; عن غربة أناسٍ مثقفين | مجلة المجتمع

العنوان عن غربة أناسٍ مثقفين

الكاتب عمر محمد الحاج

تاريخ النشر الثلاثاء 12-سبتمبر-1972

مشاهدات 85

نشر في العدد 117

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 12-سبتمبر-1972

عندما يستسقى الخنافس للكادحين
مثقفون متطوعين بالانفصال عن أمتهم !
 بقلم : الاستاذ عمر محمد الحاج
يبدو أنني كثير التفاؤل عندما أناقش بعض المثقفين حول مفاهيم الفكرة الإسلامية حيث أنني أعتقد أن هؤلاء المثقفين والكتاب الذين يحملون أمانة القلم في أمتهم لا شك أنهم بحسب مسؤولية هذه الأمانة أمام الضمير ، وأمام الرأي العام يلمون إلمامًا واسعًا بتاريخ أمتهم العربية والإسلامية وما يسود حياة هذه الأمة من معتقدات وأفكار ، ونظم حياة وسلوك في المعاملات والعبادات، إلى جانب ما يلمون به من حياة شعوب العالم في تاريخها القديم والحديث وما يتحكم في واقعها اليوم .

وما كنت أتصور أن مثقفًا في المجتمع العربي وهو يعيش وسط جماعات المسلمين بمذاهبهم الفقهية وآرائهم المتعددة في مسائل الشريعة ومسائل فقه العبادات يجهل أوليات الفقه، على الأقل - على سبيل الثقافة العامة وواجب الأمانة العلمية والأدبية إن لم يكن على سبيل الإيمان بهذا الفقه وتطبيقه عمليًا في السلوك والعبادة، ولكن يبدو أن بعض المثقفين والكتاب الذين يحملون أمانة القلم يجهلون أوليات مباديء الشريعة الإسلامية وهم يناقشون معارضين أو متشككين أو حتى معجبين بتاريخ الحضارة الإسلامية وأثرها في شتى ضروب الحياة الدينية، والمدنية عبر التاريخ . 
ومن خلال مناقشتي لما يكتبه هؤلاء المثقفون والكتاب وما يثيرونه من مناقشات جادة أو غير جادة تبين لي أنه لا بد من أن يبذل دعاة الفكرة الإسلامية جهدًا كبيرًا في العمل وسط هؤلاء المثقفين وفق منهج جديد دقيق الدراسة، عميق الحكمة والمنطق يضع في الاعتبار ظروف هؤلاء المثقفين والكتاب ومناهل ثقافتهم وأثر التيارات الفكرية التي تنازعهم وتؤثر فيهم وفي نتاجهم العلمي والأدبي، وعلى أساس هذا الفهم ينطلق منهج العمل الجديد من قبل الإسلاميين إلى ذوات هؤلاء المثقفين والكتاب يهزها وجدانيًا، ويغذيها فكريًا، ويتعهدها بالتربية الفردية مخاطبًا فيها العقل والعاطفة بالأسلوب الذي يفهمون مراميه،  ويأخذ بيدهم ثانيًا إلى رحاب الفكرة الإسلامية خطوة خطوة، وبهذا يمكن تصحيح فكرهم وأسلوب حياتهم وبهذا يمكن تحويل من يقفون منهم ضد الفكرة الإسلامسة نتيجة جهل أو كبرياء إلى عاطفين على الإسلام ودعاته إذا لم ينضموا في صفوف العاملين لنصرته وهذه خطوة أولى تجعل منهم عونًا على بناء المجتمع الإسلامي لا معول هدم في كيانه وهم ينتسبون لهذا المجتمع بشهادة ميلادهم ويعيشون بفكرهم وتصورهم بعيدًا عن واقعه ومستقبله ومتطلبات العقيدة فيه بسبب ما أثر فيهم من تربية غير مسؤولة وأخلاقيات وافدة. 
وبما يتشبع به هؤلاء المثقفون من هذه الروح غير الجادة أخذوا يحتلون الآن مراكز أمامية من مركز قيادة الأمة، وأجهزة التوجيه فيها حتى امتدت أيديهم في التخطيط والتنفيذ إلى صفحات ما يطالعه أبناء جيلنا الجديد من أبناء الأمة، وقد تميزت هذه المناهج التي وصلت إليها أيديهم في كثير من البلاد العربية بالجهل بقواعد اللغة،  وأساليب العرب في الإنشاء والخطابة والشعر، واتسمت بتشويه حقائق التاريخ البعيد والمعاصر وتزييف ماضي الأمة العربية والإسلامية إلى جانب ما تطفح به من كلمات النفاق والملق وعبادة الفرد مما يتنافى مع مبادئ الحرية والاستقلال والعزة والكرامة الإنسانية، ومما يخرج عن أسس التربية التي يجب أن تراعى فيها أمانة العلم وأمانة الضمير .
والأمثلة كثيرة على ذلك ويكفي أن أضرب الآن مثلًا برجل من هؤلاء الرجال المثقفين الذين يساهمون في عملية التخطيط العلمي والتربوي في البلاد العربية ويجدون المجال واسعًا من كل أبواب أجهزة الإعلام والتوجيه فقد تحدث هذا الرجل من هؤلاء المثقفين أمام بعض العاملين في الحقل التربوي عن فقه   « الزكاة » بشيء من الاستخفاف وتسائل قائلًا « ما معنى أن ندرس الطالب والطالبة في عاصمة البلاد موضوعًا يتصل بزكاة الأنعام وهم لم يشهدوا في عاصمتهم قطيعًا من الجمال ولم يعرفوا شيئًا عن بنت لبون .. وحقه .. وجذعه .. » وإذا ناقشنا هذا التربوي مناقشة سريعة لتبين لنا أنه فات عليه أن الإيمان بالله يتبعه العمل وأنه من أساس دعوة الإيمان الصلاة  والزكاة والصوم والحج، ولا بد أن يدرس المسلم تفاصيل هذه العقيدة ومبادئها الأساسية في حياته ولا يهم إذا كان المسلـم الذي يتعلم هذه المبادىء الأساسية يعيش في عصر الجمال والدواب
كما تعيش أقاليم عاصمة هذا المثقف العربي التربوي وتعتمد على أكبر قطاع زراعي ورعوي - أو يعيش في عصر الطائرات وسفن الفضاء، يعيش في أمريكا بكل تقدمها أو في مجاهل أفريقيا بكل تخلفها فحقائق العقيدة الإسلامية وأحكامها الثابتة لا تتغير ولا تتبدل والذي يتبدل ويتغير هو الإنسان في مستوى فهمه وحياته وظروفه وواقعه والذي يدرس الشريعة الإسلامية يفهم تمامًا أنها صالحة لكل زمان ومكان وفي دفتي كتابها الكريم، وسنة رسولها الأمين ما يسعف الباحث الجاد في حل قضايا المجتمع ومشاكله التي عجزت عن حلها أحدث الأنظمة السياسية والاقتصادية في عالم اليوم إلى جانب ما وفرته هذه الشريعة في مجال البناء الإنساني حيث قدمت للإنسانية شخصية المسلم المتمسك بدينه كنموذج فريد للشخصية الإنسانية المتسامية على حضارة التراب وهي تبني وتنطلق روحا، ومادة لعمارة الأرض. 
 وإذا تركنا آراء هذا الرجل المثقف في مجاله التربوي وهو يتحدث بصوت خافت فإننا نری هذا الاستخفاف وهذه التربية غير الهادفة تنعكس على الأبرياء من أبناء الجيل الذين يعتمدون في مناهجهم التربوية على ما يغذيهم به فكريًا هذا الصنف من المثقفين. 
◘ وهذا الاستخفاف والجهل يكاد يصبح السمة المميزة لبعض مجتمعات الشبان بل وبدأ هذا الجهل ينعكس على أدبهم شعرًا ونثرًا ويميز هذا الجهل ما يتحدثون فيه من تاريخ وفكر مذهبي تساعدهم في ذلك أجهزة الإعلام التي تحمل كل صباح جديد هذا الضعف الفكري شعرًا ونثرًا،  وغناء ساقط المعنى والأداء، فقد سمعت أحدهم في ندوة شعرية من إذاعة عربية وهو من أبناء المسلمين يزعم مع الزاعمين المسيحيين أن المسيح عليه السلام مات مصلوبًا حيث يقول ذلك في كلمات متقطعة تتحدث عن الطب، والعذاب والموت والضياع، قالوا عن هذه الكلمات أنها « عذابات الإنسان » يترجمها الشعر الحديث وقد امتلأت بهذا النوع صحف ومجلات، وإذا تركنا عالم الشعر وما يزخر به من معانِ فيها الكثير من الجهل والمسخ والتشويه نجد عالم القصة بآهاته وآناته، وخيالاته، وأساطيره،  يزخر كذلك بالكثير من الجهل فقد كتب أديب من هؤلاء الشباب في جريدة يومية على صدر صفحتها الأدبية قصة قصيرة بعنوان « تداخل الحب والخشية والهزيمة » وبالرغم من بعد هذه القصة عن مسائل الفقه إلا أن الكاتب وهو يقدم في سياق قصته الصورة بعـد الصورة ويزج بنفسه في مجال الفقه ويقع بذلك في فقد جاء قوله في هذه القصة  :
« كنت وكأنني قوم يتأهبون لأداء صلاة استسقاء صباح اليوم التالي تأنقت وتعطرت لا أقصد أني فعلت ذلك بصفة خاصة ولكن هكذا أفعل كل        صباح .. »
وحسب المعلومات الأولية في دروس الفقه الإسلامي والتي يجب أن تتوفر لدى تلاميذ المدارس الإبتدائية فإن المطلوب من المصلين صلاة الاستسقاء أن يخرجوا خارج البلدة وعليهم ثياب المهنة، وعليهم أن يظهروا بمظهر الذلة والانكسار والذي يتأنق ويتعطر هو الذي يتأهب لصلاة العيد أو الجمعة إذا لم يكن التعطر والتأنق طبيعة يومية للمسلم الذي من إيمانه النظافة الدائمة، ولعل الأديب المثقف خلط بين الصلاتين في ذهنه صلاة العيد وصلاة الاستسقاء ولو رجع لتاريخ الأدب العربي ونصوصه كما يرجع بعض المستشرقين للنصوص الخالية من الروح الإسلامي يوجد في نصوص ذلك الأدب العربي وصفًا شعريًا لأحد الحكام العرب وهو يتأهب في موكب مهيب، متأنقًا متعطرًا لصلاة العيد وكذلك القوم من ورائه،  واعتمادًا على هذا الوصف يمكنه أن يقول « وكأنني قوم يتأهبون لصلاة العيد » ويعفي نفسه من هذا الخطأ الكبير الذي أكد به جهل بعض المثقفين القائمين على أجهزة الإعلام ووسائل النشر بأوليات الفقه الإسلامي، وهذا المثقف وهو من سكان العاصمة التي لم تشهد شوارعها ذات الأضواء قطيعًا من الماشية ولم يعرف أهلها قيمة الأمطار في حياة سكان الأقاليم حول العاصمة وبعيدًا عنها فإنني أخشى أن يذهب إليهم هذا المثقف في رحلة عمل فيجدهم يتأهبون لصلاة الاستسقاء بملابس المهنة فيخرج معهم متأنقًا متعطرا فيقدم لهم النصح وقد جاء لتوجيههم ونصحهم فينهاهـم عن لبس هذه الملابس فيقع بذلك هو وجماعته المثقفين في حرج يسد الباب أمامهم فلا يجدون منفذًا بعد ذلك للدخول وسط سكان الأرياف الذين يقيمون الصلوات ويفقهون فقهها، ويكدحون بوحي من عقيدتهم وإيمانهم من أجل الحياة الراضية الطيب .
إن الريف يحتاج إلى المثقفين في مجال الخدمات الزراعية والحيوانية  والطبية والصحية والتربوية، ويحتاجون إلى جيل جديد من المثقفين يعيش واقعهم فيعمل مخلصًا على تطويره، ويدرس خلفياتهم فينطلق منها ليبني مستقبلهم، ولهذا لا بد أن تخرج لنا المناهج الدراسية في البلاد العربية والإسلامية هذا الجيل الذي يتربى على أسس ثابتة من العقيدة والعلم، على أسس جادة لا هازلة، فإن الكادحين من الأرياف يحتاجون إلى طليعة قوية الإرادة، سليمة العقل، وسليمة الجسم، أما عندما تخلق هذه المناهج التربوية أو تفلت من بين صفوف مدارسها ومعاهدها وجامعاتها طليعة محطمة الشخصية، ضعيفة الإرادة، مخنفسة المظهر والفكر لتقف في حقول الحياة تستسقي الخير كما يتأهب هذا المثقف العربي متأنقًا متعطرًا لأداء صلاة الاستسقاء، فان السماء يومئذ تصبح بلا مطر، والحقل يمسى بلا ثمر، ويوم يكون الخنافس الذين نراهم وسط طلاب المدارس في البلاد العربية والإسلامية طليعة للمناضلي، ويوم يستسقي الخنافس للكادحين، فذلك يوم ندعو ولا يستجاب لنا، وما أقسى ذلك اليوم الرهيب الذي يقودنا إليه سريعا الجهل والاستخفاف والإدعاء .

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 41

111

الثلاثاء 29-ديسمبر-1970

لقد جربنا كل الحلول.. وفشلت!

نشر في العدد 196

114

الثلاثاء 16-أبريل-1974

بسرعة لقطات من ندوة «الأزمة»

نشر في العدد 196

192

الثلاثاء 16-أبريل-1974

التعليق الأسبوعي (196)