العنوان فرنسا. وأمريكا. والحملة الدولية - ظلال الديجولية تخيم على مواقف السياسيين الفرنسيين
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر السبت 27-أكتوبر-2001
مشاهدات 66
نشر في العدد 1474
نشر في الصفحة 35
السبت 27-أكتوبر-2001
بعد أحداث سبتمبر الأمريكية، كان الرئيس الفرنسي جاك شيراك أول رئيس أوروبي يزور الولايات المتحدة للتعبير عن تضامن فرنسا العميق مع الشعب الأمريكي من باب الاعتراف بجميل الأمريكيين الذين وقفوا خلال الحرب العالمية الثانية -إلى جانب الشعوب الأوروبية -مع الشعب الفرنسي خصوصا لدحر النازية، وتوالت مواقف السياسيين الفرنسيين في مختلف مواقعهم تؤكد نفس التوجه التضامني العام. لكن خارج هذا الإطار، برزت أصوات عديدة تدعو إلى عدم الانجرار إلى الاستراتيجية الأمريكية بكل تفاصيلها والحفاظ على السيادة الوطنية في اتخاذ القرار، بما يذكر بمواقف السياسي الفرنسي الشهير شارل ديجول أيام حكمه.
والمزيد من فهم مواقف الطبقة السياسية الفرنسية، نتوقف عند مداولات المجلس الوطني البرلمان الفرنسي لمناقشة أحداث أمريكا وتداعياتها بحضور السلطتين التنفيذية والتشريعية.
في جلسة يوم الأربعاء ١٠/٣. قدم الوزير الأول ليونال جوسبان خطابًا باسم الحكومة عقبه نقاش من النواب في خطابه، عبر جوسبان عن تضامن فرنسا مع الشعب الأمريكي وعن الشعور لقيمنا الأكثر ترسخًا احترام الحياة الديمقراطية الحرية، وكأن مثل هذه القيم خاصة بالحضارة باب تعويم هذه الخاصية الغربية في الإطار بالحزن الشديد المشفوع بشعور القلق معللًا ذلك بأن هذه الأعمال الإرهابية تمثل تحديًا مباشرًا الغربية وليست ملكا للجميع، ولعل الإشارة إلى أن هذه الأعمال تمثل أيضًا تحديًا لكل الأمم والمجتمع الدولي يستدعي أجوبة واضحة وحازمة، هو من الدولي واعتبر أن الهدف من مناقشة هذا الموضوع داخل البرلمان هو إشراك النواب في إصرار فرنسا على انخراطها في مقاومة ما أسماه بـ الإرهاب الدولي.
وتساءل: هل غير يوم ٩/١١ شيئًا في تاريخ العالم. وتوقف عند مصطلحين اقترنا بهذه الأحداث وهما: الحرب وصراع الحضارات. ولم يشر الوزير الأول صراحة في خطابه إلى انتماء القائمين بالتفجيرات في الولايات المتحدة إلى الإسلام وإنما ضمنيًا من خلال موقف من يقولون بالصراع الحضاري، مفسرًا موقفهم هذا بأن الإرهابيين يعتقدون في قدرتهم على إبلاغ الإسلام أو بالأحرى رؤيتهم الخاصة المنحرفة عن الإسلام، من أجل تبرير ما لا يمكن تبريره، وجلب اتباع أو أنصار أو من خلال الإشارة إلى الهدف الذي وضعته الإدارة الأمريكية لتحركاتها على انفراد أو في إطار تحالف وهو النجاعة مع طول النفس من أجل تفكيك منظمة بن لادن والشبكات التي تنعت بأنها تنتمي إلى حركة الإرهاب الإسلامي.
وفي تفسيره لظاهرة الإرهاب، يرى جوسبان من ناحية أن الصراعات وكل مظاهر عدم المساواة المنتشرة في العالم لا تفسر الإرهاب في الوقت نفسه الذي يعتبر أن الفقر والشعور بالدونية والظلم. كلها تولد الكراهية وكأنه يقول بأن الكراهية يجب الا تتجاوز الخط الأحمر، أي استعمال العنف. ولكن بين ما يجب أن يكون وبين الواقع، فرق شاسع فقد أثبتت أحداث ٩/١١ أن الخطر سائد ما دامت اسبابه متجذرة خاصة ما يتعلق بالفوارق الكبيرة في مستوى العيش بين شعوب ما يسمى بالشمال وما يسمى بالجنوب وما يتعلق بسياسة المكيالين في معالجة القضايا الحساسة. وفي خطاب الوزير الأول اعتراف بوجود إشكاليات حقيقية معقدة تحتاج إلى حوار واسع، حيث قال إن هذه الأزمة تقودنا إلى أسئلة أساسية بشأن الوضع الحالي للعالم.. وتسائل: كيف نرد على أصناف التطرف التي لدينا إحساس عميق بانتشارها حتى في عالمنا المتقدم كيف نتجنب تشكل فراغات في المجال السياسي لا يملؤها سوى العنف، في عالم يشهد عولمة اقتصادية؟». وأضاف لكني مقتنع بأنه يجب ألا يكون التهديد الإرهابي سببًا في تحول القضايا العالمية الملحة. مثل حل النزاعات خاصة في الشرق الأوسط واحترام حقوق الإنسان والتقدم الديمقراطي والتنمية -إلى قضايا ثانوية في أذهان صانعي القرار وفي الترتيبات الزمنية على مستوى الدول.
وفي انتظار هذا الحوار وتنزيل القناعات على أرض الواقع، فإن العالم اليوم يشهد مأساة إنسانية يعيشها الشعب الأفغاني في هذا الصدد. أشار رئيس الوزراء الفرنسي إلى حضور فرنسا عبر منظماتها غير الحكومية والمشاركة في إطار مساعدة أوروبية تقدر بـ ۲۷ مليون أورو لفائدة المدنيين الأفغان، وتقديم مشروع عمل للمجلس الأوروبي يضمن حق الشعب الأفغاني في تقرير مصيره، والمشاركة في الجهد الدولي لإرساء الحوار بين مكونات المجتمع الأفغاني من أجل مساعدته على تحقيق التصالح والسلم المدني. واعتبر جوسبان أن مقاومة الإرهاب أولوية مشتركة لكل الديمقراطيات ويجب أن تكون كذلك بالنسبة لبقية الأمم. ولكي تنجح يجب أن توحد الأمم والشعوب والأديان ولا تفرقهم. بيد أنه أوضح أن هذه الوحدة المرجوة على مستوى عالمي لن تقضي على التوترات في العالم، ولا تهدف إلى أن تفرض على الشعوب التي تعاني التخلي عن معاناتها ولا التنازل عن هويتها من أجل الانصهار في مقاومة أحادية التوجه والقطبية.
وعرج على الدور الفرنسي في مقاومة الإرهاب مؤكدًا سيادة القرار الفرنسي، فهو يرى أن ما يتم اليوم يندرج في إطار التضامن الدولي مع الشعب الأمريكي الصديق لفرنسا، ومع الولايات المتحدة التي نتقاسم معها المثال الديمقراطي. ولكنها ليست حربًا لطرف آخر منجرون إليها، وإنما هو عمل ضروري ومنهجي نضع فيه كل جهودنا بكل حرية، وبالطريقة التي تناسبنا، وذلك ليس بهدف القضاء على الإرهاب فحسب، وإنما أيضا لإصلاح التصدعات والحد من المظالم التي تذكي العنف وتضعف رسالة الديمقراطيات..
أما فيما يتعلق بالحلف الأطلسي، فإن التضامن بين أعضائه الذي ينص عليه الفصل الخامس من اتفاقية المنظمة تجسد على المستوى الفرنسي في فتح المجال الجوي للطائرات الأمريكية والمشاركة بحاملة طائرات والإشارة إلى إمكانية إرسال الفرق التابعة للقوات العسكرية والمختصة في العمليات الدقيقة العاملة في الإطار العسكري وركز الوزير الأول الفرنسي على أهمية الدور المخابراتي الذي تقوم به فرنسا في تقديم المعطيات والمعلومات النجاح الضربات المحدودة الأهداف وكذلك العملية طويلة المدى، مستخدمة في ذلك شبكة علاقاتها الدولية وخبرتها الطويلة بتعقيدات الواقع الإسلامي والتيارات الإسلامية العاملة في الساحة الغربية. وفي ذلك إشارة إلى أن ما تقوم به فرنسا من دور في المجال المخابراتي لا يستهان به ولا يقل أهمية عن الدور البريطاني العسكري المباشر ويتضمن هذا الخطاب رسالة للولايات المتحدة بأن فرنسا قدمت إلى هذا الحد ما يفي بالتزاماتها في إطار الأطلسي، وهي رسالة أيضًا إلى الرأي العام الفرنسي السياسي والشعبي في عمومه المتأثر بالديجولية من حيث التحفظ إزاء الاستراتيجية الأمريكية، بأن الدور الفرنسي بقي في إطار هذا الحد. ولهذا اشترط جوسبان في حال طلب الولايات المتحدة من فرنسا المشاركة العسكرية المباشرة على ساحة المعركة، أن يكون بلده مشاركًا كليًا في تحديد الأهداف وفي التخطيط للعمليات، ووعد باستشارة البرلمان في ذلك، وإطلاع النواب ومن خلالهم الرأي العام على التطورات في هذا الجانب. في نفس الوقت عبر عن اعتراض السياسة الرسمية الفرنسية على اتخاذ الموقف الناقد المسؤوليات الولايات المتحدة في التاريخ المعاصر كمبرر للتنصل من الانخراط في مقاومة الإرهاب، علمًا بأن خطاب الرئيس الفرنسي شيراك الموجه للشعب تضمن تلميحات لتطور المشاركة العسكرية الفرنسية تدريجيًا.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل