; مسيرة السراب في موسكو | مجلة المجتمع

العنوان مسيرة السراب في موسكو

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأحد 02-فبراير-1992

مشاهدات 70

نشر في العدد 987

نشر في الصفحة 4

الأحد 02-فبراير-1992

حين كتبت هذه السطور كان المجتمعون في العاصمة الروسية لا يزالون يراوحون في مكانهم أمام عقدة التمثيل الفلسطيني في المباحثات؛ حيث رفضت إسرائيل السماح لفريق المباحثين الفلسطينيين تحقيق أي مكسب لهم في المفاوضات ولو كان معنويًا، ونجحت كعادتها في إدخال العملية برمتها في نفق طويل من المعضلات الصغيرة التي لا تنتهي.

وإذا تركنا مهمة تحليل تفاصيل الأحداث هناك لوكالات الأنباء والصحف العالمية التي تحب شغل صفحاتها بالأحداث الفرعية واليومية، فإن النتيجة الأولى لمحطة «السلام» في موسكو هي أن الفرقاء لم يكملوا بعد الخطوة الأولى باتجاه الهدف النهائي المعلن، وهو تحقيق التسوية بين العرب وإسرائيل على أساس انسحاب إسرائيل من الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧.

وكان زعماء الكيان اليهودي أكدوا في تصريحات متشددة أنهم لن يقدموا للعرب أي من أراضيهم السليبة، وإنما يعرضون سلامًا يهوديًا مشكوكًا به مقابل سلام عربي واقع، ثم أردفوا القول بالفعل فكانت جائزتهم للجالسين في مائدة موسكو غارات برية وجوية على لبنان حصدت عشرات القتلى.

ماذا حققت مسيرة التسوية الجديدة بعد مدريد للطرفين العربي والإسرائيلي للعرب؟ لم تحقق المسيرة أية مكاسب ملموسة حتى الآن، وحتى صورة التوحد والترابط التي ظهر بها الجانب العربي في مدريد ما لبثت أن انقشعت وعادت الأنظمة المشاركة في المفاوضات متباعدة متفرقة ينتقد بعضها بعضًا.

وحتى منظمة التحرير الفلسطينية التي قبلت إلقاء كل الأوراق في سلة التسوية، وشاركت في المفاوضات بصورة شبح منبوذ يتسول القبول الدولي- لم ترجع من ذلك بأي ثمرة تعوض خسائرها المعنوية والسياسية الجسيمة في أزمة العدوان العراقي على الكويت.

أما إسرائيل فبمجرد قبولها حضور المفاوضات حصدت مكاسب عديدة، لعل أبرزها ما يلي:

·       اعترفت معظم الحكومات العربية ضمنيًا بحق إسرائيل في الوجود كدولة ذات سيادة؛ إذ شارك ممثلون من هذه الحكومات بصفات متباينة، وبقي الخلاف على حدود تلك الدولة.

·       حققت إسرائيل باتصالها المباشر مع وفود عربية متعددة وظهورها اليومي في شاشات التلفزيون العربية خطوة نحو هدم الجدار النفسي بينها وبين الشارع العربي؛ إذ لم تعد إسرائيل ذلك الخصم والعدو الحتمي للعرب، بل هي طرف في نزاع عسكري وسياسي مع «بعض» الدول العربية.

·       عززت إسرائيل علاقاتها مع واشنطن بمسايرة الجهود الأميركية في مشروع السلام في الشرق الأوسط، والذي تتبناه الولايات المتحدة لأهداف ودوافع قد لا تتفق مع الأهداف والدوافع الإسرائيلية، لكنه يمثل لبنة هامة في السياسة الأميركية الشرق أوسطية.

·       دعمت إسرائيل فرصتها في الحصول على المزيد من الدعم المالي والعسكري من الغرب لتمويل مشاريعها الإستراتيجية، وأهمها مشروع توطين اليهود في فلسطين، وأصبحت تشاغب على مسألة المستوطنات في الضفة الغربية.

وإذا امتنع الرئيس جورج بوش عن إعطاء الضمانات لقرض العشرة بلايين دولار لإسرائيل في المدى القريب، فإنه ملزم بذلك قبل موعد الانتخابات الأميركية في نوفمبر القادم.

إن مشروع التسوية في الشرق الأوسط حسبما هو معلن عنه يقدم للجانبين العربي والإسرائيلي مكاسب، أما المكاسب الإسرائيلية فهي ما ذكرنا آنفًا، وتتحقق من خلال عجلة المباحثات والمفاوضات، وأما المكاسب العربية فهي ما وصف بـ«الأرض مقابل السلام» وهذه لن تتحقق إلا بنهاية المفاوضات بموافقة إسرائيل على الأمنية العربية بالانسحاب.

إن مصلحة إسرائيل في أن تستمر المفاوضات طويلًا بما يحقق المكاسب اليهودية وألا تصل إلى نهاية تحقق للعرب أي مكسب، ومن هذا يمكن فهم الكثير عما يحدث في موسكو الآن.

إن الذاهبين إلى موسكو من العرب وفي جعبتهم الآمال الكبار لن يحصلوا إلا على السراب، فليس من المنطقي أن تمارس إسرائيل التنازلات وهي في أوج قوتها عسكريًا وسياسيًا.

ولقد صدق من العرب من قال إن السياسة العربية بعد زلزال الخليج تهدف إلى تقليل الخسائر، لا إلى جني الثمار، ولكن هل توافق إسرائيل تعويض خسائر العرب في ١٩٦٧ بعد مرور ربع قرن عليها؟

لقد هدم النظام العراقي الأثيم بجريمته في الكويت آخر زخم يجمع العرب على قضية فلسطين، وهدم حلفاء صدام في العالم العربي بحمقهم ولؤمهم روح التآلف والترابط التي تجمع الشعوب العربية في مواجهة البغي اليهودي في المسجد الأقصى فحق لليهود أن يشمخوا بأنوفهم على عرب ومسلمين ضاع في وجدانهم الحق والعدل، وأيدوا الظالم منهم على الضعيف، واستجدوا من عدوهم الأرض والعرض.

إن أرض فلسطين جزء من بلاد المسلمين لا يحق لأي حكومة أو نظام عربي التفاوض عن شبر منها بغرض تسليمها لليهود إذعانًا أو رضوخًا، ولا يمتلك كل الذاهبين إلى موسكو عربًا أو فلسطينيًا الحق نيابة عن الأمة في منح اليهود أيًا من الأراضي التي يحتلونها بالقوة أو الاعتراف بهم ككيان ذي سيادة.

إن كل الضعف الذي يعيشه المسلمون والعرب الآن لا يبرر الرضوخ لليهود بما يريدون، وقد عاش المسلمون في تاريخهم فترات قوة وضعف، وتقلبت بهم السنون، ولا بد من جيل قادم يقيل العثرة، ويحمل الهمة، ويرفع البنيان من جديد.

الرابط المختصر :