الثلاثاء 07-نوفمبر-1989
قد يخطر في ذهن
بعض الناس أن مظاهرات الحجاب الأخيرة في فرنسا جاءت عن طريق الصدفة... ولكن مما لا
شك فيه بأن العلمانية ومعتنقيها هم وراء هذه الضجة التي أثارتها مسألة قيام بعض
نظار المدارس الفرنسية بطرد فتيات مسلمات من شمال أفريقيا من الفصول الدراسية
نظرًا لأنهن آثرن ارتداء الحجاب الإسلامي على التبرج.. ولقد أيد العلمانيون
الفرنسيون تلك المبادرة الآثمة في حق المسلمات وربطوا المسألة بلزوم «علمانية
النظام التعليمي» في فرنسا التي احتفلت مؤخرًا بمرور مائتي عام على ثورتها
المشهورة.
نعم فرنسا التي
اتخذت شعار «الحرية والإخاء والمساواة»... في فرنسا التي يجوز فيها اضطهاد
المسلمين أحيانًا بدون أن يتحرك ساكن... في بلد يسمح فيه لكل من اليهودي أو
المسيحي وطبعًا العلماني بارتداء أو وضع كل ما تُملي له رغباته سواء كانت طاقية أو
صليبًا أو فستانًا قصيرًا أو حتى المايوهات على الشواطئ.. وكل ذلك يدخل في إطار
«حرية الارتداء أو اللبس» بينما تقوم الدنيا لمجرد ارتداء المسلمات الحجاب حيث
آثرن ستر عوراتهن على التبرج والدناءة. ولكن هذا ليس بجديد على مسلمي فرنسا وليست
المرة الأولى التي يصطدم فيها الإسلام مع العلمانية ولن تكون المرة الأخيرة، لأن
هناك فئة ضالة أقسمت على نفسها أن تعمل من أجل الصد من الزحف الإسلامي المتزايد
يومًا بعد يوم حتى بلغ عدد المسلمين في فرنسا فقط حوالي مليونين.
. زوجة ميتران
تنتقد عجز الثورة الفرنسية في استيعاب أشكال التعبير عن المعتقدات.
. شخصيات فرنسية
تثور ضد طرد الفتيات المسلمات المحجبات من المدارس.
. عندما يمارس
اليهود والنصارى حرياتهم الشخصية لا يثور الذين ثاروا على حجاب المرأة المسلمة
باسم الحرية!!
لقد أثار القرار
الذي اتخذه بعض ناظري المدارس الفرنسية بطرد الفتيات المسلمات من مؤسساتهم بعد أن
منعوهن عبثًا من ارتداء الحجاب داخل الفصول، زوبعة كبيرة في كل أنحاء فرنسا ونجم
عن ذلك قيام آلاف من الطالبات بتنظيم مظاهرة كبيرة في شوارع باريس احتجاجًا على
هذا القرار وبعض الممارسات التي قد عانت منها الفتيات المسلمات في المدارس
الفرنسية بما في ذلك الطرد والإهانة.
وقد ارتفعت أصوات المتظاهرات في الأسبوع الماضي
مرددة رسالة واضحة ومتحدية ذوي العقول المتحجرة، حيث نادت المتظاهرات بأن «القرآن
دستورنا ومن حقنا ارتداء الحجاب». وبالأمس القريب أثارت مسألة الكتاب المشؤوم
للكاتب الإنجليزي سلمان رشدي جدلًا حادًا على كل المستويات بالإضافة إلى كل ما
لاقاه هذا الكتاب من تأييد سواء معلنًا أو غير معلن في الأوساط الغربية. ولم تخمد
بعد نار الفتنة التي أشعلها هذا الكتاب إلا وبرزت للعيان تلك الممارسات
اللاإنسانية التي تعرضت لها الأقلية التركية المسلمة في بلغاريا. واليوم جاء دور
فرنسا لتلعب دورها في المؤامرة القديمة على الإسلام والمسلمين حيثما كانوا.
إن مسألة الحجاب
ما هي إلا جزء بسيط من مخططات تهدف إلى وضع حد للمد الإسلامي في أوروبا ومحاولة
لإرجاع المسلمين إلى سباتهم وإبعادهم أيضًا عن صحوتهم التي طالما أرقت كل أعداء
الإسلام بمن فيهم العلمانيون. وفي نظر هؤلاء فإن هذه الصحوة الإسلامية وتمسك
الفتيات المسلمات في المدارس الفرنسية وغيرها بتعاليم دينهن مجرد إرهاصات لعصر
مقبل وهو عصر سيادة الإسلام في العالم بأسره. وقد أصبح الإسلام ثاني دين في فرنسا
حيث بلغ عدد المسلمين فيها ثلاثة ملايين الأمر الذي يمثل خطرًا على الديانات
والاتجاهات العقائدية الأخرى. وقد دق ناقوس «الخطر» عندما بدأ أفواج من المواطنين
الفرنسيين يدخلون الإسلام في السنوات القليلة الماضية حيث إن معظم هؤلاء من الطبقة
المثقفة ورجال الفكر، مما حدا بالكاتب الفرنسي جان ماري دومناش بالقول بأن
«الديانة الإسلامية تثير مشكلة».
ومن هذا المنطلق
كشف العلمانيون في فرنسا هجماتهم على الإسلام والمسلمين وأخذوا يؤلبون الرأي العام
الفرنسي على المسلمين سواء عن طريق الصحف ووسائل الإعلام أو المؤسسات الأخرى بما
في ذلك المؤسسات التعليمية. ولقد أصبحت الصحوة الإسلامية التي يُطلق عليها الغرب
أحيانًا: الأصولية كابوسًا يُؤرق ضعاف العقول ليس فقط في فرنسا فحسب ولكن في كافة
أنحاء الدول الغربية، وما انفكت هذه الفئة تثير الفتنة في محاولتها لمقاومة الزحف
الإسلامي. وهناك أصوات تنادي باندماج المسلمين في فرنسا وخاصة عرب شمال أفريقيا
وتذويبهم داخل المجتمع الفرنسي واستهدفت هذه النداءات طمس هويات المسلمين وتجريدهم
من خلفياتهم الثقافية والدينية والاجتماعية وذلك في دولة شعارها: «الحرية والإخاء
والمساواة». وقبل شهرين فقط أثار مشروع بناء مسجد في مدينة ليون الفرنسية ضجة
كبيرة وانقسم أهل هذه المدينة بين مؤيدين ورافضين لإقامة هذا المسجد وسط ثاني مدن
فرنسا، حيث تنتشر شتى أنواع معابد الديانات الأخرى.
ومثل هذه
الممارسات أصبحت مألوفة لدى المسلمين في بقية المدن الفرنسية الأخرى مثل مارسيليا
وليل وباريس. ولكن كل ما في الأمر هو أن محاربة الإسلام عن طريق نشر العلمانية من
شأنها أن يتأثر منها معتنقو الديانات الأخرى مثل اليهودية والكاثوليكية.
ولذلك فإن
للمظاهرات الأخيرة مغزى خاصًا حيث شاركت فيها جماعات يهودية وكاثوليكية للاحتجاج
على إصرار بعض المسؤولين «بعلمنة» النظام التعليمي الفرنسي. وفي نظر هؤلاء فإنه لا
ضير من وضع المسيحيين الصليب على صدورهم أو وضع اليهود طاقياتهم فوق رؤوسهم كدليل
لانتماءاتهم الدينية وفي الوقت نفسه فإن ارتداء المسلمات الحجاب لا يمثل في نظر
هؤلاء تحديًا للنظام التعليمي فحسب، وإنما يشكل خطورة على جميع المؤسسات الفكرية
والعقائدية والاجتماعية في كل فرنسا التي تشكل المسيحية عنصرًا مؤسسًا لها.
وقد هدأت زوبعة
مسألة الحجاب عندما قامت شخصيات ومسؤولون فرنسيون بإدانة قرار طرد الفتيات
المسلمات من المدارس الفرنسية لارتدائهن الحجاب داخل فصول الدراسة، وذلك بعد أن
أعلن وزير التعليم الفرنسي ليونارد جوشبين رسميًا بجواز ارتداء الحجاب داخل
الفصول.
وقد رحب
المسلمون بهذا القرار الذي يمثل هزيمة نكراء لأعداء الإسلام داخل فرنسا ومن
الإنصاف ذكر بعض المواقف الشجاعة التي اتخذتها شخصيات فرنسية هامة.. وكذلك الحكومة
الفرنسية التي يترأسها رئيس الوزراء السيد ميشيل روكار والذي صرح مؤخرًا بأنه
«وحتى في حالة انتصار عدم التسامح فإن في فرنسا من يتمسكون بكل حزم بمواقفهم
العادلة».
وطالب أيضًا
بالاحترام التام لمعتقدات وآراء الآخرين. وقد أثبتت السيدة الأولى في فرنسا
«دانيال ميتران» شجاعتها عندما أدانت قرار طرد الفتيات وأثبتت «حق الفتيات
المسلمات في فرنسا في ارتداء الزي الإسلامي في المدارس إذا أردن».
ومن الجدير
بالذكر أن السيدة ميتران تترأس جمعية مناهضة للحريات العامة. ومضت السيدة دانيال
ميتران قائلة في هذا الصدد «وإذا عجزت علمانية الثورة الفرنسية التي مضى عليها 200
سنة من استيعاب كل الديانات وأشكال التعبير للمعتقدات الأخرى فإن ذلك يعني تراجع
الثورة إلى الخلف، وإذا كان الحجاب يمثل وسيلة تعبير لديانة ما فإن علينا أن نقبل
تقاليد معتقدي هذه الديانة مهما كانوا» لكن تصريحات السيدة ميتران هذه لم تسلم من
استهجان البعض من أمثال قرش صادوق الناطق باسم منظمة علمانية فرنسية-جزائرية حيث
استنكر موقفها إلى جانب الفتيات المسلمات وأضاف أنه «من الخطأ فتح أبواب المدارس
الفرنسية للأصوليين المتطرفين في الوقت الذي تقوم العائلات الجزائرية بإرسال
أولادها إلى فرنسا هربًا من الأصولية هناك». وقبل إعلانه بقرار جواز ارتداء الحجاب
داخل المدارس قد نادى وزير التعليم الفرنسي بمزيد من التسامح الديني وعارض عملية
طرد الفتيات من المدارس لكنه أكد في الوقت نفسه ببقاء المدارس علمانية. كما تجدر
الإشارة لموقف العديد من الشخصيات الفرنسية الذين قاموا بإدانة عملية طرد المسلمات
«وجميعهن من المغرب العربي» من المدارس معتبرين هذه العملية عملًا عنصريًا بحد
ذاته. ومن الذين عبروا عن رأيهم في هذا الصدد الفنان الفرنسي موريس بيسجار وهو
مسلم، وكذلك هارلين ديزير وهو رئيس جمعية «النجدة من العنصرية» (SOS RACISME)
وأسقف نوتردام وحاخام فرنسا وإمام ومدير مسجد باريس وكذلك السيد يانيك سميرون أمين
سر نقابة المدرسين الفرنسيين.
وعلى الرغم من
كل هذه المواقف والتصريحات الشجاعة أخذت فئات ضالة تشن هجومًا مضادًا وإدانة
تصريحات شخصيات مثل السيدة دانيال ميتران ورئيس الوزراء الفرنسي السيد ميشيل
روكار.. وقد حاولت الصحافة الشعبية ذات الاتجاهات العنصرية استغلال الجدل الذي
أثارته قضية طرد الطالبات لإثارة مشاعر العداء ضد المسلمين بصفة عامة والعرب بصفة
خاصة وعلى وجه التحديد عرب شمال أفريقيا.
ولم يُخف بيرنارد أنتوني، وهو عضو في الجبهة
الوطنية اليمينية، مخاوفه إزاء «ظاهرة» الحجاب حيث قال بأنها «تمثل بداية لبلبلة
فرنسا» ومضى قائلًا «فإذا استمرت بالسماح لمئات المسلمين بدخول أراضيها فإننا لن
نستطيع أبدًا منعهم من ممارسة تقاليدهم وطقوسهم، وعندما يصبحون الأغلبية فلن
يترددوا في تطبيق الشريعة الإسلامية»!! وبالتأكيد فإذا ارتفعت هذه الصيحات
الغوغائية لمجرد ارتداء الفتيات المسلمات الحجاب فإن ذلك خير دليل على مخاوف
العلمانيين من سيادة الإسلام على كافة الأديان في المستقبل القريب. ويُدرك هؤلاء
قوة الإسلام ومبادئه السامية التي لا تُفرق بين أبيض وأسود ولا بين عربي وأعجمي
إلا بالتقوى. وقد جاء في كتاب الكاتب الفرنسي «الإسلام في فرنسا» بأن المسلمين
«يُشكلون فيما بينهم كيانًا اجتماعيًا متماسكًا من خلال توددهم وتضامنهم وتعاطفهم
وأن هذا المجتمع يحكمه نظام ديني وقانون سياسي في آن واحد مستمد من تعاليم النبي
محمد صلى الله عليه وسلم».
إن الأمر لم يعد
سرًا، فقد تجلت إرهاصات قدوم عصر الإسلام، عصر تسطع فيه الأنوار المحمدية على كل
بلدان العالم وعندئذ ستندثر العلمانية وكل الاتجاهات الضالة.
وإذا اتسعت
دائرة النقاش اليوم وبلغ موضوع الزي الإسلامي في مدارس فرنسا ما بلغ من الحدة
والجدل فإن لهذه المسألة أبعادًا تجاوزت حدود سياسة التعليم المبنية على
العلمانية.
ومما لا شك فيه
أنه من غير المستبعد أن تحدث صدامات أخرى في المستقبل بين الدين والعلمانية أو
بالأحرى بين الإسلام والعلمانية. وإذا ركزت أجهزة الإعلام الفرنسية مؤخرًا على
حوادث الحجاب وحولت المسألة إلى قضية عامة تثير الجدل في المجتمع الفرنسي وداخل
الأحزاب السياسية حتى جاوز النقاش الآن موضوع الحجاب إلى موضوع الإسلام في فرنسا،
فإن ذلك نابع من مخاوف البعض من قيام أول جمهورية إسلامية في أوروبا وربما في
فرنسا أولًا من يدري؟
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل