العنوان المجتمع التربوي (1711)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 22-يوليو-2006
مشاهدات 71
نشر في العدد 1711
نشر في الصفحة 50
السبت 22-يوليو-2006
من اغتال العمل التطوعي في بلاد المسلمين؟
لقد هدى الإسلام المسلمين في إشاعة الخير وحب الناس عامة، وأقام مجتمعاً لم يسبقة أحد من العالمين، وتم تأصيل ذاك الفكر تأصيلاً غير معروف لدى الحضارات البائدة أو الحاضرة، وذلك من خلال فيض من الآيات البينات والأحاديث الواضحات التي أنبتت جماعة متكافلة على بينة من أمر ربها.
قال تعالى: ﴿ لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [البقرة: 177].
وقال سبحانه: ﴿ لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾ [آل عمران: 92]
وقال جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ (المائدة: 3) .
وقال تبارك وتعالي ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾[ الحشر: 9].
وهذه طائفة من الأحاديث الشريفة تدعو إلى الخير والإنفاق بالمال والنفس لا تجد لا شبيهاً أو حتى ما يقاربها في أي حضارة حالية أو ماضية، ففي الصحيحين البخاري ومسلم نقرأ:
- حدثنا ابن عباس t قَالَ: «أَشْهَدُ على النبي r خرج ومعهُ بِلال فَظَنَّ أَنَّهُ لَم يسمع، فوعظهن وأمرهن بالصدقة، فجعلت المرأة تلقي القرط والخاتم وبلال يأخذ في طرف ثوبه».
- حدثنا حارثة بن وهب الخزاعي t قال: سمعت النبي ﷺ يقول: «تصدقوا فسيأتي عليكم زمان يمشي الرجل بصدقته فيقول الرجل: لَو جئت بها بالأمس لقبلتها منك فأما اليوم فَلا حاجة لي فيها» .
- حدثنا حكيم بن حزام t عن النبي r قال: «اليد العليا خير من اليد السفلى وابدأ بمن تعول وخير الصدقة عن ظهر غني ومن يستعفف يعفه الله ومن يستغن يغنه الله».
- حدثنا أبو هريرة t أن النبي r قال: «ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهُم أَعْطُ منفقًا خلفًا، ويقول الآخرُ اللهم أعط ممسكا تلفا.«
- حدثنا أبو هريرة t قَالَ رَسُولُ الله r: «لو كان لي مثل أحد ذهبا ما يسرني أن لا يمر على ثلاث وعِنْدِي مِنْهُ شَيء إلا شيء أرصده لدين» .
- حدثنا أبو هريرة t أن رسول الله r قَالَ: «قَالَ اللَّهُ: أَنْفِقْ يَا ابْنَ آدَمَ أنفق عليك».
فحق لنا أن نتساءل:
- لماذا إذاً تدنى واقع العمل التطوعي ومؤسساته ومجالاته في مجتمعنا اليوم؟
- لماذا غابت ثقافة التطوع لدى الكثير من الناس؟
- لماذا اختفى إدراك مضمون العمل التطوعي النبيل عند المسلمين؟
- لماذا طغت القضايا الخاصة على قضايا الأمة وقضايا المجتمع؟
- هل الأمر كما يقول قائل: وجود معوقات !
- هل هو اختلاف الأولويات وترتيبها !
- هل هو عجز القيادات التطوعية عن إنتاج خطاب ثقافي قادر على التجديد والفعالية والتجاوب مع متغيرات العصر!
نحن نظلم الحقيقة إذا نظرنا إلى الواقع ولم نتابع السبب الحقيقي وراء هذه الظاهرة المؤلمة.
إن المقارنة بالدول الغربية مقارنة ظالمة، حيث يعتد بالأموال التي تنفق في العمل الخيري والتطوعي يعتد بها وتحسم من الضرائب، ويعتد بها من الأحزاب السياسية وتعتبر دعاية لها، وينفق على المتفرغين لهذه الأعمال برواتب مجزية، بالطبع إلا قليلاً مما ركز في الطبيعة البشرية من الخير.
إن العمل الخيري التطوعي اغتيل بسيف ما سمي الإرهاب !! وكل عمل جماعي يوسم بالتطرف ويعتقل أهله، وتصادر أمواله ويستولى على مؤسساته، وإذا عرف السبب بطل العجب كما يقولون !
هكذا نفهم الإسلام
يعطي كل جانب في الحياة البشرية الاهتمام المناسب
محمد مصطفی نصیف([1])
الإسلام: وإن كان ديناً روحياً فهو دين اجتماعي، وتشريع مدني.. لا تتصور العقول مثيلاً وضريعاً له في وضوح مبادله، وسمو مقاصده.
الإسلام: ليس مجموعة إرشادات ومواعظ ولا مجموعة آداب وأخلاق، ولا مجموعة شرائع وقوانين ولا مجموعة أوضاع وتقاليد.. إنه يشتمل على هذا كله وليس هذا فحسب.. إنما الإسلام: الاستسلام لمشيئة الله وقدره، والاستعداد ابتداء لطاعة أمره ونهيه واتباع المنهج الذي يقرره دون التلفت إلى أي توجيه آخر وإلى أي اتجاه.
الإسلام: هو الانقياد واتباع الأمر والخضوع للنظام والمنهج الذي خطه الله في دينه وفي كونه .. فتكون قطرة الإنسان والكون أكبر رصيد للإسلام (الرسالة) وفي دعوته العودة إلى الإيمان بالله سبحانه وتعالى.
إن التصور الإسلامي ليس تصوراً سلبياً يعيش في عالم الضمير قائماً بوجوده هناك في صورة مثالية نظرية، أو تصوفية روحانية .. إنما هو تصميم لواقع مطلوب إنشاؤه وفق هذا التصميم، وطالما أن هذا الواقع لم يوجد.. فلا قيمة لذلك التصميم في ذاته إلا باعتباره حافزاً لا يهدأ لتحقيق ذاته.
التصور الإسلامي شامل لأنه يفسر لنا الجوانب الأساسية في علاقة الفرد بريه وبغيره من البشر بالكون، وفي الوقت ذاته يتصدى الإسلام لتنظيم جميع أوجه النشاط الإنساني وحتى تأتي الشمولية ثمارها المرجوة.. لا بد من صفة أخرى تواكبها: هي التوازن بحيث يولي كل جانب في الحياة البشرية الاهتمام المناسب دون مبالغة ودون إهمال.. وبذلك تصبح الحياة كاملة صحيحة.
إضافة إلى ثبوته لأن الإسلام رباني وليس نتاج فكر بشري، وليس فترة من الزمان خاصة فمن هذه الخاصية الشمولية المتوازنة الثابتة نشا خاصيته في الحركة داخل إطار ثابت حول محور ثابت ناهيك عن خاصية الحفظ المتعهدة منه سبحانه.. لذلك يبقى الإسلام ثابتًا كثبات مقوماته.
في الإسلام وحده يملك الإنسان أن يعيش الدنيا وهو يعيش لآخرته، وأن يعمل لله وهو يعمل لمعاشه.
قواعد الإسلام
أولها: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله r ومعناها توحيد الله وتنزيهه وعبادته وتقديسه ثم اعتقاد الكمال في رسوله والصدق في كلامه.
ثانيها: إقامة الصلاة بحدودها وأركانها وتحية كل ما سوى الله عن الذهن عند الصلاة - وهو معنى الله أكبر - ثم الخشوع فيها والفهم لما يقرأ أثناءها.
ثالثها: إيتاء الزكاة لمستحقها ورعاية كمالها بالصدقة قولاً وفعلاً.
رابعها: صوم رمضان: وهو صيانة كافة الجوارح من البطن والفرج والفكر واللسان عما يخالف شروط ذلك الصوم.
خامسها: الحج إلى بيت الله بمكة لمن استطاع والتشرف بمناجاة الله في مثل تلك البقاع المقدسة، ولقاء المسلمين الذين يأتون من كل فج عميق ليتعارفوا ويتألفوا ذاكرين ملبين مهللين متعاونين على البر والتقوى.
شعائر الإسلام
فهي إبداء السلام للكبير والصغير والرفيع والوضيع، وتشييع جنائز الأقارب والأباعد والإصلاح بين المسلمين والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ومخالفة النفس والهوى وحفظ الفرج وغض البصر، وصيانة الجوارح، وكف الأذى، وبر الوالدين، وصلة الرحم، ومجالسة الأخيار، واحترام أهل الصلاح والخير وصفاء الباطن، وطهارة الظاهر ثم النظافة وحلق العانة ونتف الإبط والختان، وحسن الهيئة والتطيب وملازمة الوقار ومراقبة الله تعالى في جميع الأحوال.
أمور الدين الإسلامي
- صدق القصد: وهو أداء العبادة بكمال. النية والإخلاص لله فيها.
- الوفاء بالعهد: ومعناه القيام بجميع الفرائض في أوقاتها وشروطها وآدابها
- اجتناب الحد: اجتناب المحرمات والشبهات وكل ما نهى الله عنه .
- صحة العقد: ومعناه انطواء القلب مع توحيد الله وتنزيهه، والأخذ بجميع عقائد أهل السنة والجماعة الذين يطبقون سنة رسول الله r على القرآن الكريم.
أحكام الشرع الإسلامي
- واجب: وهو ما يثاب المسلم على فعله ويعاقب على تركه.
- مندوب: وهو ما يثاب المسلم على فعله، ولا يعاقب على تركه ويرادفه السين والنوافل.
- مكروه: وهو ما يثاب المسلم على تركه ولا يعاقب على فعله.
- حرام: ما يعاقب المسلم على فعله. ويثاب على تركه.
- مباح: وهو ما لا يعاقب المسلم على فعله أو تركه.
([1]) عضو رابطة الأدب الإسلامي العالمية.
يقظة الروح والعقل
سمية رمضان(([1]
لو كان لدينا حاسوب، وأردنا أن ندخل على العالم بأسره عن طريق النت شبكة الاتصالات وأعطينا أوامرنا للحاسوب فلم يستجب، تأكدت أن كل شيء مضبوط وأعطيناه الأمر ثانية فلم يستجب حاولنا مرة ثالثة ولا جدوى عندها ستقرر أن الحاسوب حدث به عطب ما وسنتصل بالمختص حتى يقوم بإصلاحه بالرغم من أن الحاسوب بكل أجزائه أمامنا ولكن مجرد عدم الاستجابة لأوامرنا يعني أنه لا فائدة منه إلا بإصلاحه.
والإنسان خلقه الرحمن وأعطاه كل ما يحتاجه من قلب وبصر وسمع وعقل ليحقق مراد الله من خلقه ومع ذلك، فإن كثيراً من الناس يصيرون مثل هذا الحاسوب، حواسهم كاملة ظاهراً، لكن كثيراً منها لا يعمل. ولهذا فإن هؤلاء ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾[ السجدة: 12]
امر عجيب كيف يقولون فقط عندها الآن أبصرنا وسمعنا؟ الم يسبهم الله في حياتهم السمع والبصرة بلى كانوا يتمتعون بهما لكنهم أدركوا في هذه اللحظة أن السمع والبصر كانا وسيلة لحدوث اليقظة وليستا غاية، أدركوا أن السمع والبصر لم يبلغاهم الهدف الذي من أجله خلقهم الله، فعند يقطنهم في الآخرة يتيقنون أن الحاستين كانتا معطلتين لديهم ويطلعنا سبحانه أن الأمر في الآخرة يتغير حيث إن العبد قد بعشر أعمى البصر، بالرغم من أن بصيرته قد أبصرت: ﴿قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا﴾ [سورة طه: 125].
ولنبدأ القصة من البداية
أجنة في بطون أمهاتنا كما يريد الله تكون ﴿فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاءَ رَبكم﴾ [سورة الانفطار: 8]
وكانت استجابة مطلقة من كل خلايا الجسم لأوامر الخالق سبحانه، فتم تصويرنا في أحسن تقويم، وخرجنا إلى الدنيا واستوى العود وبدأ التمحيص والاختبار، ولترى بنور القرآن بعض اللحظات التي مر بها من أكرمهم سبحانه بلحظة إشراق للروح والعقل. فها هو إبراهيم عليه السلام أبو الأنبياء، وقد تلمست نفسه وجه الحق فهتف قائلاً: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79]
فكان الأمر وقال﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ﴾ [البقرة: 131]
فكانت الاستجابة ويقظة العقل قَالَ ﴿ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ (البقرة: 131).
وبيقظة إبراهيم عليه السلام. الروحية في إفراد الله بالعبادة كانت يقظته العقلية في الخضوع التام لله ومساعدة الآخرين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وتربية كوادر جديدة للدعوة كلوط - عليه السلام - وإسماعيل وإسحاق عليهما السلام.
وسترى أمة من إماء الله تعيش في القرن العشرين كيف كانت يقظتها الروحية وكيف كان رد فعلها التلقائي الإيجابي العقلي لهذه اليقظة، فقد كانت هبة الراقصة الأولى في البالية في بلدها، وقد أرادت بلدها أن تمثلها في مسابقة على مستوى أكبر، وبالطبع كان هناك اهتمام كبير بهذا الحدث العظيم من وجهة نظرهم وبالفعل فازت هبة، وكانت الأولى أيضاً، ووقفت على منصة الفوز لتحية الجماهير مزهوة بهذا الانتصار، وقد رفع علم بلدها. وبدأ السلام الجمهوري تعزف موسيقاه، وتنثر عليها الزهور من كل مكان، فأرادت تحية الجمهور فرفعت يديها، ونظرت للأعلى فحدقت عيناها في السماء، وفي هذه اللحظة لم تشعر إلا بوجود الله، وقالت في نفسها، إني قد أفرحت كل هؤلاء ولم أفرح الله، وأقسمت بالله العظيم أن تفرح ربها، وبالفعل نزلت من على المنصة، وطلبت ملابس تسترها، وعندما أرخى الليل ستره كانت خلوتها بالرحمن الرحيم نادت عليه بأسمائه الحسني وهتفت ها أنا قد رجعت إليك مستغفره تائبة وسألته بضراعة أن يتقبلها .
وفي الصباح كانت مفاجأة للجميع، وهي تخرج عليهم بحجاب جميل قد أضاف توجهها إطاراً رائعاً زاده حسناً وجمالاً، فكان إعلاناً ليقظتها الروحية، فلا طاعة إلا لله ولا عزة إلا بالاستجابة لأوامره إنها لحظة من النور لا تخطئ الرمية، ومعها يستيقظ العقل فيشعر المهتدي نعمة الخروج من الظلمات إلى النور من الضياع إلى معرفة معالم الطريق وبدأت الخطوات العملية يقظة العقل بدون الدخول في فلسفات ولكن تلقائية الإيمان.
أليس من يقظة العقل أن نأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فقد كانت هدايتها سبباً في هداية أربع من زميلاتها ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾ (آل عمران:110)
أليس من يقظة العقل أن تجعل الإله هو الواحد الأحد وليس هوى النفس؟ ﴿أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا﴾ [الفرقان: 43]
فكانت تبحث عن أوامر الله ورسول الله r في كل صغيرة وكبيرة حتى تنفذها.
أليس من يقظة العقل التفكر في مخلوقات الله والتوقف عند آياته؟
فقد كانت دوماً تردد وكأني في عالم غير عالمي وأصبحت دنياي غير دنياي ربي أین کان ذلك الخير وتلك السعادة الحمد لله أن أزال غشاوة عيني قبل فوات الأوان.
أليس من يقظة العقل احترام وتقدير رسول r ؟ وكذلك المهتدي يصبح الرسول أحب إليه من نفسه.
أليس من يقظة العقل الحفاظ على الجماعة والصف وعدم التفرق؟
وكذلك المهتدون نجدهم متآلفين ومتحابين غير متفرقين. وتتعجب كثيراً على لحظة هداية سحرة فرعون، فقد أبصروا بفضل الله في وقت مناسب تماماً وهم أحياء يرزقون، وبالرغم أن طاعتهم العمياء لفرعون التي جعلتهم من المفسدين في الأرض فإن نور الهدى قد أزيل من القلوب فتحملوا التعذيب والإهانة في سبيل الله، فأضحوا عصاة وباتوا – برحمة له شهداء بنور قذف في قلوبهم فأحياها بعد موات.
ولنكمل المسيرة مع رنا هذه الفتاة العنيدة المستبدة برأيها فقد كانت في أسرة عادية تحتفظ بكثير من العادات، وعندما خرجت فتاتنا من الجامعة، قررت أن تعمل في قناة فضائية معلوم عنها الابتذال اعترض الوالدان ولكنها أصرت وضربت رأيهما عرض الحائط، وكان من أقوالها أنها لن تتأثر بالعاملين على الإطلاق، فإن لها خصوصيتها ولكنها بكثرة المحاكاة أخذت تتنازل رويداً رويداً عن كثير من قناعاتها وحتى الصلاة تفلتت منها فرضاً تلو الفرض حتى أصبحت في قالبهم وصبغت بصبغتهم، وعاشت دنياها تخطب لرجل وتتركه لتخطب لرجل أخر، وكانت في خلاف مستمر مع الوالدين، وخاصة الأم التي كانت لا تستطيع إخفاء حسرتها على فلذة كبدها. وفي هذا المعترك وهذا الصراع.
وفجأة غيب الموت الأم من الحياة، وكان الزلزال الذي جعل الأرض تميد من تحت قدمي الفتاة، ولم يكن لها ملاذ إلا الله. وبدأت تتخبط في الأفكار ويحدث لديها اضطراب شديد في المعتقدات، فاختارت رجلاً تصورت أنه المنقذ لها، وبعد فترة من الخطبة كان يأخذها رجلها إلى شيوخ ويتعامل معهم كأنهم آلهة، بل يتصور أن لهم کرامات فاقت ما كان يفعله الرسل والأنبياء ولأن الإيمان فطري، فقد ارتابت وبدأت في السؤال عما يحدث حولها، وعلمت أن الرجل وقد خربت عقيدته، وقد أساء إلى نفسه من حيث يريد الإحسان، ولم يعد لها طريق إلا طريق واحد مضمون، وهو الذي سار في دربه النبي محمد r، وكانت أمها على الأثر تسير وبدأت في الدراسة الشرعية والعلم الشرعي من أصوله النقية، وبدأ النضج الفكري يسري في كيانها، وأمسكت بحبل الله المتين، فشعرت بثبات الأرض تحت قدميها، وأصبح الهدف واضحاً جلياً، وخطواتها محسوبة كل خطوة تقربها من هدفها بسكينة واطمئنان فغيرت عملها وأحسنت اختيار زوجها، وكأنها قد خرجت من دوامة الموت إلى رحابة الحياة، وسبحان الله فمهما كان الطريق الذي ستختاره فتلقى فيه الله ولحظة اليقظة هي لحظة إبصار القلب ورؤية الأمور على أوضاعها الطبيعية، وأن فيها استشعاراً لقول الله تعالى ﴿إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَىٰ رَبِّكَ كَدْحًا فَمُلَاقِيهِ﴾[ الانشقاق: 6]
وعندما يكرمنا سبحانه بهذه اللحظات المباركة، يمتلئ القلب بحب جارف إلى الله واستشعار صادق بقدرته جل وعلا، والسعادة في طاعة كل أمر من أوامره وعندها تتغير نظرتنا للأمور وتشعر أن الله أكبر من كل شيء.
فيتحول الذل إلى عزة، وهزيمة النفس إلى نصر والتراجع بعضاً من مواقف ردود الأفعال مع نور البصيرة وتاج الهدى واليقظة.
أما مؤمن آل فرعون فقد كانت يقظة الروح موجودة وهو إيمانه بالله وعندما أرادوا قتل موسى عليه السلام كانت إيجابيته في الدفاع عنه ولو كلفه ذلك عمره استجابة ليقظة عقله.
وإسماعيل عليه السلام، كان إيمانه عميقاً ترجمه في رد فعل إيجابي فيه طاعة مطلقة واستسلام لله عندما أخبره أبوه أن الله قد أمره بذبحه فلم يتردد لحظة وقال بثقة ويقين ﴿قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ﴾ [الصافات: 102]
وهو مستسلم فعلاً للسكين بل كان اختباره فيه النجاح الباهر فكانت نجاته في الدنيا والآخرة.
والرسول ﷺ ونبي الله موسى كان البلاء عظيماً لكليهما، فلجأ إلى الله تعالى واستشعرا معيته سبحانه، فقال رسول الله r ﴿إن الله معنا﴾ (التوبة : ٤٠) وقال موسى عليه السلام ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ (الشعراء: 62) فكان الفرج والنصر. يوسف عليه السلام: تهيأت له كل أسباب المعصية ولكن يقظة قلبه كان فيها الحماية الكافية من ضعف النفس وكان رد فعله قولاً ﴿معاذ الله﴾ (يوسف:23).
ونجد أيضاً في عهد عمر بن الخطاب - t- بائعة اللبن المسكينة الفقيرة تنهى أمها عن غش اللبن وتحذرها بقولها: إن رب عمر يرانا .
إن يقظة العقل والروح تجعل الإنسان يتخذ قرارات صائبة في أوقات شديدة. تكون فيها النجاة وهذا فضل من الله ورحمة، فإن صاحب الجنتين هلك وهلك وماله برد فعل يفتقر إلى يقظة الروح والعقل وكذلك أصحاب الجنة عندما أقسموا ليصرمنها مصبحين ولم يكتفوا بالقول: بل شرعوا في الفعل: ﴿فَانطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ أَن لَّا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُم مِّسْكِينٌ وَغَدَوْا عَلَىٰ حَرْدٍ قَادِرِينَ﴾ [القلم: 25]
فكان ضياع كل شيء، وكذلك فرعون وقارون وغيرهم ممن غابوا تحت الثرى وكانوا لنا عبرة وعظة.
وها هو الزمن قد دار دورته السير على سطح الأرض، وتمر على ابتلاءات الحياة فلو كانت ترجمتنا لإشراقة النفوس صحيحة. فيها طاعة لله واستجابة لأوامره كانت سعادة الدارين والنجاة والفوز لا سيما ونحن نعيش في زمن اختلط فيه الحق بالباطل، والخطأ بالصواب فضاعت البلاد وهنا على أنفسنا فهنا على الأعداء، وآن الأوان لتخرج من كبوتنا.
(([1] أكاديمية متخصصة في القضايا التربوية.