; نحو فِهم إسلامي سليم.. الرق في الحضارة الحديثة | مجلة المجتمع

العنوان نحو فِهم إسلامي سليم.. الرق في الحضارة الحديثة

الكاتب علي القاضي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-يناير-1980

مشاهدات 63

نشر في العدد 465

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 15-يناير-1980

في الأزمنة الماضية كان السادة يسترقّون أنواعًا من الناس -عن طريق الشراء أو الاختطاف أو الحروب أو غير ذلك- وكان السيد يتصرف كما يشاء -بيعًا واستعبادًا ومعاملة قاسية إلى غير ذلك- ولميكن للرقيق حقوق فهُم من طبقة غير طبقة السادة.

وكان هذا موجودًا في الحضارة الرومانية وفي الحضارة الإغريقية وفي غيرها من القديمة.

 كما كان موجودًا في الحضارة الغربية في العصور الوسطى -ومع ذلك فقد كان السيد يقوم بإطعام عبده وكسوته وسكنه- حتى يستطيع أن يقوم بالعمل الذي يوكل إليه لمصلحة سيده. 

فالسيد يمتلك بالمال والقهر ناتج عمل الإنسان وكفاحه وعرقه.

وجاءت الحضارة الغربية الحديثة وزهت بما حققت من اكتشافات مادية جعلت الناس ينظرون إليها في إعجاب وأعلنوا أن هذه الحضارة لا تعلو عليها حضارات أخرى.. ومع ذلك فهناك النظرة المقابلة -النظرة إلى استرقاق الإنسان لأخيه الإنسان في الحضارة الحديثة هل هو موجود أم أن الحضارة الغربية الحديثة رفضته؟ وحق لها حينئذ أن تفخر بما حققت في هذا الميدان.

والجواب: أن الرق لم يمنع في الحضارة الغربية الحديثة المغرورة ولكنه تطور، وأخذصورة ظاهرية أهدأ وحقيقة أقسى.

فما الذي يدعو الى أن يرهق نفسه مع عبيده لإجبارهم على العمل.

أليس المقصود أن يستولي على جهده وعرقه أن ذلك ممكن بطريقة جديدة تفتق عنها ذهن الاستعمار الغربي -وهي أن يبسط نفوذه على عقول الناس ويصبح مسيطرًا على قلوبهم وبذلك يستولي السيد بدون مقابل على نتائج عرق الإنسان وكفاحه -بل يمتلك أيضًا فكره وعقله- بل لقد أصبح هناك قابلية للرق عن طريق الأيدلوجيات الحديثة التي يعتنقها المسترقون في العصر الحديث -والقابلية للرق. أخطر من الرق نفسه لأن الإنسان لن يحس -في هذه الحالة- بالظلم الواقع عليه فلن يسعى إلى تحرير نفسه أيضًا -وكيف يسعى إلى ذلك وهو راضٍ بما عليه من ذل واستعباد.

ثم إن الرق كما يكون بين الأفراد -يكون بين الدول بحيث تكون الدولة المسترقة تابعة اقتصاديًا وسياسيًا لدولة أخرى، ولذلك فإنها تتأثر بها اجتماعيًا وفكريًا وثقافيًا وينهج الحاكم نهجًا مواليًا للدولة التي يتبعها، بل ويسخر في سبيل مصلحة الدولة المسترقة له كل أجهزته الداخلية، حتى ولو استدعى الأمر نشر الإرهاب والتعسف في الأحكام وقهر المحكومين بمساعدة الدول المسترقة.. 

أو ليس من العجيب أن تكون حركة التبادل التجاري بين جميع الدول العربية 7% من مجموع حركة التبادل في التجارة الخارجية؟ مع أنه من الممكن أن يحدث بينها تكامل اقتصادي على الأقل في الصادرات الزراعية.

ومن الجدير بالذكر أن واردات دولة عربية من الولايات المتحدة الأمريكية كانت ٨٣٥ مليون دولار عام ١٩٧٤ ثم ارتفعت إلى ٤٣٧٠ مليون دولار عام ۱۹۷۸ وذلك خلاف الخدمات التي لا تدخل في حساب الميزان التجاري السنوي والتي ازدادت من ٦٢٩ مليون دولار عام ١٩٧٤ إلى ٢١٤١ مليون دولار عام ۱۹۷۸م.

لقد تمكنت الدول الغربية في إطار سياسة النفط الخام المتبعة حاليًا من ملء خزانات الاحتياطي لديها، ومن الضغط على الأسعار، وفي نفس الوقت تستخدم الولايات المتحدة القمح سلاحًا سياسيًا تضغط به على الحكومات الإسلامية، كما تقوم الدول الغربية بإلقاء ما يزيد عن حاجتها من الحليب والزبدة والجبن والسمن في البحار حتى لا تنخفض الأسعار، والمسلمون أصحاب النفط يموتون من الجوع داخل بلادهم.. 

ثم تأتي التبعية العسكرية، لترينا وجهًا آخر من وجوه الرق الجديد، فروسيا تعطي الأسلحة لمصر لتدخل في حرب اليمن لا ضد اليهود.

 وأمريكا تعطي الأسلحة لتركيا طالما هي حارسة لمصالح حلف شمال الأطلنطي والقواعد العسكرية وروسيا تعطي الأسلحة لليمن الجنوبي لتقوم بقتل المسلمين في الحبشة والصومال..

وتنشأ قواعد أمريكية في البحرين وفي عمان.

وقواعد فرنسية في جيبوتي وتشاد ومدغشقر. وقواعد روسية في اليمن الجنوبي ومدغشقر وغينيا..

إلى جانب الخبراء المنتشرين في كل مكان حيث يشرفون على تنفيذ ما تريده دولهم. 

وتأتي بعد ذلك التبعية السياسية وهي تظهر في أن الدولة المسترَقة «فتح الراء» تتبع سياسة الدولة المسترِقة «بكسر الراء» ولمَ لمْ تكن لها مصلحة في ذلك كما يحدث في كثير من الأماكن على خريطة العالم..

وتصل هذه التبعية السياسية إلى درجة المؤامرات والاغتيالات..

ثم التبعية الفكرية التي تظهر في أن ينظر المسترَق «بفتح الراء» بمنظار المسترِق  «بكسر الراء».

فروسيا حين تقتل الآلاف من مسلمي أفغانستان لا يتكلم أحد وكأن هذا أمر طبيعي..

 وإیران حين تحتجز ستين رهينة أمريكية، مجرد احتجاز، يقوم الغرب كله و يقوم الشرق كما تقوم الدول الإسلامية أيضًا بحجة أنها تتحرك بدوافع إنسانية. ومع هذا كله، فالاستعمار لا يخفى ذلك ولا يدار به ففي عام ۱۸۹۹ صدر بيان رسمي عن إدارة الاحتلال يوضح سياسة التربية والتعليم في مدغشقر بالآتي: نريد أن نجعل من المدغشقريين الأحداث رعايا أوفياء مطيعين لفرنسا، وأن نقدم لهم تعليمًا صناعيًا وزراعيًا وتجاريًا ليسد حاجات المستعمرين ومختلف الدوائر المستعمرة.

وفي عام ١٩١٩ صرح وزير المستعمرات «هنري سيمون» بأن التربية في المجتمع الاستعماري إنما تتم لخدمة المستعمر.

وتوجد دولتان كبيرتان تسيطران على مصائر الأمور في عصرنا الحاضر، اختلفتا ثم اتبعتا سياسة الوفاق، ذلك لأن مصالحهما المشتركة كدولتين صناعيتين في مواجهة بقية العالم، تجعل الخلافات الأيدلوجية بينهما تأتي في المقام الثاني.

وهكذا يتضح مفهوم الرق الجديد، فهل تهدف تربية الرقيق إلا إلى تكوين جيل من

العبيد إن ذلك ممكن بأسلوب أقل تكلفة وأكثر فاعلية..

ويأتي سؤال، وما السبيل إلى التخلص من ذلك؟

والجواب: إنه لا بد من إجراء عملية تطهير واسعة تزيل آثار المحاولات محاولات الإبادة الثقافية ونسترد بها هويتنا المفقودة..

وذلك لا يكون إلا بمراجعة شاملة لمناهج التعليم حتى تظهرها من كل ما هو غريب عن ديننا وثقافتنا ومثلنا ونبعدها عن التبعية لكل ما هو غربي. 

مرحلة حرث أولًا.. ثم مرحلة غرس ثانيًا.

مرحلة حرث تزيل آثار محاولة الإبادة الثقافية.. ومرحلة غرس نسترد بها هويتنا المفقودة والتربية الشاملة المتكاملة النابعة من ديننا وقيمنا وأخلاقنا هي السبيل الوحيد للوصول إلى ما نبغي من أهداف. 

ورحم الله امرأً عرف زمانه واستقامت طريقته.. وصدق الله العظيم القائل ﴿وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ﴾ (الأنعام: 153).

الرابط المختصر :