; مذكرات رضا نور .. يلعبون نفس اللعبة | مجلة المجتمع

العنوان مذكرات رضا نور .. يلعبون نفس اللعبة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الأحد 18-أبريل-1982

مشاهدات 60

نشر في العدد 566

نشر في الصفحة 36

الأحد 18-أبريل-1982

أفق يا رئيس هيئة أركان الحرب!

«وبكل أسف فإن هذا لا يتمشى ومصلحة الحكومة أنها حكومة كسل، فمثلا فوزي باشا يقوم بعدة مهام: رئيس مجلس الوزراء، رئيس هيئة أركان الحرب ووزير الدفاع الوطني، وأمور أخرى كثيرة ما هذا؟. إن مهمة رئيس هيئة أركان الحرب تأخذ من الإنسان كل وقته، فما بالك بالوظائف الأخرى؟، إنني أوجه خطابي لـ«فوزي باشا» وأسأله: كيف تستطيع عمل كل هذا في وقت واحد؟. من المحقق أنك لا تستطيع كل ذلك، ما طمعك هذا؟، إنك تأخذ بتلابيب ما يقرب من خمسة مناصب لم تبد حتى الآن أي وعي من أجل إعادة تنظيم الجيش، إنهم ما زالوا نائمين أيها الزملاء، إنني أرى حالهم مثل حال أصحاب الكهف، وتعلمون حكايتهم، ظلوا نائمين في مغارة سنين طويلة، وعندما استيقظوا رأوا الدنيا وقد تغيرت كلية، وهؤلاء عندما يستطيعون سيكون العدو قد استولى على أنقرة، وسيجدون أمة غير الأمة، سيجدون «ميخائل» بدلا من «محمد»، وسيتعاملون بالدراهم بدلا من القرش. جاء الوقت؛ لتستيقظوا: فوزي باشا! اترك كل وظائفك ومناصبك، ودع عنك طمعك هذا، أنت تعمل كثيرا، وأنا أعرف هذا، لكنك لا تستطيع إيفاء واجبات كل مناصبك، كن رئيس هيئة أركان الحرب فقط، فكر في الجيش وأصلحه».

«معنى هذا أنه لا بد من تنظيم الوزارة أيضا».

 نهض فوزي باشا؛ ليحيني قال: «أنا لست طماعا، إنهم أمروني، قالوا: تول هذا المنصب توليته، ثم قالوا لي: «هذا المنصب أيضا، لا بد أن تتولاه فتوليته»، وفي غيره حدث هذا أيضا، أنا لم أطلب لنفسي شيئا، فماذا أفعل؟. «كان في حالة من الاضطراب شديدة، كان يتكلم كمن يطلب العفو، تألمت لحاله».

  • رئيس هيئة أركان الجيش يغط في نومه زمن الحرب

استمر في كلامه: «من أين أجد أنا السلاح للجيش، أنا لا أستطيع النوم»، قلت له: «يا فوزي باشا أنت لم تطلب لنفسك شيئا، معنى هذا أنهم هم الذين ولوك هذه المناصب ألا تفكر؟!، إعطاؤك هذه المناصب خطأ، ولكن قبولها أمر خاطئ، خطأ هو بالتالي ألا تعرف هذا؟!، تقول: إنك لا تستطيع النوم!، إنك تغط في النوم!، تقول: «من أین آت بسلاح»، أخبرك أنا، ففي هذه الحمام الذي هناك خمس وثلاثون ألف بندقية، هيا اذهب وخذها»!.

«اضطرب حال المسكين أكثر وأكثر، وبدأ فكه في الارتعاش، واسودت شفتاه كدرا، قال: أذهب إلى الجبهة، وأعرف كيف أحارب كجندي نفر عادي. كلامه مضبوط ذهب حقيقة بعد ذلك إلى الجبهة في صقاريا، وعندما بدأت الحركة أخذ موقعه في الصفوف الأولى، مع أنه رئيس هيئة أركان الحرب، وكان يتفقد الجنود وفي يده القرآن ويشجعهم. 

كان النواب قد فهموا سجية فوزي قبل هذا؛ لأنهم كانوا يسمونه «الحمل الوديع»، وفريق آخر لم يقتنع بهذا الاسم، وأطلق عليه «فوزي الثور»، طاعته في الواقع مثل طاعة الحمل الوديع، ومثل الحمل أيضا لا يفكر، لكن آه لو كان في صفاء الحمل لأطلقت أنا أيضا عليه هذا اللقب، لكنه ليس كذلك، والحقيقة أن بعض أوقات يكون كالثور تماما، نرجع إلى خطابي القسم الأكبر منه كان هكذا:

«أنتم أعضاء الحكومة تتركون أنقرة وتهربون!، أقول: إننا سنبقى في أنقرة!، الجيش سيحارب في صقاريا، ونحن سننتصر هنا، أنا في هذه النقطة ضدكم تماما، مجلس الأمة يمنعكم من هذا، ستبقون هنا وستبقون في صقاريا، وما سيحدث لا بد أن يحدث هناك. 

وافق المجلس كله على كلامي بالتصفيق، ومنذ هذه اللحظة وفي الأيام التالية أيضا - كان المجلس كله ورائي - نزلت من على المنصة.. انتهت الجلسة، ونزل مصطفى كمال من منصة الرئاسة، جاء إليّ، وقال: يا هذا ماذا فعلت؟، كم كنت مندهشًا، لم أكن أعرف ضحكت فقط، وعندما فتحت الجلسة مرة أخرى صعد إلى منصته، وتحدث من أجل البقاء في أنقرة، وعدم الذهاب إلى قيصرية، وبقاء الجيش في صقاريا.

  • مصطفى كمال يحاول أن يرشيني الوزارة

وفي المجلس وبين ما يقرب من عشرين وثلاثين نائبا قال لي مصطفى كمال: «حسنا وأنت أيضا لا بد أن تأخذ موقعا في الوزارة، وكان يظن أنني قد قلت ما قلته في خطابي بهدف انتزاع منصب؛ لأنه نفسه يفعل كل ما يفعله في سبل تمكنه من المناصب، ضحكت، وقلت له: «ليس لي هوس بالمناصب، كنت أوافق لو أن الخدمة ستكون بين الحكومة، لكن إذا كانت الأعمال ستكون بين رياسة الأركان، فلا أريد «إذ لا مكان لي».

  • لماذا يتردد مصطفى كمال في قبول منصب القائد العام

وبينما نحن على ذلك؛ إذ بمصطفى كمال يقول: «لا لن أقبل مهمة القائد العام، وتردد في هذا، قلنا له: يا هذا دعك من هذا الرفض! اقبل!. قال لنا: «الواقع إنني أنا الذي أقوم بإدارة المعارك، ولم أتخلف، فلا الداعي؛ لأن تعملوا مثل القائد العام للجبهة»، قلت له: «لا ، لا بد أن تكون القائد العام رسميا ومسئولا مباشرة، في ذلك الوقت ستعمل بحماس أفضل».

  • يخاف ضياع شرفه! أي شرف لديه!

لقد انتهى كل شيء بالفعل، وليس معنا شيء اسمه الجيش، ومصطفى كمال يائس تماما، والواقع أنه لا يريد فعلا أن يكون القائد العام؛ لأنه يعلم أن الهزيمة محققة، ولو أصبح القائد العام فهزيمته مؤكدة، وهو تعود أن يكون وراء الستار ويلعب بدميتيه فوزي وعصمت، إذا كان أمامه عمل ذو مسئولية، فإنه يحيله إليهما، فإذا كان الشرف فإنه يخص به نفسه، ولا يريد أن يقبل مهمة القائد العام لا رسميا ولا فعليا، والمجلس كله غاضب لهذا، المجلس في غاية العصبية، وهو لا يعرف ولا يسمع شيئا، كل ما يقوله: «لن أقبل القيادة العامة»، غضبت، وذات فترة قلت صائحًا في وجهه: إلى متى ستنتظر؟، ولأي عمل تصلح إذن؟ «إذا كنت ترفض القيادة العامة رسميا وفعليا»، غضب وهاج وماج. ومن على منصب الرئاسة في مجلس الأمة أخذ يشتمني ويهددني ويكيل لي السباب، وفي هذه الأثناء قال: «إن الهزيمة مؤكدة، وأنت تريدني أن أصبح القائد العام؛ لكي تنزل من قدري، ويذهب شرفي»، وقع هذا الكلام عليَّ وقع الصاعقة؛ لدرجة إنني كدت أن أجن.. شرف؟!.

هل نسي هذا الرجل أنه هزم في سوريا؟، ومن هذه اللحظة أحسست أنني أشمئز من هذا الرجل، وبدأت أكن له حقدا هائلا، نظرت إليه وإذا بي أجده، وقد تحول إلى كلب مسعور، أمر عثمان طوبال بأن يأتي بحرسه إلى المجلس، فقد كان يثق فيهم، وأخذ يهدد بهم المجلس بشكل إيماني، وكثير من هؤلاء كان يتواجد في ممر المجلس.

انتهى كل شيء تمت الموافقة على جميع اقتراحاتي، لكنه ما يزال يرفض مسألة القيادة العامة، نحاول معه ثلاثة أيام وهو يرفض، مع أن الوقت ضيق، ثم وجد أنه لا مفر، وجد أن المجلس مصر، وأذا واصل الرفض فإن شخصيته ستنهار، وأخذ الأعضاء يقفون موقفا واضحا. وتقدم رسميا بالاقتراح الآتي للمجلس إذا أعطاني المجلس كل الصلاحيات التشريعية والتنفيذية، فإني سأقبل أن أكون قائدًا عامًّا بمجرد أن سمعت هذا أخذت أضرب قبضتي يدي برأسي، آه! ماذا يريد هذا الرجل؟؟ كيف يمكن هذا؟ هل هذه الصلاحيات من قبيل إعطائها لأحد؟.

أهذه أشياء تطلب؟ إن هذا الشيء فظيع، لا لزوم إطلاقا لك هذا، وظيفة القائد العام للجبهة لا تحتاج لكل هذه المطالب.

 كما أن «مصطفى كمال وصحبه» في الواقع، وبالفعل سيتحوزون على الصلاحيات الكاملة. لكن معنى طلبه هذا أن ضميره شيء، لا أحد يدري فيما يفكر؟ 

أيريد أن يصبح مستبدا فظيعا، ويذيق الأمة من ويلات استبداده، سيشرع قوانين خاصة له، وسيشنق هنا ويقتل هناك، أو هناك احتمال آخر هو أنه يعلم أن المجلس حساس وغيور على صلاحياته ولن يفرط فيها، وبالتالي فسيتخلص من مهمة القائد العام الموكلة إليه، أو في حالة موافقة المجلس على إعطائه هذه الصلاحيات سيقضي علينا بعد ذلك، وسيفني كل المعارضين له، وسيحاكم بها من يريد أن يحاكمه.

ولا يوجد في التاريخ إلا مثال واحد لهذا وهو: «يوليوس قيصر»، أخذ من مجلس الشيوخ في روما، جزءا من صلاحياته وجعلهم يعترفون به بأنه «نصف إله»، «وهذا يشبه ذلك!».

قامت مشادات ضخمة في المجلس، المجلس لا يريد إعطاء مصطفى كمال هذه الصلاحيات، وأخيرا فكرت قائلا: عصمت، أظهر مدى عسكريته! فوزي لا يمكن أن يكون قائدا، وغالبا ليس في أنقرة أحد آخر، وقد أبدى مصطفى كمال في موقعة أنافارطة أنه عسكري جيد، وليس هنا من هو مناسب للأمر غيره، وما يطلبه عمل وخيم العاقبة، ولكن لا بد أن نعطي هذا الرجل ما يريده، ويكفي أنه سيبعد اليونانيين عنا. اقترحت على المجلس اقتراحا يقول: لا بأس، أيريد هذا!، فلنعطه ما يريد، وليذهب ليدفع الأعداء، وهذا يكفي.. وأخيرا قبل المجلس. أما هو فلم يقل شيئا آخر، قال لي عدنان: وقّع أنت قانون تنصيب القائد العام، وبالطبع لم تكن هذه فكرة عدنان، وإنما فكرة مصطفى كمال نفسه، لا أدري سبب هذا، ماذا فكر فيه؟ قلت له: يا عزيزي أهذا وقت الأعمال الشخصية؟. إن الاقتراح اقتراحي أنا وتوقيعي أو توقيع غيري ليس هاما، أصر عدنان قلت: حسنا!، ووقعت.

 وقد وافق المجلس على لائحة القانون كما هي، وأعطاه الصلاحيات التي أرادها، وقد وافق المجلس أيضا على كل التدبيرات التي اقترحها كما هي، وأحال تنفيذها على القائد العام، وقد نفذها عن طريق أوامر متتابعة، ولكني كنت قلت بمصادرة جميع الأموال، إلا أن المجلس رأى أن هذا كثيرا، فاتخذ قرارًا بمصادرة نسبة أربعين في المائة فقط، كما أن المجلس انتخبني عضوا في لجنة تفتيش مكونة من النواب، وتابعة للقيادة العامة.

وبدأ التنفيذ، وبعد يوم أو اثنين بدأ الجنود من كل مكان في التوافد، ومنهم كما قلت في اقتراحي رجال تبلغ أعمارهم ٩٤ ،٩٥، 96 من الذين سبق أن حملوا السلاح.

 بدأ اليونانيون بحركة من اسكيشهر، وإلى حين وصول اليونانيين كان إكمال ترتيبات الجيش قد تم. اليونانيون قادمون من الشمال يلعبون نفس اللعبة، يعني يحشرون كل قواتهم كأنهم سيهجمون على جناحنا الأيمن، رجالنا يخدعون أيضا كما حدث في معركتهم السابقة مع اليونانيين، عصمت يكاد يفقع مرارتنا؛ لأنه يتجه إلى هناك، كل النواب يتحدثون عن هذا، والواقع أننا كنواب ونحن نتابع المعارك أصبحنا نصف عسكريين، ما زال عصمت بالجيش أهذا يصح؟! كان لا بد من عزله.

العدو يضرب جيشنا من هنا ومن هناك، يضرب ويرجع، يحطم خطنا من هنا وهناك، وجيشنا يسير شبرا شبرا، لكن ينطلق نحو الشمال، وهكذا ظلت الحرب على أشدها ثمانية أو عشرة أيام شديدة جدًّا.

الرابط المختصر :