العنوان الرسائل السرية بين القيادة «الإسرائيلية» والقيادة الفلسطينية
الكاتب عبدالعزيز العمري
تاريخ النشر السبت 18-فبراير-1989
مشاهدات 76
نشر في العدد 905
نشر في الصفحة 25
السبت 18-فبراير-1989
● الحركة الإسلامية مطالبة اليوم بالتقدم لممارسة أدوارها على الأصعدة السياسية والإعلامية والاجتماعية والجهادية لتوظيف عطاءات الانتفاضة لتحقيق الهدف المنشود
● الموقف الأمريكي لن يخرج بحال من الأحوال عن منطوق الموقف اليهودي... والدور الأوروبي لا يرقى إلى مستوى طرح حلول والتقدم بمبادرات بعيدًا عن التحرك الأمريكي
ما هي التطورات الجديدة على ساحة القضية الفلسطينية هذه الأيام؟
وما هي حقيقة «الرسائل السرية» التي ترسلها «القيادة الإسرائيلية» إلى «القيادة الفلسطينية»؟ وهل حقًا أن سلطات الاحتلال ستتفاوض مع منظمة التحرير الفلسطينية أم أنها عازمة على المضي في سیاستها من أجل محاولة إيجاد «قيادات محلية» بديلة يسهل التعامل معها؟ وما هو مستقبل الانتفاضة أو الثورة الشعبية في فلسطين المحتلة؟! خاصة في ضوء المعلومات الكثيرة حول ضغط الإدارة الأمريكية وأطراف دولية وعربية من أجل إيقافها أو إعطائها إجازة طويلة بحجة إفساح الفرصة أمام التسويات السلمية في أجواء هادئة!!
● تكتكة سياسية
تدور كل التحركات السياسية التي تشهدها الساحة فيما يتعلق بالقضية الفلسطينية حول موضوع أساسي تصب فيه معظم الجهود الفلسطينية والعربية والدولية أيضًا... وهو الضغط على سلطات الاحتلال من أجل الموافقة والقبول بمنظمة التحرير الفلسطينية كطرف في ما يسمى بعملية السلام...
ولعل المتتبع لمجريات الأمور في المنطقة ولما يحدث أمام وخلف الكواليس، يوافقنا القول بإن هناك مجموعة من المعطيات تدفع سلطات الاحتلال إلى التشدد ورفض مفاوضة المنظمة...
وأهم الدوافع لذلك... هو توهم سلطات الاحتلال واعتقادها أن كل الأطروحات الجديدة التي قدمتها منظمة التحرير إنما هي من باب «التكتكة السياسية» الذكية لقيادة منظمة التحرير، وأن هذه الأخيرة ما زالت تخفي أهدافًا عدوانية تجاه دولة العدو.
وقد أشرنا في العدد الماضي إلى أن حكومة العدو واجهت كل المعطيات الفلسطينية بالتشدد أو اللامبالاة والبرود... ابتداءً من الإقرار الفلسطيني الرسمي بحق دولة العدو بالوجود على أكثر من 70% من الأرض الفلسطينية، ونبذ الإرهاب والمطالبة بالقرارات الدولية 181 و 242 و 338، التي التزمت «م . ت . ف» برفضها طيلة الفترة السابقة... لكن هذا التشدد اليهودي يهدف في الحقيقة إلى تجاوز «م . ت . ف» عن طريق دفعها أولًا لتقديم التنازلات دون إعطائها شيئًا في المقابل وما يعنيه ذلك من إفراغها من مبرر وجودها وما يمكن أن يؤدي إليه هذا الخبث اليهودي من إشعال الخلافات في صفوفها بين المعسكر المتشدد في صفوف بعض المنظمات للوجود اليهودي والرافض للتنازل عن الأرض الفلسطينية، والذي يعتقد أن مهمة الثورة هي إزالة الاحتلال لا التفاوض معه أو معايشته أو الاستجابة لضغوطه.. هذا المعسكر الذي فوجئ بسرعة التحولات في الأفكار والممارسات لدى المعسكر الآخر الذي ينادي بالواقعية والمرونة وقبول الأمر الواقع ومفاوضة الكيان اليهودي والقبول بدولة فلسطينية في الضفة وغزة فقط ودولة يهودية على معظم الأرض الفلسطينية وإقامة نوع من التعايش والعلاقات الطبيعية بينهما.
● لقاءات ... وقيادات بديلة
ومن المؤشرات والدلائل التي يسوقها المراقبون لتدعيم وجهة نظرهم باستبعاد موافقة دولة العدو على محاورة «م . ت . ف» تلك المحاولات الحثيثة الخبيثة من سلطات الاحتلال من أجل خلق قيادات غير قيادات الخارج... ليسهل محاورتها وترغيبها وترهيبها...
فاللقاء الذي عقده مؤخرًا منسق شئون الأراضي المحتلة في وزارة حرب العدو «شموئيل غورن» في سجن «كفاريونا» مع فيصل الحسيني المحتجز إداريًا منذ عدة أشهر... يعتبر في نظر العديد من المراقبين محاولة لنقل ثقل القيادة الفلسطينية الرسمية من الخارج إلى الأراضي المحتلة.
وهذا اللقاء الذي دام عدة ساعات في جو من الود والهدوء وتبادل وجهات النظر... يأتي ضمن سلسلة لقاءات عقدتها القيادة اليهودية مع أكثر من «30» شخصية فلسطينية أحيطت أسماؤها بسرية تامة خوفًا من تعرضها للهجوم من السواعد الرامية من أبطال الانتفاضة لمحاولة لتوصل إلى قبول هذه المفاوضات بالحل الذي تريده دولة العدو للقضية الفلسطينية والمتمثل بمبادرة كل من وزير حرب العدو إسحق رابين ورئيس الوزراء إسحق شامير، والذي لا يخرج في خطوطه العامة عن اتفاقية كامب ديفيد...
وبعد سلسلة اللقاءات هذه... خرجت سلطات الاحتلال بانطباع مفاده ضرورة الاستمرار في الحوار... وقد نقل عن بعض الشخصيات أنها طالبت قيادة الإدارة «الإسرائيلية» بالسماح لها بالسفر إلى الخارج للتباحث مع «م . ت . ف» وإقناعها بفكرة الانتخابات.
وقال أحد هؤلاء الذين التقوا مع سلطات الاحتلال: «إننا لو قبلنا مشروع الإدارة الذاتية عام 1978 لوصلنا الآن إلى إقامة الدولة الفلسطينية».
هامش الفعل السياسي محدود
والأمر الآخر الذي يدفع باتجاه الرفض اليهودي لمفاوضة «م . ت . ف» هو طبيعة تركيب حكومة العدو من حزب الليكودو والعمل... فما لا شك فيه أنه لم يتم الاتفاق على حكومة الوحدة الوطنية بقيادة الليكود ومشاركة العمل إلا بعد الاتفاق على برنامج منظمة التحرير الفلسطينية... كما قرر الكنيست في إطار، إقراره للخطوط الأساسية لحكومة العدو أن «إسرائيل» لن تتفاوض مع «م . ت . ف».
وقد علمتنا التجربة مع عدونا أنه إذا اتفق الحزبان على خطوط عريضة... فإن كل التكتكات السياسية والتحركات الدبلوماسية وتصريحات الزعماء... مهما بلغت في ليونتها ومهما ذهبت في مطالبتها بإنصاف الشعب الفلسطيني أو مفاوضة المنظمة... فإنها لن تترجم إلى واقع عملي أبدًا... فهامش المناورة اليهودية مفتوح على مصراعيه... أما هامش الفعل السياسي فهو محدود ومحدد بالإطار المتفق عليه بين الحزبين.
● رسائل سرية
لكن ومع كل ما سبق... فإن هناك مجموعة من الإشارات تسوقها بعض المصادر العربية الرسمية، مستدلة بها على ما يمكن تسميته نوع من الليونة في موقف حكومة العدو تجاه موضوع مفاوضة «م . ت . ف» وموضوع المؤتمر الدولي... حيث تشير هذه المصادر إلى ما تتحدث به أوساط مقربة من رئيس وزراء العدو إسحق شامير... من أن خطوة «ما» ستتخذها حكومة العدو خلال هذا العام... حيث تقوم ببلورة مشروعًا سيطرح في فترة قريبة، على حد زعم هذه المصادر كما تشير هذه المصادر إلى اتفاق بين الليكود والمعراج على موضوع المؤتمر الدولي... بل تذهب هذه المصادر إلى القول إن رئيس وزراء العدو سيقبل مفاوضات غير علنية مع «م . ت . ف» لكن الطرف اليهودي يصر على أن تكون غاية ما يمكن الوصول إليه كنتيجة لهذه المفاوضات هو كونفدرالية أردنية فلسطينية مع اشتراط أن يكون الحوار في المرحلة الأولى سريًا جدًا.
ولعل الأمور قد وصلت إلى أكثر من الإشارات والتوجهات إلى الممارسة العملية... فقد نسبت صحيفة «ميساجيرو» الإيطالية إلى السيد عرفات قوله: «إنهم -أي الإسرائيليين- يبعثون إلينا برسائل عديدة عن طريق ممثلينا في الأراضي المحتلة ووسائل اتصال أخرى في أوروبا وغيرها».
● مبادرة
وبعض المصادر الفلسطينية تتحدث حاليًا عن مبادرة سياسية سيقوم الملك الحسن ملك المغرب بطرحها خلال الفترة القادمة، مستفيدًا من هذه المعطيات من أجل إعطاء دفعة لما يسمى بعملية التسوية في المنطقة... وتسخين أجواء الحوار الفلسطيني - الأمريكي... وتقول هذه المصادر إن الملك الحسن أجرى سلسلة اتصالات مع القيادة الفلسطيية ومع بعض الأنظمة العربية من أجل إيجاد الظروف المواتية لنجاح مبادرته.
وفي ظل هذه المعطيات... ما هو سيناريو التحرك القادم على ساحة القضية؟! وما هو أقصى ما يمكن أن يحصل عليه الطرف الفلسطيني من هذه التحركات؟! وما هو مستقبل الانتفاضة التي بدأت التحركات السياسية تخذ منها الأضواء؟!
● حكومة مؤقتة!!
على الجانب الفلسطيني يمكن القول إن الاهتمام في الفترة القادمة سيكون باتجاه تشكيل الحكومة الفلسطينية المؤقتة التي من المقرر أن يبت فيها الاجتماع الفلسطيني بتاريخ 15 / فبراير... وحسم الخلاف بشأن تركيبتها بين التيار الذي يصر على تشكيلها بنفس المعادلة القائمة الآن داخل اللجنة التنفيذية والأطر القيادية في «م . ت . ف» مع ضمان مشاركة بعض الشخصيات والفعاليات المستقلة... وبين التيار الآخر الذي يصر على تشكيلها من الشخصيات المستقلة التي تحظى بإجماع وسمعة...
وأن تترك المنظمة وأطرها للإشراف على مسار الأحداث والتفرغ للمنعطفات الحساسة...
وتشير التقديرات إلى أن إعلان الحكومة المؤقتة إذا سارت الأمور في الطرق المحددة سيكون في النصف الأول من مارس المقبل...
والحقيقة أن تشكيل الحكومة المؤقتة، سواء تم ذلك حسب تصور التيار الأول أم الثاني... فإنها تأتي في سياق الاستمرار في الحل السلمي إلى نهايته والحرص على توفير كل معطيات النجاح له... ونزع فتيل معارضة بعض الأطراف لمشاركة المنظمة باعتبار أن المفاوضات تكون بين دولة ودولة وليس بين «منظمة» ودولة.
وبعد ذلك سيركز الطرف الفلسطيني جهوده باتجاه الحصول على أكبر تأييد ممكن من دول العالم لهذه الحكومة ولدولة فلسطين... خاصة من تلك الدول التي أمسكت عن الاعتراف بها بسبب وجود حكومة لهذه الدولة.
كما سيستمر الطرف الفلسطيني في تحركاته المكوكية بين عواصم الشرق والغرب من أجل حشد التأييد اللازم لعقد المؤتمر الدولي…
● لا تطورات حقيقية
لكن المتوقع أن تمر الأيام والشهور وكذلك السنوات، دون حدوث تطورات «حقيقية» على ساحة القضية الفلسطينية... ما دام التركيز فقط على الجهود السياسية لأنه وباختصار لن تقابل هذه الجهود بأي تأييد من دولة العدو... وسيقتصر دور الإدارة الأمريكية -الحليف الاستراتيجي لدولة العدو- على محاورة إثبات الوجود الدبلوماسي عبر استمرار حوار لا معنى مع الطرف الفلسطيني لمحاولة تهذيبه وتقليم أظافره باستمرار... والموقف الأمريكي لن يخرج بحال من الأحوال عن منطوق الموقف اليهودي. وأن يتطور إلى درجة ممارسة ضغوط «حقيقية» على دولة العدو... وكذا الحال بالنسبة للموقف الأوربي التابع بشكل كبير للموقف الأمريكي... والذي لم يتحرك حركته الأخيرة هذه إلا بعد إقدام الإدارة الأمريكية على محاورة المنظمة... والدور الأوروبي يمكن إيجازه بأنه يأتي لتنشيط ما هو قائم من تحركات سياسية أو لمحاولة ملء النزاع السياسي الذي يسببه الغياب «الفاعل» للدبلوماسية الأمريكية في المنطقة... ولا يرقى هذا الدور لمستوى محاولة إيجاد حلول والتقدم بمبادرات منفصلة عن التحرك الأمريكي.
● الانتفاضة ... والكمائن
وفي ظل هذه التطورات... يبقى أمام الانتفاضة الإسلامية المباركة في فلسطين المحتلة العديد من العقبات والكمائن السياسية التي ستتخطاها -إن شاء الله- بثبات و بإصرار على الاستمرار والتصاعد... فالتيار الإسلامي بقيادة حركة المقاومة الإسلامية -حماس- الذي فجر الانتفاضة وقادها من أجل يوم، يقدر خطورة المؤامرات الدولية والضغوط المختلفة على الأطراف الأخرى المشاركة في الانتفاضة من أجل وقف الانتفاضة أو تهدئتها... وهو في ذات الوقت متنبه لأي محاولة يقوم البعض بتقديم الانتفاضة كبش فداء لا عطيات أو وعود لا ترقى لتطلعات وأماني الشعب الفلسطيني... ولذلك فإن الإسلاميين بقيادة «حماس» وطنو أنفسهم وجماهيرهم على الاستمرار بالانتفاضة واعتماد سياسة النفس الطويل جدًا من أجل أن تغدو هذه الانتفاضة «الثورة» نمط حياة يألفه الناس ويكيفوا حياتهم معه... حتى جلاء الاحتلال عن الأرض المغتصبة...
ولعل الإقبال الجماهيري والتجاوب الكبير الذي يبديه أهلنا وإخواننا في فلسطين المحتلة مع كل دعوات التصدي للاحتلال ومقاطعته رغم مرور «15» شهرًا على بداية الانتفاضة يجعل أي محاولات للتهدئة أو لإيقاف الانتفاضة كاللعب بالنار تمامًا بالنسبة لأي جهة تقف وراءها!!
وإذا كنا نعيب على البعض محاولات الاستثمار «الغلط» للانتفاضة ولجهاد شعبنا المسلم في فلسطين... فإن الحركة الإسلامية مطالبة الآن بالتقدم لممارسة دورها في كافة الأصعدة السياسية والإعلامية والاجتماعية والجهادية... بنفس الكفاءة التي قادت فيها جماهير الشعب الفلسطيني في المقاومة الشعبية للاحتلال ووجوده... من أجل توظيف عطاءات الشعب المجاهد وتضحياته لتحقيق الهدف المنشود…
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل