; الإسلام للناس كافة وللزمن كله | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام للناس كافة وللزمن كله

الكاتب د. سعد المرصفي

تاريخ النشر السبت 13-أبريل-2013

مشاهدات 58

نشر في العدد 2048

نشر في الصفحة 52

السبت 13-أبريل-2013

(*)  أستاذ الحديث وعلومه

الإسلام رسالة عالمية خالدة، جاءت للناس كافة وللزمن كله، يؤسس لهذا المعنى الجليل أن الأنبياء جميعا حملوها، ونادوا بالتوحيد، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾

(الأنبياء:25)، كما نادوا باجتناب الطاغوت قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ (النحل: ٣٦).

وتحدث القرآن الكريم عن أن الأنبياء جميعهم مسلمون، ودعوا إلى الإسلام فنوح عليه السلام قال: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾(يونس:72)، وإبراهيم وإسماعيل عليهما السلام قالا: ﴿رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ﴾ (البقرة:۱۲۸)، ووصى إبراهيم بنيه ويعقوب عليهما السلام بالإسلام قال تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ (البقرة:132)، ويوسف عليه السلام دعا ربه فقال: ﴿تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾ (يوسف:101)، وموسى عليه السلام قال: ﴿وَقَالَ مُوسَىٰ يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ﴾ (يونس:84) وسحرة فرعون حين آمنوا قالوا: ﴿رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾(الأعراف:126). وسليمان عليه السلام بعث لبلقيس: ﴿أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ﴾ (النمل:31). والحواريون قالوا لعيسى عليه السلام: ﴿آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران:52).

إن الإسلام رسالة الزمن كله، ورسالة العالم كله، ورسالة شاملة كاملة خالدة تخاطب كل الأمم، وكل الأجناس، وكل الشعوب وكل الطبقات، وليست رسالة لشعب خاص، يزعم أنه وحده شعب الله المختار وأن الناس جميعا يجب أن يخضعوا له، قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَىٰ عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ (الفرقان:1)، ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ (الأعراف: ١٥٨).

بل الإسلام هداية رب الناس لكل الناس وقد قرر الله تعالى ذلك في قوله تعالى، ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾(آل عمران: ۱۹)، وقوله سبحانه: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (آل عمران:85) ، وإذا افتخرت أمة من الأمم بأن نبيا منها فلتفتخر الأمم كلها بأن خاتم النبيين لها ؛ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ﴾ (الأنبياء:107)

وفي تقرير الوحدة الثقافية المترابطة والمتناسقة للأمة الإسلامية، والنهي عن تمزيقها قال تعالى: ﴿۞شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّىٰ بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَىٰ وَعِيسَىٰ ۖ أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ ۚ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ﴾ (الشورى ۱۳).

ولشمول الرسالة الإسلامية، تناولت أطوار حياة الإنسان كلها: أنى اتجه، وأنى سار، تصحبه طفلا، ويافعا، وشابا، وكهلا، وشيخا، وترسم له في كل هذه المراحل المتعاقبة المنهج الأمثل الذي يسعده.

وهنا نبصر أحكامًا وتعاليم تتعلق بالمولود لله، وغير ذلك مما ضمنه إمام كابن القيم منذ ساعة ميلاده، مثل: التأذين في أذنه واختيار اسم حسن له، وذبح عقيقة عنه شكرا كتابًا مستقلًا سماه تحفة المودود في أحكام المولود..

ونبصر أحكاما تتعلق بإرضاع الرضيع ومدته وفصاله وفطامه، ومن يرضعه، وعلى من تكون نفقة المرضعة أو أجرتها، وخصوصا عند الطلاق وانفصال أم الرضيع عن أبيه، فهنا ينزل القرآن موضحًا مفصلًا كل ذلك، فيقول: ﴿۞وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾ (البقرة:233).

وبعد ذلك نجد أحكاما تتعلق بالإنسان صبيًا وشابًا وكهلًا وشيخًا، فلا توجد مرحلة من حياته دون أن يكون للإسلام فيها توجيه وتشريع، وأكثر من ذلك أنها تعنى بالإنسان قبل أن يولد، وبالإنسان بعد أن يموت، ولا غرو أن وجدنا في الإسلام أحكاما تتعلق بالجنين، وأخرى تتعلق بـ الجنائز.

إن الإسلام حقا منهج رباني للحياة وتصور شامل لكل جوانب الحياة روحية أو جسمية دينية أو دنيوية عقلية أو عاطفية فردية أو اجتماعية، حيث رسم المنهج الأمثل للسلوك الرفيع، وشاء الله للإسلام أن يكون هداية الله للناس كافة من كل الأمم، وكل الطبقات، وكل الأفراد، وكل الأجيال، والناس تختلف مواهبهم وطاقاتهم الروحية والعقلية والوجدانية، وتتفاوت مطامحهم وآمالهم، ودرجات اهتمامهم، ولهذا جمعت الفكرة الأخلاقية في الإسلام ما فرقته الطوائف الدينية والمذاهب الفلسفية - مثالية وواقعية - في نظرتها إلى الأخلاق وتفسيرها لمصدر الإلزام الخلقي، فلم يكن كل ما قالته هذه المذاهب والنظريات باطلا، كما لم يكن كله حقا، إنما كان عيب كل نظرية أنها نظرت من زاوية، وأغفلت أخرى، وهو أمر لازم لتفكير البشر، الذي يستحيل عليه أن ينظر في قضية ما نظرا يستوعب كل الأزمنة والأمكنة، وكل الأجناس والأشخاص، وكل الأحوال والجوانب، فهذا يحتاج إلى إحاطة إله عليم حكيم فلا غرو إذا كانت نظرة الإسلام جامعة محيطة مستوعبة لأنها لیست نظرية بشر، بل هي وحي من أحاط بكل شيء علما، وأحصى كل شيء عددا.

لهذا أودع الله سبحانه في الإسلام ما يشبع كل نهمة معتدلة، وما يقنع كل ذي وجهة معتدلة، ويلائم كل تطور معتدل، فمن كان مثاليا ينزع إلى الخير لذات الخير وجد في أخلاقيات الإسلام ما يرضي مثاليته، ومن كان يؤمن بمقياس السعادة وجد في الفكرة الإسلامية ما يحقق سعادته وسعادة المجموع معه، ومن كان يؤمن بمقياس المنفعة - فردية أو اجتماعية - وجد في الإسلام ما يرضي نفعيته.. وهكذا.

وبهذا تسمع كل أذن الأنشودة التي تحبها وتجد كل نفس الأمنية التي تهفو إليها، وفق المنهج الرباني الذي يصلح الحياة.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 117

87

الثلاثاء 12-سبتمبر-1972

عن غربة أناسٍ مثقفين

نشر في العدد 228

243

الثلاثاء 03-ديسمبر-1974

نموذج من الكتابة السليمة للتاريخ

نشر في العدد 215

108

الثلاثاء 27-أغسطس-1974

نفحات من عبير..  إقبال