; د. أحمد العسال- نائب رئيس الجامعة الإسلامية في إسلام آباد: رغم الضربات والانتكاسات.. الأمة تحقق صعودها ذاتيًا ولكنها لم توظف طاقاتها حتى الآن | مجلة المجتمع

العنوان د. أحمد العسال- نائب رئيس الجامعة الإسلامية في إسلام آباد: رغم الضربات والانتكاسات.. الأمة تحقق صعودها ذاتيًا ولكنها لم توظف طاقاتها حتى الآن

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 14-ديسمبر-1999

مشاهدات 60

نشر في العدد 1380

نشر في الصفحة 42

الثلاثاء 14-ديسمبر-1999

ثمة توجهات فكرية عاشتها الأمة طوال القرن العشرين ينسب إليها معظم التغييرات التي شهدتها الأمة وتأثرت بها وأسهمت في صياغتها على النحو الذي عليه الآن:

أولها تلك الأفكار المتعلقة بسؤال الهوية الذي شغل الأمة وسيطر على وعيها واحتل معظم تفكيرها في بداية القرن، وهو ما حدا بالإمام محمد عبده إلى التوجه والانشغال بالتربية والتعليم فبدأ بمحاولة إصلاح الأزهر الشريف باعتبار أن مسار التعليم هو الذي سيحدد هوية الأمة.

يلي ذلك الأفكار التي تبنت الدعوة إلى الوطنية بالمفهوم الغربي، فظهرت بعد الحرب العالمية الأولى أحزاب وطنية في كثير من أرجاء العالم الإسلامي أعلت من الانتماء الوطني على حساب الانتماء للأمة والعقيدة الإسلامية وأحدثت تأثيرات سلبية بعضها أدى إلى انهيار الخلافة الإسلامية، كما كان من آثارها التسليم بالتجزئة السياسية التي أحدثها الاستعمار في العالم الإسلامي وقبول الدولة القطرية كأساس للانتماء تحت اسم الوطنية والتي تصادمت في كثير من الأحيان مع الفكرة الإسلامية لأسباب موضوعية أو مفتعلة.

هناك أيضًا الأفكار المتعلقة بإعادة بناء الأمة على أساس إسلامي والتي مثلت محاولة لإعادة التوازن، وإزالة مواطن الخلل وكان أبرز من تبناها وأداها على شكل طيب الأستاذ الإمام حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين.

كذلك لا نستطيع تغافل التأثير الخطير السلبي طبعًا، الذي أحدثته الفكرة الصهيونية في مسار الأمة الإسلامية إذ أسفر في نهاية الأمر عن زرع الجسد السرطاني «إسرائيل» في الجسد الإسلامي والتي مازالت منذ نشأتها تستنزف طاقات الأمة وتعوق مشروعاتها النهضوية.

ولا تقل الأفكار العلمانية التغريبية من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار خطورة وتأثيرًا على حركة الأمة في القرن المنصرم فقد أدخلتها في دوامة الاستلاب الحضاري ومازالت تحاول إلحاقها بالغرب وتكريس تبعيتها له وهو أخطر ما يمكن أن تبتلى به الأمة.

ماذا عن أهم الشخصيات؟

الرصد الدقيق قد يكون شاقًا ولكن أذكر نماذج لا يختلف حول تأثيرها والدور الكبير الذي لعبته في تشكيل الأمة وتحديد مسيرتها سواء بالسلب أو الإيجاب:

وأبدأ بالزعيمين المصريين مصطفى كامل ومحمد فريد كأبرز من نادي بالرابطة الإسلامية وفكرة الجامعة الإسلامية في هذا القرن التي تجسد الشعور المشترك لكافة شعوب الأمة، ويسبقهم في ذلك السيد جمال الدين الأفغاني والإمام محمد عبده والأول تركز نشاطه على الجانب السياسي من أجل إقامة حياة دستورية شورية بينما انصب تأثير الثاني في إصلاح التعليم ومناهج التربية، وأكمل السيد محمد رشید رضا مسيرة أستاذه الإمام الإصلاحية وكان له تأثير بالغ على الفكر الإسلامي في أوائل هذا القرن، ثم يأتي الشيخ حسن البنا صاحب الدور الكبير في سد الفراغ في حركة وفكر الأمة بتأسيسه لجماعة الإخوان المسلمين كبرى الجماعات الإسلامية في هذا القرن.

وهناك شخصيات أخرى مارست تأثيرًا كبيرًا في إحياء الأمة وترشيد مسيرتها مثل عبد الحميد بن باديس وطاهر بن عاشور في دول المغرب العربي ود. مصطفى السباعي ومحمد المبارك في الشام والشيخ أبو الحسن الندوي في الهند وآخرون.

أما في المعسكر الآخر فنجد الزعيم المصري سعد زغلول الذي يعد أبرز من دعوا إلى الاستقلال ولكن على أساس وطني غير إسلامي وهو رائد هذا الاتجاه، وهناك أيضًا أحمد لطفي السيد الذي يلقب بأستاذ الجيل وصاحب دعوة «مصر للمصريين» والتي حملت معها وباء التعصب الوطني على حساب الانتماء الإسلامي إلى شتى أنحاء العالم الإسلامي، وطه حسين الذي أسس لمبدأ التبعية الثقافية للغرب في كثير من كتاباته وخاصة مستقبل الثقافة في مصر، وأنشأ جيلًا يحمل الفكرة ويتولى نشرها في كل المؤسسات الثقافية والفكرية بطول العالم الإسلامي وعرضه، كذلك لا أغفل ذكر ميشيل عفلق ودوره في إحياء العصبية القومية، وتوجيه القومية العربية وجهة علمانية معادية للإسلام، وهو ما أشعل صراعًا مفتعلًا بين الفكرة القومية والفكرة الإسلامية وأهدر طاقات الأمة وفرقها.

وما أهم الأحداث أو المحطات التاريخية في مسيرة الأمة في هذا القرن؟

سأكتفي بالأحداث والمحطات الرئيسة فقط ذات الطبيعة المفصلية أي التي يؤرخ بها أو تمثل بداية المنحيات أو مراحل جديدة وإن كان ذلك لا يمنع وجود أحداث ومحطات أخرى مهدت لها، فأذكر على سبيل المثال الحرب العالمية الأولى التي كان من تداعياتها إسقاط الخلافة وتمزيق الأمة وإقرار فكرة تقسيمها إلى دويلات قطرية كما نصت بذلك اتفاقية سايكس بيكو.

كذلك إلغاء الخلافة الإسلامية سنة ١٩٢٤م وإن كانت بدايته ترجع إلى عام ۱۹۰۸م مع تولي حركة الاتحاد والترقي للوزارة ونجاح ضغوطها على السلطان عبد الحميد، وربما كان إلغاء الخلافة الحدث الأهم في تاريخ الأمة كله وليس القرن المنصرم فقط.

وهناك حدث قيام إسرائيل في مايو ١٩٤٨م كأخطر حدث في هذا القرن مازلنا نعيش تداعياته ونكتوي بناره، ويمكن أن تلحق به أيضًا اتفاقيات السلام من كامب ديفيد وحتى أوسلو ومدريد وواي ريفر التي تأتي بمثابة إعلان عن عجز الأمة عن الاستمرار في المواجهة في ظل الأنظمة والأوضاع الحالية.

وهناك عام ١٩٦٠م الذي صدر فيه الميثاق القومي للرئيس جمال عبد الناصر وهو أول ميثاق يؤسس لعزل دولة إسلامية في وزن مصر عن انتمائها وولائها الإسلامي، وإحلال انتماء بديل «هو الأسرة الاشتراكية»، واعتقد أن الشهيد قطب ما أصدر كتابه «معالم في الطريق» إلا ردًا عليه وتأكيدًا على إسلامية مصر. وهناك أيضًا نكسة ١٩٦٧م التي تعتبر أسوأ نكسة في تاريخ الأمة الحديث.

وهناك عملية تصفية بقايا القوانين والمؤسسات الشرعية في مصر والعالم الإسلامي بإلغاء الوقف والقضاء الشرعي وتصفية المؤسسات والمعاهد التعليمية الإسلامية أو احتوائها في المنظومة العلمانية وتفريغها من مضمونها الإسلامي، كما حدث مع الأزهر الشريف في مصر والزيتونة في تونس.

أما الأحداث الإيجابية فيأتي على رأسها حركة الإخوان المسلمين سنة ۱۹۲۸م، كأهم حركة إسلامية في العالم أحدثت طفرة في مسيرة الأمة وأعطتها دفعة هائلة، لذلك جاء حلها في ديسمبر سنة ١٩٤٨م كحلقة من حلقات التآمر العالمي لضرب ووأد أي مشروع إصلاحي في الأمة.

وهناك حدث تأسيس المملكة العربية السعودية على يد الملك عبد العزيز آل سعود، وباكستان سنة ١٩٤٧م بقيادة محمد علي جناح، والجمهورية الإسلامية في إيران سنة ۱۹۷۹م، باعتبار كونها نماذج لدول إسلامية نشأت حديثًا على أساس من الإسلام سواء نجحت في تحقيقه أم لا.

منحنى سير الأمة -وفقًا لرؤيتكم- في اتجاه الصعود أم الهبوط؟

باتجاه الصعود رغم أن المشهد العام قد يوحي بعكس ذلك فرغم الضربات التي تتلقاها، ورغم الانتكاسات والإخفاقات التي تمنى بها بين فترة وأخرى، فإنها تتجدد تلقائياً وتكتسب كل يوم مواقع جديدة بل إن اتجاه الصعود يزيد في أطرافها أكثر من المركز: فالتواجد الإسلامي والتجديد الحضاري في الأطراف الإسلامية بل في التجمعات الإسلامية في الغرب أكثر سرعة وحيوية منه داخل العالم العربي والإسلامي، كما أن الأمة تحقق صعودها ذاتيًا ولم توظف إلى الآن طاقاتها وإمكاناتها ومواردها ومؤسساتها الموجودة فعلًا أي أنها لو حشدت ذلك كله ووظفته في مسيرتها فسيزيد منحنى الصعود بدرجات كبيرة ويتغير الواقع المؤسف الذي تعيشه.

وماذا عن توقعاتك بشأن المستقبل؟

هو بيد الله ولا يستطيع أحد التكهن به وخاصة فيما يتصل بمستقبل الأمة الإسلامية الذي لا يمكن التنبؤ به إذ إنها عودتنا وهذا ما يؤكده المستشرق جيب بقفزات وأحيانًا انتكاسات بما يشبه الطفرات وحالها ينقلب رأسًا على عقب ومن النقيض إلى النقيض في أوقات قياسية تشبه اللمحات، فمن الذي كان يتوقع أن تعود الجزائر للعروبة والإسلام مرة أخرى وتنفض عنها لباس الفرنسة الذي ألقى بثقله عليها مائة وثلاثين عامًا وتقدم في سبيل خلعه مليون شهيد؟ ثم ينقلب الوضع مرة ثانية وتقع الطامة لتعود إلى المحرقة أو تدخل حربًا أهلية؟ من كان يظن أن جامعات إسلامية مثل الزيتونة والأزهر تصفى ويتحكم في مقاليدها العلمانيون والماركسيون؟ وهكذا تسير حركة الأمة، لذلك أرى أن التنبؤ بمستقبلها على نحو صحيح صعب وربما مستحيل.

لكن أيهما يغلب الآخر عوامل النهوض أم التراجع؟

عوامل النهوض أكبر وأكثر ومخزون الخبرة التاريخية ضخم ويرجح كفة النهوض، كما أن سنة الله في الأرض لن تبقي الحال على ما هو عليه ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ (البقرة: ٢٥١)، ولابد أن تعود الأمور إلى نصابها والله متكفل بنصرة دينه ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾ (الصف:۹)، وحتى إذا كانت الرؤية العامة لا تبشر بذلك، إلا أن ما يحمله الغيب في اعتقادي خير مما نحن عليه.

الرابط المختصر :