العنوان أمسية أندلسية
الكاتب أ.د. عبد الرحمن علي الحجي
تاريخ النشر الثلاثاء 04-سبتمبر-1979
مشاهدات 88
نشر في العدد 455
نشر في الصفحة 46
الثلاثاء 04-سبتمبر-1979
ما أكثر ما يثير العزيز على النفس فيها من المعاني الجليلة المفيدة المعتبرة وإن تلونت بالوان شتى وعبرت عن معاني جلى، حلوة أو مرة. وكلما كان هذا العزيز أصيل القيمة معروف الشيمة يرتبط مع الإنسان بأبرك صلة وأوثق عروة وأعرق رباط كانت المعاني أكثر اعتبارًا وأشد ازدهارًا وأبعد إعزارًا، لا تفتأ عن الامتداد والازدياد ترتوي من عين الينبوع متعددة الجوانب طيبة المآدب متجددةالأثواب.
ففي أمسية كريمة في أبو ظبي في العاشر من رجب الخير هذا الماضي ضمت مجموعة من الأخيار حضرت لتستمع جميل الأخبار وتستمتع لعزف على أحلى الأوتار، جرى استعراض لحال المسلمين في إسبانيا الأندلس الفردوس المفقود وهو موجود يزداد بعون الله تعالى وجوده ظهورًا ويزدان حبورًا.
تعرفنا على جهد نخبة من طلابنا ساروا في خير درب يعلمون أنفسهم دين الله وبه يعملون وله يسعون، بجانب كل ما عليهم من واجبات الدراسة وما يتحملون من الغربة بكل أثقالها وأحوالها وهمومها مما عبّر عنه شاعر أندلسي :
أنا في الغربي أبكي *** ما بكت عين غريب
لكن هؤلاء لا يبكون بل فرحون لأنهم التقوا على طاعة الله وتحابوا فيه وانطلقوا بشرعه في الحياة في الملتويات والشعاب التي تاه فيها الكثير من دارسين وسائحين، ساحت بهم الآثام وسرحت بهم الأقدام فسقطوا في حفائرها حين أداروا ظهورهم لشرع الله المنير عن علم أو جهل.
إن هذا الموكب الخير وإن صغر يقوم بمهمة البناء ورفع اللواء ويمتد صوته للجميع بالنداء. وكم من عائد إلى الدرب على هديره ورجع أبقًا في البيداء إلى داره وأوى طريدًاإلى سريره ليجد نفسه على طبيعتها تحن إلى فطرتها ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾(الروم: 30)، مستغربًا من فعلها ذاك، حين استمتع بإنسانيته، أراقها الآخرون على دروب الزلق والقلق والهلاك بثمن بخس ومتعة هزيلة مرذولة، فنجا من كل ذلك في سلوك الطريق القويم والصراط المستقيم. إنه الدرب الوحيد بين الملتويات وعلى الدوام جديد، أمام المنعطفات وفي كل حال غابر أو آت، إنه نور الله وشرعه وكتابه الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (فصلت: 42) فهو يحس بالتعالي الخير والعزة الأبية والهمة العطوف، تزيد السقيا للآخرين والري للعطاش اللاهثين والظل الندي لمن لفحتهم حرقة الهجير، فانطلقت تتحرك لتقيم المرتع الخصيب والمأمن البار في تلك الديار.
أصغينا في تلك الأمسية بلهفة وثابة عن تلك الجمود، يقوم بها أولئك النفر القليل، يكثرون كل يوم ويحققون بفضل الله مع الأيام المزيد. أوضحه لنا المحاضر الكريم أحد المقيمين في تلك الديار الحبيبة الغريبة غربة هذا الدين، يعود اليوم أحلى إلى الظل الظليل والندى البليل والنور الأصيل، وإلا فستعود الغربة ويعم الضياع لمن يبتعد من بقاع الخير ودرب القيم في كلا الدارين، فعلمنا من أخبارهم ما قدم صورة مشرقة عن حقيقة المسلم تنبئ عن قوة تمسكه ليقف في وجه التيار المتخلف والمتغلف مهما تزيا بأثواب حضارة اليوم، ومهما حرف، ليجرفها المسلم وكيفما غنى ليردها وطالما زاد وبغى ليأخذها وينظف الأرض منها، يكون ذلك مع الأحداث والأشخاص والأوضاع، كلما كبرت تبدو صغيرة أمام هذا الدين وأهله حين يتحرك به إنسان بصدق يتمثله، تقرؤه في السلوك قبل المنطوق، وهو لا يعرف على الدوام غير هذا الحال.
علمنا ذلك وتعلمناه، ليس من طلبتنا وجاليتنا الإسلامية في الأندلس فحسب وإنما في الكثير من بلدان العالم غير الإسلامي لا سيما الغربي وكذا الشرقي إلى حد ما، حيث يقوم الطلبة بكل أنواع النشاط الخير يعاونهم الآخرون، فهم المحور لدعوة الناس إلى نور الله. فهل يعني ذلك أن الراية الإسلامية ستنطلق من أرض جديدة لم تكن للإسلام قبلا أو كانت له يوما، تلفت أنظار من يحيون على أرض الإسلام وقل العامل فيهم وإن كثر اليوم أو سيكون بعده؟ لكن هذه وتلك تنبئنا عن نمو الحقول بعد الذبول في أرض الله في أي بقعة منه، وهذا هو المهم، يتسع بعد ذلك ريها وتزداد مواقعها وتخضر مرابعها، لتعم الأرض كلها بالخير والحضارة والإنسانية البرة.
وقد تعجب فرحًا وتطرب مرحًا وتنتشي نخوة إيمانية حين تعلم أن هذا المحاضر الذي قضى ثلاثة عشر عامًا في الغربة وما يزال، هو الآن طبيب يتخصص في فرع مهم، يقوم بتلك الجهود وهو يعلم أن الطب الحقيقي المهم الأقدم هو طب النفوس ووراء الحياة الحق ينقذ من كل الأدواءويرتقي في السلم الرباني سليم النفس معافى ليزرع الحياة حضارة ونورًا بعده السعادة الدارة، طريق لا يعرف اللون ولا يرتبط بالتراب ولا يلتقي على عروق نخرة وعظام بائرة، وكما يعتني بطب الأجسام إلى حد عال كريم إنساني لكن عنايته بطب النفوس والقلوب وداخل الإنسان فأنت ترى أولئك الطلبة وتشهدهم وتحمدهم وترقب الأمل فيهم وأمثالهم، التقوا على هذا الدين بلا نسب يجمعهم أو مصلحة تلمهم أو ملذاتتسوقهم اجتمعوا على دين الله وتحابوا في الله، ولأجله وبه تماسكوا أمة أخوية وجماعة ربانية ومجتمع حب في الله يفتدون شرعه؛ فالغاليعندهم لدين الله مسترخص فتلتقي بهم فترى فيهم الأبيض والأسودالشرقي والغربي ومن كل اللغات أو أكثريتها، ارتبطوا بخير رباط ليرابط كل على ثغر يسده ووجه يحميهوعمل يبديه. وهم يعتبرون دراستهم طريقًا لخدمة هذا الدين، وهم فيكثرتهم يدرسون دراسات وتخصصات علمية لم يتعلموا منها الإسلام لا سيماهناك، بل كان ذلك بأنفسهم، فالتقوا عليه وبدأوا يرون كل ما في الوجود الإنساني خاضعا لإرادة الله تعالى قدرته يرون فيه عظمته جل جلاله، فعرفوا مكانة الألوهية لله رب العالمين وأدوا حق العبودية له. إنهم يقومون بما يجب على كل مسلم أن يقوم به وما هو على غيرهم من أصل التخصصات الإسلامية أوجب الى جانب كل مسلم ثغرة ليقومعليها حارسًا أمينًا ومجاهدًا كريما.
هؤلاء الطلبة الكرام في بلد الفردوس الأندلسي يقومون بألوان النشاط، يستحقون منا كل تأييد وتشجيع، نشد أيديهم. ولهم هنالك جهود ميمونة ملحوظة بين الجالية الإسلامية والإسبان وتعريفهم بالإسلام، يدخل في الإسلام منهم كل أمد جديدعائدين إلى دارهم القديم الأمين، أخرجوا منها بقوة السلاح والتسلط القاتل المبيد، لم يكد يبقى منهم ديارا أو نافخ نار، في ظاهر الأمر ووضح النهار. فهم يترجمون وينشرونويحدثون، وبالسلوك قبل اللسان، فهنيئا لهم لكل من يخطو بنفسه نحو الإسلام خطوة مع الآخرين في كل بقعة من بقاع أرض الله الواسعة لتستنير بنوره المبين ﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِن نُّورٍ﴾ (النور: 40).
فالحمد لله رب العالمين على ما أنعم علينا بهذا الدين ونرجوه أن يعيننا على أداء واجبنا نحوه على أحسن ما يكون إن شاء الله تعالى.
ومن جميل ما قاموا به إقناع السلطات الإسبانية لإقامة صلاة عيد الأضحى المبارك الماضي في مسجد قرطبة الجامع، وهو حدث مهم جدًّا إذا ما علمنا حال السلطات هناك وتعصبها الصليبي الأعمى بقية التعصب القاتل الذي قاد إلى الفتك بالمسلمين وإبادتهم، فهي تمنع فردًا أن يصلي فيه حتى ولو كانت تحيةالمسجد. ولقد نمى إلى المعرفة أنه حين أداها في زيارته لهذا المسجد القرطبي الجامع الملك سعود احتجت تلك السلطات على ذلك، فيا للغرابة والاستبداد والانتهاك، لكن ارتفع الأذان والحمد لله.
ألا ما أجمل الأذان يرتفع في أعالي الفضاء في كل مكان، وفي مسجد قرطبة الجامع بعد انقطاعه نحو سبعة قرون عن باحات المسجد الكبير ربيب الحياة الإنسانية الفاضلة وبيت العلم والجهاد والفن الشامخ والمثل القيمة العالية، موئل البر والنور ينشرها على ما حوله في الميادين والنجاد والوهاد يجري مع تيار مائه فيفقيه ويخالط هوائه فيصفيه ويحمل النور إلى كل نبت فيحييه،وبعد أن صمتت مئذنته أو صومعته عن النداء الندي في هائيل البقاع والديار تحوطها البحار، كل تلك القرون العجاف الصامتة صوت القبور أو البيت المهجور عاشت في الإيجور، ثم غابت عن المرابع الأندلسية كلها نور الشمس وغار ماء الخير قرابة خمسة قرون، ولعلها تبدأ من جديد.
واليوم يعود ذلك النداء متهدج الصوت متدرج الموج يرتفع حييًّا نابضًا له العبرات راجيًا أن تعود سابق العهود ليس كديمات متناثرة في السماء إنما غيوما غنية غامرة عامة مبادلة خيرة مترعة ينهمر ماؤها في كل مكان دائمة الإدرار مزدهرة الإثمار.
هذه بوادر بعثت بها تلك الأمسية الندية في الحديث عن الجالية الإسلامية في الأندلس الحبيب والأندلس الجديد ثم انهمرت خواطر لدى عرض شرائح عن الآثار الإسلامية، فيها جوانب من هذا المسجد العتيد الذي أراده الله ليبقى علامة للكثير من المعاني الغراء تحدو المسلمين لإعادته صورته البيضاء حين يشرق عليه الضياء ليجد دمًا درس منه، تترعه مياهه الفياضة تكرعه أفواه المؤمنين مقبلين على محرابه الأمين من قوافل المجاهدين ركبوا كل المتون، فهل يكررون على الدوام «يا خيل الله اركبي» وحملوا حديث السلاح ضربوا في الأرض يزيلون أشواكها ويقتلعون أوصابها يزرعونها بنات بر وحبات خير تزدهر أعوادها وترتفع أمجادها وتغدق على الناس من جديد أرفادها.
ألا ترى كلمة الله في كل ذلك. فمع أن سقوط قرطبة كان سنة 633هـ وهي العاصمة ومسجدها الكبير أكبر المساجد في الأندلس طراوفي العالم الإسلامي خبرًا والحقدالصليبي نحوه أملا للنفوس، لكنههو أكبر مسجد بقي وأوسع أماكنالعبادة سرى وأكثر المساجد سعةحتى اليوم انبرى، وسقطت بعدهوبعد قرطبة بيد التعصب الصليبيبمدة قلت أو كثرت وكذا غرناطة مايزيد على القرنين والنصف من الأعواملكنها لم يبق من مساجدها إلا القليل أو تحولت إلى كنائس أو اندرست وزالت من على الأرض حتى ما تكاد أحيانا تتبين خبرها أو حدودها أو حالها. لكن المسجد القرطبي أراد الله له أن يبقى علامة وإشارة ولعلها بداية لموكب النور يبداه المسير في الطريق الكريم، يزداد خيرًا كل يوم بعون الله ولطفه ومنته. وإنه وعد الله مهما تأخر الزمان وانتصبت من العقبات فالله هو المعين؛ فالحق قادم ولثغر المؤمن له باسم، إنه الهداية تعم الأرض عما قريب إن شاء الله رب العالمين لتشرق بنور الله المبين ساطعة نيرة لا تغيب.
ذلك المسجد بقية الخير تفلت ممن يد المنون كفت عليه أكفافها ونبع القوة من كل لون كريم تأبى على الطغيان المبين ومستودع الحياة أحيط بأسلحة الإبادة لا تبقي ولا تذر.
لكنها إرادة الله ناطقة بكل لسان وأبلغ بيان وراثة الخير الدقيق للسلف الأمين إلى عباد الله الصالحين. آمنوا بالمنهج الرباني وتنادوا لحمل هذه الراية مهما كان الحال والمآل وعند الله حسن الثواب مع الأحباب والأصحاب المطيعين لله رب العالمين والرسول الكريم صلى الله عليه وسلم.
﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَٰئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ ۚ وَحَسُنَ أُولَٰئِكَ رَفِيقًا﴾ (النساء: 69).
صدق الله العظيم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل