; ضوابط فقهية: صيام المرأة | مجلة المجتمع

العنوان ضوابط فقهية: صيام المرأة

الكاتب د. مسعود صبري

تاريخ النشر السبت 15-أكتوبر-2005

مشاهدات 70

نشر في العدد 1673

نشر في الصفحة 42

السبت 15-أكتوبر-2005

 روى البخاري ومسلم في صحيحيهما أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن في الجنة بابًا يُقال له الريان، يدخل منه الصائمون لا يدخل منه غيرهم، فإذا دخلوا أُغلق».

تشارك المرأة الرجل في الصيام وأحكامه غير أن للمرأة خصوصية في بعض الأحكام تمايز بها الرجل.

ومن أهم تلك الأمور أن الله تعالى عافاها من الصيام أيام الحيض والنفاس، غير أن كثيرًا من النساء يتمنين الصيام، حتى لا يحرمن الخير والبركة في هذه الأيام ويسعين إلى أخذ حبوب منع الحيض حتى يصمن رمضان، فهل هذا العمل جائز؟ 

الدكتور يوسف القرضاوي ينقل في فتواه إجماع الأمة على أن المسلمة التي تأتيها العادة الشهرية في رمضان المبارك لا صيام عليها، وإنما يجب عليها القضاء، ويبين الحكمة من ذلك أن هذا تخفيف من الله ورحمة بالمرأة الحائض حيث يكون جسمها متعبًا وأعصابها متوترة، فأوجب عليها الإفطار إيجابًا وليس إباحةً... 

ويرى الشيخ القرضاوي أن الأولى أن تسير الأمور على الطبيعة وعلى الفطرة، فما دام هذا الحيض أمرًا طبيعيًّا فطريًّا فليبق كما هو على الطبيعة التي جعلها الله عز وجل، ولكن إذا كان هناك نوع من الحبوب والأدوية تتعاطاها بعض النساء، لتأجيل الحيض كما هو معروف من حبوب منع الحمل، وأرادت بعض النساء أن يتناولن هذه الحبوب لتأخير العادة عن موعدها حتى لا تفطر بعض أيام رمضان، فهذا لا بأس به بشرط أن تتأكد من عدم إضراره بها، وذلك باستشارة أهل الذكر أهل الخبرة باستشارة طبيب حتى لا تتضرر من تناول هذه الحبوب. فإذا تأكد لها ذلك وتناولت هذه الحبوب وتأخرت العادة صامت، فإن صيامها مقبول إن شاء الله.

وهذا ما أكده الشيخ عطية صقر رئيس لجنة الفتوى بالأزهر سابقًا، حيث قال: ولا يوجد دليل يحرم ذلك في كتاب أو سنة، ولا في مأثور السلف الصالح، بل جاء في المأثور عنهم أنهم كانوا يجيزون للنساء في موسم الحج أن يتعاطين ما يمنع نزول الدم حتى لا يحرمن من أداء الشعائر التي تشترط فيها الطهارة كالطواف حول البيت والصلاة في المسجد الحرام بمكة ومسجد الرسول بالمدينة، وكقراءة القرآن الكريم. وكان منقوع شجر الأراك الذي يؤخذ منه السواك مفيدًا في هذا الموضع، فوصفوه للنساء ولم ينقل اعتراض أحد عليه، ومع جواز ذلك أنصح باستشارة الطبيب قبل تناول أي دواء يمنع نزول الدم، فقد يكون فيه ضرر.

 صيام الحائض والنفساء

ولكن لو صامت المرأة مع كونها حائضًا أو نفساء هل عليها إثم؟

ويجيب الشيخ عطية صقر قائلًا: أجمع الفقهاء على أمرين بالنسبة للمرأة إذا كانت حائضًا أو نفساء، وهما: عدم وجوب الصوم عليها، وعدم صحته إذا صامت بل على حرمة صومها فتكون آثمة إذا صامت لمخالفتها أمر الله. وهو ما أكده أيضًا الشيخ القرضاوي قائلًا: إن الحائض إذا صامت لا يقبل منها الصيام ولا يجزئها، ولا بد أن تقضي أيامًا بدل هذه الأيام، وهكذا كان يفعل النساء المسلمات منذ عهد أمهات المؤمنين والصحابيات رضي الله عنهن ومن تبعهن بإحسان، ولا حرج إذن على المرأة المسلمة إذا وافتها العادة الشهرية أن تفطر في رمضان، وأن تقضي بعد ذلك، كما جاء عن عائشة: «كنا نؤمر بقضاء الصوم، ولا نؤمر بقضاء الصلاة» (رواه البخاري).

 التبرج أثناء الصيام

ومن المعلوم أن كثيرًا من نساء المؤمنين ابتلين بالتبرج الكامل، أو وضع المساحيق والزينة على وجوههن، فهل مثل هذا العمل يبطل الصيام؟

في هذه الحالة يجب أن نفرق بين أمرين بين حرمة التبرج وازدياد هذه الحرمة في رمضان، وبين صحة الصوم أو فساده، فكما يرى العلماء فإن وضع «الروج» على شفاه السيدات في نهار رمضان بمجرده لا يوجب فساد الصوم، إلا إذا تخلل منه شيء مع اللعاب ودخل الجوف فإنه يكون مفسدًا للصوم في هذه الحالة.

ويرى الدكتور محمد سيد أحمد المسير الأستاذ بجامعة الأزهر أن التجرد أو التخفف من الماديات ومطالب الشهوة مطلب شرعي مقصود.

وعلى المرأة المسلمة التي تدع ضروريات الحياة من مأكل ومشرب فترة زمنية امتثالاً للأمر الإلهي ألَّا تجد حرجًا أو ضيقًا نفسيًّا في أن تهجر المغالاة في التجمل أو استعمال المساحيق مراعاة لأدب الصيام وحرمة الوقت واستشعارًا لجلال الفريضة.

ويؤكد الدكتور المسير أن تجمل المرأة إنما يكون خاصًّا لزوجها وأمام المحارم فقط.. فإن هي خالفت وأظهرت زينتها أمام الرجال الأجانب فقد ارتكبت معصية ومخالفة لأمر الله، وتتضاعف هذه المخالفة إذا كانت في شهر رمضان المعظم.. ومن هنا نفهم حديثًا لرسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: «من لم يدع قول الزور والعمل به فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه».

فالزور قولًا وعملًا يشمل المعاصي كلها، والمسلم حريص على اغتنام الفرص والنفحات الإلهية ليسعد في الأولى والآخرة.

 الاكتحال في نهار رمضان

ولكن بعض النساء لا يغالين في الزينة فيكتفين بوضع الكحل، فهل هو مُفطِر؟

الشيخ القرضاوي يرى أن الاكتحال مما لم يزل الناس يستعملونه منذ أقدم العصور فهو مما تعم به البلوی شأنه شأن الاغتسال والأدهان والبخور والطيب ونحوها، فلو كان هذا مما يفطر لبينه النبي –صلى الله عليه وسلم- كما بين الإفطار بغيره، فلما لم يبين ذلك علم أنه من جنس الطيب والبخور والدهن.. أي زيت الشعر ونحوها، وهذا هو رأي الإمام ابن تيمية - يرحمه الله-

 الفحص الطبي للمرأة

قد تحتاج المرأة إلى الفحص والكشف الطبي، فهل يجوز لها هذا في حال الصيام؟ وأن يفحصها الطبيب وينظر إلى صورتها وهي صائمة وقد أجابت لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الكويتية بجواز ذلك، وإن كان الطبيب غير مسلم، ولو كان في حال صيام المرأة، ولكنها أكدت أن الأولى أن يقوم بذلك طبيبة مسلمة، فإن لم تتوافر فطبيب مسلم، كما أنها حددت أن الفحص والاطلاع على العورة يجب أن يكون في موضوع المرض ولا يتعداه إلى غيره، وألا ينظر إلى العورة إلا القائم على الكشف ومن يساعده، ومن الأولى أن يكون معها محرم، وإذا تطلب الفحص إدخال أدوية أو أدوات علاج ونحوها وكانت المرأة صائمة فلا يفسد صومها بذلك.

 إفطار الحامل والمرضع

وقد تكون المرأة حاملًا أو مرضعًا فهل عليها إثم إذا أفطرت، وماذا تفعل عند حدوث الفطر؟

وأجابت لجنة الفتوى بوزارة الأوقاف الكويتية بأن الحامل إذا غلب على ظنها إما بتجربة أو بإخبار من تثق به من الأطباء المسلمين الموثوق بدينهم بأن صيامها يعرضها أو يعرض جنينها للضرر أبيح لها أن تفطر وتصوم بعدها إن قدرت على الصيام، فإن لم يكن عندها القدرة فدت بمقدار ما يكفي الفقير غداء وعشاء أو فطورًا وسحورًا في رمضان. 

وبمثل هذا قال الشيخ ابن باز يرحمه الله، فالحامل والمرضع في حكم المريض فتفطران وتقضيان عند القدرة، ونقل الشيخ أنه يجوز الإطعام عند بعض أهل العلم ولكنه قول مرجوح عنده، والواجب الصيام عند القدرة قياسًا على المريض والمسافر، لقول الله -عز وجل- : ﴿فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ (البقرة: ١٨٤)، ولحديث أنس بن مالك الكعبي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله وضع عن المسافر الصوم وشطر الصلاة وعن الحبلى والمرضع الصوم» (رواه الخمسة).

ويضيف الشيخ صالح بن فوزان من علماء السعودية، إن كان الضرر الذي أفطرت من أجله يحصل على الطفل فقط دونها فإنها تقضي ما أفطرته وتطعم كل يوم مسكينًا، وإن كان الضرر عليها فإنه يكفي منها القضاء، وذلك لدخول الحامل والمرضع في عموم قوله تعالى: ﴿فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ﴾ (البقرة:١٨٤).

ويُستدَل بقول شيخ الإسلام ابن تيمية -يرحمه الله- إن كانت الحامل تخاف على جنينها فإنها تفطر وتقضي عن كل يوم يومًا وتطعم عن كل يوم مسكينًا رطلًا من خبز.

ويرجح الشيخ القرضاوي أن على المرأة القضاء إن لم يتتابع عليها الحمل والإرضاع؛ أما بالنسبة للمرأة التي يتوالى عليها الحمل والإرضاع، بحيث لا تجد فرصة للقضاء، فهي في سنة حامل، وفي سنة مرضع، وفي السنة التي بعدها حامل... وهكذا.. يتوالى عليها الحمل والإرضاع بحيث لا تجد الفرصة للقضاء، فإذا كلفناها قضاء كل الأيام التي أفطرتها للحمل أو للإرضاع، فهذا معناه أنه يجب عليها أن تصوم عدة سنوات متصلة بعد ذلك، وفي هذا عسر والله لا يريد بعباده العسر.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 33

85

الثلاثاء 27-أكتوبر-1970

مبطلات الصيام

نشر في العدد 70

97

الثلاثاء 27-يوليو-1971

تبسيط الفقه..  تطهير النجاسات

نشر في العدد 723

84

الثلاثاء 02-يوليو-1985

جوانب من يٌسْر الإسلام