العنوان نفحات من عبير.. إقبال
الكاتب عبد القادر طاش التركستاني
تاريخ النشر الثلاثاء 27-أغسطس-1974
مشاهدات 105
نشر في العدد 215
نشر في الصفحة 24
الثلاثاء 27-أغسطس-1974
إقبال شاعر عبقري وفيلسوف مبدع وهب حياته وشعره للفكرة الإسلامية يبين مزاياها ويوضح أهدافها ويرد على أعدائها ويستحث همم المسلمين إلى الرجوع إلى إحياء سالف مجدها وسابق عزتها وحيويتها.
يقول مولانا «أسلم الجراجبوري» أحد علماء الهند «قرأت الشعر بالعربية والفارسية والأردية، ولا حرج عليّ أن أقول إن إقبالا أعظم شعراء المسلمين وأن كلامه ليفيض بالحقائق الإسلامية ولقد هدى ناشئتنا إلى سواء السبيل.. إن إقبالا حذق علوم الغرب ثم أبلغ المسلمين الرسالة التي بصرتهم بحقيقة الإسلام وعظمته وملأت قلوب الشباب الغافل النائم بحب الرسول والقرآن». ويقول مولانا محمد علي «إن شعر إقبال يحدد المسلمين في هذا العصر إلى النشأة الثانية»، وكان إقبال يكثر الاقتباس من القرآن الكريم في شعره مما يدل - كما يقول الدكتور عبد الوهاب عزام - «على أن القرآن كان في قلبه ولسانه».
وكان يفخر بالإسلام فخرًا صادقًا ويشيد بانتصار المسلمين وسعيهم الحثيث لهداية الناس وجهادهم في سبيل إعلاء كلمة التوحيد بمثل قوله:
من الذي رفع السيوف ليرفع
اسمك فوق هامات النجوم منارا
كنا جبالا في الجبال وربما
سرنا على موج البحار بحارا
بمعابد الإفرنج كان أذاننا
قبل الكتائب يفتح الأمصارا
لم تنس أفريقيا ولا صحراؤها
سجداتنا والأرض تقذف نارا
وكان ظل السيف ظل حديقة
خضراء تنبت حولنا الأزهارا
لم نخش طاغوتا يحاربنا ولو
نصب المنايا حولنا أسوارا
ندعو جهارا لا إله سوى الذي
صنع الوجود وقدر الأقدارا
ورؤوسنا يا رب فوق أكفنا
نرجو ثوابك مغنما وجوارا
كنا نرى الأصنام من ذهب
فنهدمها ونهدم فوقها الكفارا
لو كان غير المسلمين لحازها
كنزا وصاغ الحلي والدينارا
وكان إخلاص إقبال للفكرة الإسلامية عميقًا وكبيرًا حتى إنه عندما سافر إلى ديار الغرب لم يتأثر بحضارتهم، بل رجع إلى بلاده كافرًا بتلك الحضارة ومنبئًا بمصيرها المحتوم وهو يقول «يا ساکنی دیار الغرب ليست أرض الله حانوتا إن الذي توهمتموه ذهبًا خالصًا سترونه زائفًا.. إن حضارتكم ستبجع نفسها بخنجرها.. إن العش الذي يبنى على غصن دقيق لا يثبت».
وعندما أحس إقبال أنه من المحال أن يعيش سكان الهند جماعة واحدة أو جماعتين متعاونين دعا -بدافع إخلاصه للفكرة الإسلامية- إلى أن تقسم الهند ويكون للمسلمين بها موطن يخصهم وعمل جاهدا على تحقيق هذا العمل العظيم، وكان إلى جوار «محمد علي جناح» مؤسس با کستان يمده بشعلة من جهاده وعزمه ويمحضه النصح والإرشاد، وفي ذلك يقول «جناح»: «كان - إقبال- لي صديقًا وإماما وفيلسوفا، وكان في أحلك الساعات التي مرت بها الرابطة الإسلامية راسخا كالصخرة لم يزلزل لحظة واحدة قط».
ونمضي في رحلة حبيبة مع شعر إقبال الديني لنرى ملامح إخلاصه للإسلام وجهاده في سبيل بعث إسلامي- رشيد.
لقد كان إقبال يركز على «عقيدة التوحيد» تركيزًا بالغًا ويعتقد أنها الحقيقة التي إذا خلا منها.. قلب إنساني أحاطت به الوحشة والغربة من كل جانب وأصابه القحط والجدب وأن القلب إنما يستمد ضياءه من وقدة هذه الحقيقة.
هو قلب أن حواها حجر
كل قلب لم تنره قدر
قد أضاء القلب من وقدتها
واستشاط الكون من آهتها
وإذا فقد الإنسان نور الإيمان في قلبه فقد فارقه الأمان وغادرته السعادة، ومن رضي أن يعيش في الحياة بلا عقيدة فقد حكم على حياته بالفناء والزوال.
إذا الإيمان ضاع فلا أمان
ولا دنيا من لم يحي دينا
ومن رضي الحياة بغير دين
فقد جعل الفناء لها قرينا
أما إذا سكن التوحيد في النفس الإنسانية فإنه يحطم كل أغلال الخوف ويخلصها من الخضوع للباطل
من يمسك بعصا من لا إله
طلسم الخوف تحطمه يداه
كل من بالحق أحيا نفسه
ليس للباطل يحني رأسه
والإنسان المسلم في رأي إقبال إنسان جعل الكون كله وطنًا له وتخلص من العنصرية البغيضة والجنسية الضيقة.. لذلك فهو لا يتمسك بأرض طغى فيها الكفر وانتشر في أرجائها الظلم والبغي، بل يهجرها وإن كانت موطئه وموطن أهله ومرتع أحبابه.. ويسيح في أرجاء الأرض ينشر عقيدة آمن بها ويصير كل بقعة فيها مسجدًا تقام فيه شعائر العبودية لله العلي العظيم:-
لا ترى المسلم يحويه عطن
تائه في قلبه كل وطن
حصل القلب ففي وسعته
ضل هذا الكون في فسحته
عقدة الأقوام حل المسلم
هجر الدار النبي الأعظم
أمة ملء البرايا أسسا
وضع التوحيد فيها أسسا
أسبغ الفضل علينا وهدى
صير الأرض جميعا مسجدا
وينص على أولئك الذين اتخذوا أوطانهم آلهة وبنوا من أنسابهم بنیان أمجادهم ويرتفع بالمسلمين عن هذه السخافات لأنهم تخلصوا من حدود الأوطان الضيقة والعصبيات المحدودة إلى رحاب الحق ومرابع الكون جميعه فيقول:-
أمم قد عبدت أوطانها
وبنت من نسب بنيانها
أترى الأوطان أصل الأمم
تعبد الأرض بها كالصنم
هذه الأنساب فخر السفهاء
حكمها في الجسم والجسم هباء
ولنا في الحق أس آخر
هو في الألباب منا مضمر
قد خلصنا من حدود وقيود
قلبنا في الغيب إذ نحن شهود
والمسلم- في شعر إقبال- هين لين مع أخيه المسلم ولكنه مع الباطل شديد صامد وفي المعركة قوي شجاع.. وإنه ليسمو على الطين الذي خلق منه ويستعلي على الأمور التافهة في الحياة لأن همته أكبر من تلك الأمور وأعظم:-
مع الصحب لين كمس الحرير
بعيد عن المحك المؤمن
شديد إذا ما طغى باطل
وكالليث في المعركة المؤمن
من الطين ولكن على الأرض يسمو
ويأبى على الفلك المؤمن
وما همه صيد طير ولكن
يصيد من الملك المؤمن
وإنسان القصيدة الإسلامية هو الأمل الذي تنتظره البشرية في وسط هذا الظلام الدامس والضياع القاتل والحضارة المادية الخانقة التي تعيش فيها.. ولذلك فإن إقبالا يدعو هذا الأمل ليعيد دوره في مسرح الوجود الإنساني وينقذ المركب الذي أوشك على الغرق فيقول:-
إيه یا فارس طرف الزمن
إيه يا نورا بعين الممكن
قم فسكن من ضجيج الأمم
واملأ الآذان حلو النغم
جددن في الكون قانون الإخاء
وأدرها كأس حب وصفاء
ارجعن في الأرض أيام الوئام
أبلغ الناس رسالات السلام
لبني الإنسان أنت الأمل
أنت من ركب الحياة المنزل
إذ بت كف الخريف الشجرا
فاغد في الروض ربيعا نيرا
وينادي المسلم بمثل قوله أيضا:-
أعد من مشرق التوحيد نورا
يتم به اتحاد العالمينا
وأرسل شعلة الإيمان شمسا
وصغ من دره جيلا حصينا
وكن في قمة الطوفان موجا
ومزنا يمطر الغيث الهتونا
ما أصدقها كلمات.. وما أروعه نداء يصب في قلب المسلم عزيمة تدفعه إلى أن يفيق من سباته ويلقي عن كاهله معوقات الحركة وينطلق من جديد في مسيرة إسلامية صادقة نحو مجد جديد وعز مكين في ظلال تعاليم القرآن الكريم.
ولا ينسى إقبال بعد ذلك أن يمس أرواح المؤمنات الصادقات الطاهرات بكلماته الطيبات وأن يناديهن ليتمسكن بدينهن الكريم ولا ينجرفن وراء تيارات مضللة ومبادئ محرمة ويضع لهن سيرة فاطمة الطيبة الطاهرة رضي الله عنها قدوة ومثالا فعلهن إذا أخذن بتلك السيرة الصالحة أن ينجبن أبطالا صالحين فتزهر بساتين الإسلام وتعبق رياض الحياة.. يقول إقبال:
«خلقتك الطاهرة لنا رحمة.. وأنت قوة الدين وحصن الملة.. يا أمينة على الشرع المبين إن في أنفاسك حياة الدين.. إن هذا العصر ذو فتون.. قافلته تقطع طريق الدين وقد عمي إدراكه فأنكر الخالق وقيدت سلاسله كل مارق.. لا تسلكي إلا سبيل الآباء ولا تبالي بما تعانين من عناء.. يا فطرة نزاعة إلى العلاء لا تغمضي عينيك عن سيرة الزهراء لعل حسينا في حجرك يزهر فيترعرع بستاننا وينضر» .
وبعد: - فإن هذه الروح الدينية التي تشع في ثنايا فكر إقبال وعاطفته وتسري في حنايا شعره ليست بغريبة عن نشأته الإسلامية وتربيته الأولى؛ فقد كان والده رجلا تقيًّا صالحًا وكان يقول لابنه «إذا أردت أن تفقه القرآن فاقرأه كأنه أنزل عليك»، وكان يحثه على أن يتزود من معين النبوة الصافي ما شاء له أن يتزود فيقول له: إنك كم في غصن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- فكن وردة من نسيم ربيعه.. خذ من ربيعه نصيبًا من الريح واللون لا بد لك أن تظفر من خلقه بنصيب.
رحم الله إقبالا.. وتحية له في جنان الخلد.. وسلامًا عليه..
عبد القادر طاش التركستاني
الرابط المختصر :
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل