إلى قرار.

«إجازة ثلاثون يومًا، ومن سيقوم بعملك في تلك الفترة؟».

«لقد رتبت الأمر مع منى، وستكون المسؤولة عن عملي في تلك الفترة، ولكني في حاجة شديدة لتلك الإجازة».

ما أن رأت توقيع مديرها على ورقة الإجازة حتى شعرت ببعض الارتياح فهي بحاجة أن توظف كل طاقات عقلها لإعادة صياغة حياتها الجديدة، فسواء عاد أم لم يعد فهي حياة جديدة بكل تفاصيلها فأبدًا لن تعود الأمور لماضي عهدها.

كثرت الأسئلة التي باتت تلح عليها بالإجابة فكل يوم جديد يشرق معه سؤال جديد:

هل تخبر عائلتها بما حدث وإلى متى سيطول إخفاء الأمر عليهم؟ مصروف البيت.. كيف ستدبر أمره؟ مشاعرها كامرأة كيف ستتعامل معها؟ كيف ستعوض الأبناء وجود الأب في حياتهم؟ مع علمها إنها أبدًا لن تستطيع مهما حاولت.

أصبح القلم صديقها في كل تحركاتها:

تكتب، تشطب، وتعيد الكتابة مرة أخرى، ولكن الشيء الذي أضحت متأكدة منه أنها لن تستطيع أن تشطبه من حياتها برغم كل النقاط السلبية التي يملكها، إلا أنها قادرة أن ترى أيضًا نقاطه الإيجابية.

بعد أيام اتضحت لها الفكرة وأصبحت أكثر تعلقًا بفكرة إرجاعه لبيته، ولأبنائه، ولها في النهاية. فأكثر أسئلتها إجاباتها لديه، والحياة محاولة، وذكرياتهم الجميلة معًا وإن كانت قليلة جديرة بالمحاولة.

أصبح البحث عن زوجها الذي اختفى فجأة شغلها الشاغل.

خمسة عشر يومًا تبقت من إجازتها. وبدأ الأهل يسألون عن اختفائها المفاجئ عن مناسباتهم الاجتماعية، وجدت نفسها في سباق من نوع مختلف.. سباق مع الأيام. تذكرت حوارهم الأخير: «نعم هو لا يستطيع أن يبرر رحيله، فهذا بحد ذاته نقطة مضيئة، لو كان لديه سبب قوي لواجهها به في حينه، ولكن ما يشغله ويدفعه للهروب شيء من داخل نفسه ربما تكون على صلة به ولكن أغلبه يعود له لماذا لا يريد أن يودع الأبناء؟ هل خوفًا من أن يمنعه ضعفه عن المضي قدمًا في تنفيذ قراره؟ وهذه نقطة مضيئة أيضًا.. فحب الأبناء ما زال في داخله.

نعم، إنه مدين لها بتفسير ما فعل، وهي مصممة على أن تعرف ما حدث.

قادت سيارتها بهدوء، وتوقفت عند باب العمارة التي أخبروها أنه استأجر فيها. وضعت مفتاح سيارتها في حقيبتها، ووضعت كرامتها في جيب حقيبتها وأحسنت إغلاقها، وخطت أول خطوة في إعادة صياغة حياتها، فقبل أن تبحث عن إجابة لأسئلتها الكثيرة ستحاول أن تعيده معها، وما أن رأت عينيه عندما فتح الباب أدركت أن العودة معه أسهل من تركه ولكن متى ستشفى جراحها؟ هذا لم تكن متأكدة منه بعد.

القصة الثانية: بيت على الجبل

«أين ستقضين الصيف هذا العام؟» سؤال اعتادت أن تتعامل معه طوال الخمس عشرة سنة الماضية كلما رددته عليها أخواتها أو قريباتها اللواتي كن دائمًا محتارات بين قضاء الصيف في شقة لبنان أو مصيف سويسرا أو منزل إنجلترا التي لم تكن تملك أيًا منها، كل ما كانت تملكه قلب رجل أحبها واحترمها وتوجها ملكة على مملكته المتواضعة، فمنذ أن احترمت كلمة أبيها في أن تتزوج بابن صديقه الذي لا يستطيع اثنان أن يختلفا حول أخلاقه وشخصيته وحسن تعامله أعلنت تنازلها عن كل الرفاهية التي عاشتها في منزل والديها.

لم تتذمر في يوم من الأيام، أو تبدي اعتراضًا على الاختلاف الشاسع بينها وبين أخواتها، بل بالعكس كن يغبطنها على احترام زوجها لها وعلى أبوته الحانية وعلى اهتمامه بمنزله، ولكن ما أن يأتي الصيف ويتفرق كل من حولها ويجتمعوا مع أبنائهم بالخارج حتى بدأ شيء من الضيق ينزل بقلبها، فحتى وإن أمضت بعض الأيام هنا وهناك فهو شيء لا يقارن بأخواتها اللاتي يمضين الشهور الثلاثة أو الأربعة في الخارج.

إجازة الزوج من العمل، مصاريف دراسة الأبناء في المدارس الأجنبية التي اضطرت أن تضعهم بها لتحاكي دراسة أبناء خالاتهم، إلى جانب مصاريف السفر التي كان على الزوج أن يتحملها بالكامل لكونها لا تعمل، كلها معوقات كانت تقف أمامها كلما حاولت أن تتمثل بمن حولها.

«سوف أسافر مع أختي هذا الصيف. فلقد عرضت علي قضاء الصيف معها في مصيفها بألمانيا، ولأن زوجها لن يذهب معها هذا الصيف فهي فرصة أن آخذ الأبناء ونسافر معها، ولن نتكلف سوى مصاريف تذاكر الطيران».

لم يكن لديها أدنى استعداد لتستمع لرده بل لم يكن هو لديه استعداد أن يتكلم. تركها تفعل ما تريد بل كان آخر من وقعت عليه عينيها عند بوابة المسافرين.

ما أن وصلت إلى منزل أختها حتى أسرعت إلى الخارج تحاول أن تعود بالذاكرة عشرين سنة إلى الوراء، فهذه الأشجار شاهدة على لعبها ولهوها أثناء فترات كبيرة من حياتها، نعم ستحاول أن تنقل هذه السعادة إلى أبنائها و«لكن ليته كان معنا!» جملة كانت تؤلمها بين الحين والآخر. أطلقت لأرجلها العنان تمشي في الطرقات الضيقة بين الأشجار، فلربما استطاعت أن تتلاءم مع هذا الوضع الجديد يا ترى أين اختفت مشاعرها وهي صغيرة؟؟ حاولت أن تبحث عنها في كل منعطف تقدم به العمر، وفي كل شجرة شاخت أغصانها ولكنها لم تجد ما تبحث عنه بل دائمًا ليته كان معنا تعود لتؤرقها من جديد.

 «أكيد أصابك الهذيان.. كل هذا بسبب أن أبا الأولاد ليس معكم»..

وتعالت ضحكات أختها ولكن هي متأكدة بما تشعر به.. بالرغم من أن أحدًا لم يكن ليصدقها، ولتتأكد خرجت في الصباح الباكر لليوم التالي، ومرت من أمام البيت.. هناك أمر غير طبيعي يحدث، هذا البيت يوحي لها بشيء، ربما بالدفء.. بالشموخ.. بالأمان.. بالهدوء.. بكوب شاي دافئ.. بضحكات من القلب.. بهمسات دافئة.

نعم إنه يذكرها به، كيف تركته وحيدًا هذه الفترة وهو لم يتركها يومًا تشعر بالوحدة كيف تنازلت عن كل هذه الأشياء لمجرد أن تمشي وحيدة بين أشجار أصابتها الكهولة بالنسيان فلم تعد تذكرها.

جلست على السرير وأمامها الصغار لتفجر مفاجأتها «سنعود إلى المنزل في أقرب فرصة».

«حقًا، لقد اشتقنا إلى والدنا برغم قصر المدة ولا يوجد شيء نفعله هنا سوى المشي بين الأشجار التي تشعرنا بالضجر وزيارات الأقارب التي لا تنتهي».

وفي أول رحلة كانت عائدة إليه تحمل له شوق ووعود لن تكتبها أو تقولها ولكن ستعيشها معه.

وجدته كما تركته ينتظرها عند بوابة القادمين فكان أول من رأته عينيها، وكان ما زال شامخًا مبتسمًا يملؤه الحب والدفء كالبيت الذي في أعلى الجبل..

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1154

60

الثلاثاء 20-يونيو-1995

استراحة المجتمع (1154)

نشر في العدد 1229

77

الثلاثاء 10-ديسمبر-1996

استراحة المجتمع (1229)

نشر في العدد 608

63

الثلاثاء 15-فبراير-1983

الافتتاحية: أم الفداء... ذكرى وعبر