العنوان ندوة: الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 14-أبريل-1987
مشاهدات 73
نشر في العدد 813
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 14-أبريل-1987
• حقوق أهل الذمة في ديار المسلمين حقوق مدونة في صفحات التاريخ قولًا وعملًا
• بعض القوميين والعلمانيين والماركسيين تحدثوا بمرارة غريبة عن الصحوة الإسلامية
• الأقليات في بلاد المسلمين ليست لها مشكلة
• تيار الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي يتحمل مسئولية خاصة في النهوض بأوطانه
• تيار الوسطية الإسلامية هو التيار الأقوى والأوسع في الصحوة المعاصرة
عمان-
تحت عنوان «الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي» عقدت في عمان في المدة من ١٤- ١٦ مارس الماضي ندوة علمية دعا إليهـا منتدى الفكر العربي بالأردن الذي يرأسه الأمير حسن ولي العهد، بالاشتراك مع مؤسسة آل البيت، ومركز الدراسات السياسية والإستراتيجية بالأهرام «مصر»، ومجلس كنائس الشرق الأوسط!
شارك في الندوة أكثر من خمسين مفكرًا وباحثًا وداعية، يمثلون أغلب التيارات الفكرية والسياسية في الوطن العربي، سواء القوميون أو العلمانيون أو البعثيون أو الماركسيون وبعض القساوسة، وبالإضافة إلى عدد محدود من ممثلي الصحوة الإسلامية.. ناقشت الندوة عدة بحوث ودراسات جادة تتناول بعض مظاهر الصحوة المعاصرة وموقفها من مختلف القضايا والمشكلات، وتميزت المناقشات والتعقيبات بالهدوء والموضوعية أحيانًا، وبالحدة والتحيز وإلقاء الاتهامات جزافًا في أغلب الأحيان. وقد شارك الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي الداعية الإسلامي المعروف بجهد واضح في إثراء المناقشات ورد المفتريات والأكاذيب التي أطلقت في الندوة؛ فكان فارس الحلبة بلا منازع.
تيار الوسطية الإسلامية
نوقش البحث الذي قدمه الدكتور القرضاوي تحت عنوان «الصحوة الإسلامية وهموم الوطن العربي.. نظرة عامة» في الجلسة الأولى من جلسات الندوة؛ حيث تناول الباحث الإطار العام للصحوة الإسلامية المعاصرة، ممثلة في تيارها الأقوى والأوسع والأكثر انتشارًا، وهو ما أطلق عليه «تيار الوسطية الإسلامية» ثم تحدث عن الخصائص البارزة للإسلام كما تفهمه الصحوة وتقدمه للناس، وركز في هذه النقطة على خصائص أربعة رئيسية وهي:
1- الجمع بين السلفية والتجديد: بمعنى أن الصحوة تدعو إلى العودة إلى الأصول.. إلى السلف الصالح وأهل السلف هم أهل القرون الأولى خير قرون الإسلام، بالإضافة إلى معايشة العصر ومواكبة التطور، وفهم طبيعة الواقع المعاصر. ويرى الدكتور القرضاوي أنه بالاستقراء وجد أن الصحابة هم أفقه الناس لروح الإسلام، وأكثرهم تيسيرًا على الأمة، وأقدرهم على ربط الدين بالحياة، وأشجعهم في مراعاة مقتضيات الزمان والمكان والحال، وهذا هو سر التمسك بالسلفية كمنهج أساس للصحوة المعاصرة.
٢- الموازنة بين الثوابت والمتغيرات: هناك ثوابت لا تتغير مثل العقائد «التوحيد والإيمان بالله وملائكته... إلخ» والعبادات «الصلاة والزكاة... إلخ» والقيم الأخلاقية العليا «الإخلاص لله، والرجاء في رحمته.. والصبر، والحياء، والشجاعة، والعز... إلخ» والأحكام القطعية في شئون الفرد والأسرة وغيرها.. وفيما عدا هذه الثوابت نجد أن جل أحكام الشريعة قابلة للاجتهاد وتعدد الأفهام.
۳- التحذير من التجميد والتمييع والتجزئة للإسلام:
٤- الفهم الشمولي للإسلام: فهناك البعد الإيماني بإصلاح النفس وتزكيتها، والبعد الاجتماعي بتحقيق العدالة في المجتمع، والبعد السياسي والبعد التشريعي عن طريق إصلاح النظم بالتشريع الإلهي، وهذه أصول أربعة في الفهم الشامل للإسلام.
أما فيما يتعلق بهموم الوطن العربي فقد حددها الدكتور يوسف القرضاوي بسبعة هموم رئيسية وهي:
التخلف، والظلم الاجتماعي، والاستبداد السياسي، والتغريب، والتخاذل أمام الصهيونية، والتمزق والتسيب. وتحدث الدكتور القرضاوي عن النظرة الشمولية للصحوة إلى هذه الهموم، بعيدًا عن النظرات الجزئية والسطحية والقطرية والآنية والتلفيقية والتبريرية.. وكان أبرز ما حاول التأكيد عليه هو أن التيار الأقوى والأوسع في الصحوة هو التيار المعتدل، الذي يؤمن بالوسطية الإسلامية، وهو تيار الغد المرجو والمستقبل المأمول، وخصوصًا أن عموده الفقري هم الشباب، وهم ذخيرة الغد.
الصحوة الإسلامية وأنظمة الحكم
وتحدث الأستاذ كامل الشريف وزير الأوقاف الأردني الأسبق في بحثه الجاد عن العلاقة بين الصحوة الإسلامية والسلطة السياسية في العالم العربي؛ حيث ذكر صعوبة وضع هذا الموضوع في مقياس عام، فلكل دولة ظروفها وأحوالها، ولكل حركة إسلامية رؤاها وحساباتها، وبعد استعراض بعض الأمثلة خلص إلى أن الحركة الإسلامية لظروف كثيرة كانت بعيدة عن الاشتراك في الحكم. واختتم الأستاذ كامل الشريف بحثه بعدد من التساؤلات المطروحة منها:
1- إلى أي مدى يمكن للسلطات الوطنية تجاهل إبعاد الصحوة الإسلامية الراهنة، والعوامل الواقعية التي تفتح لها مجال العمل؟
٢- هل ستظل السلطة الوطنية تأخذ بالنظرية القائلة باستحالة التفاهم مع الحركات الإسلامية، وبالتالي لا بد من تحييدها بكل أسلوب ممكن وتحمل النتائج؟ أم الاتجاه للبحث عن حل وسط؟
3- هل يمكن للدولة تجاهل الحركات الإسلامية المنظمة، والاتصال المباشر بالشباب من خلال الأجهزة «الدينية» الرسمية؟ وما مدى نجاح هذا الأسلوب في الدول التي مارسته؟
4- الواضح أنه لا يمكن إيجاد مناخ مناسب للتعامل بين الحركات الإسلامية والقبول بالتعددية في العمل السياسي بصورة عامة، فما هو المدى الذي يمكن أن تصل إليه الأنظمة السياسية في هذا الاتجاه؟
5- هل تحتم العوامل الواقعية القائمة في بعض البلدان العربية على الحركات الإسلامية أن تسلك طريق العنف، أم ستظل تلتزم المنهج «الإصلاحي» بافتراض أن الحكومات الوطنية ستعين على إنجاح هذا الاتجاه وليس العكس، وما هي النتائج المتوقعة في كل هذه الحالات؟
6- هل ستظل الحركات الإسلامية تعتمد أسلوب الدعوة العامة لتطبيق الشريعة الإسلامية، أم تجد من الضروري التقدم ببرامج سياسية «مرحلية» تحاسب على أساسها مع الأخذ بعين الاعتبار النتائج الإيجابية أو السلبية في الحالتين؟ وهل أصبح من الممكن أن تجيب الحركات الإسلامية ضمن برامجها الرسمية إجابات واضحة على الأسئلة المعلقة والطوائف الدينية وغيرها من المشكلات؟
هل آن الأوان للحوار العاقل؟
ويرى الأستاذ كامل الشريف في ختام بحثه أن «الحوار العاقل بين الحركات الإسلامية الإصلاحية» والسلطات السياسية في البلدان العربية بات أمرًا ضروريًّا، بهدف تحقيق معادلة سليمة تضمن تطوير المجتمعات نحو الأخذ بالمنهج الإسلامي، ويخيم عليه الاستقرار، ويجب القول أيضًا أن نجاح هذه المعادلة في أي بلد إسلامي سوف يعين على اقتباسها في بقية البلدان بعد أن أصبح واضحًا أن الخلافات حول دور الإسلام في المجتمعات الإسلامية سيظل سببًا رئيسيًّا للقلق والتوتر».
ويرى الدكتور حسن الترابي أمين عام الجبهة الإسلامية القومية بالسودان في بحثه حول «الصحوة الإسلامية والدولة القطرية» أن الحركات الإسلامية كانت تقف غالبًا ضد حركات الوحدة بين بعض الدول العربية؛ وذلك لأنها كانت تعني في النهاية مزيدًا من التضييق والاضطهاد. وركز د. حسن الترابي في بحثه بوجه خاص على رؤية الجبهة الإسلامية القومية -التي يمثلها في الندوة- حول هذا الموضوع.
ومن البحوث التي أشعلت جو المناقشة والحوار في الندوة البحث الذي تقدم به الأستاذ فهمي هويدي الكاتب الإسلامي حول «الصحوة الإسلامية والمواطنة والمساواة» أي رؤية جماعات الصحوة الإسلامية لغير المسلمين في بلاد المسلمين وبوجه خاص «النصارى». واستعرض في البحث تصوره لقطاعات الصحوة، فحددها بأربعة قطاعات:
۱- قطاع منظم ومسيس: يتمثل في جماعة الإخوان المسلمين وجماعة الجهاد -مصر- والجبهة الإسلامية القومية -السودان- والاتجاه الإسلامي -تونس- وحزب التحرير الإسلامي -الأردن، وفي خارج الوطن العربي: تجربة الثورة الإيرانية وبرنامج الجماعة الإسلامية بالهند.
۲- قطاع منظم وغير مسيس: يتمثل في الطرق الصوفية وجماعة التبليغ الهندية الأصل والسلفيين وأنصار السنة المحمدية والجمعية الشرعية في مصر.
3- أفراد برزوا في الساحة: لا ينتمون إلى أية تنظيمات، لكن لهم دورهم وتأثيرهم أمثال الشيخ علي الطنطاوي والشيخ محمد متولي الشعراوي والشيخ عبد الحميد كشك والشيخ أحمد المحلاوي والدكتور محمد سعيد رمضان البوطي وأمثالهم.
٤- قطاع غير منظم وغير مسيس: يتمثل في جموع المتدينين المتنامية التي ملأت المساجد في السنوات الأخيرة.
الإخوان والأقليات النصرانية
وحول القطاع المنظم والمسيس، تحدث الأستاذ فهمي هويدي عن موقف جماعة الإخوان المسلمين من موضوع غير المسلمين في المجتمع الإسلامي، وهو يرى أن كتابات الإمام الشهيد حسن البنا تحوي موقفًا واضحًا من قضية المساواة بين المسلمين وغير المسلمين، وذكر أن الإمام الشهيد ذكر في رسالة «مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي» أن «الأقلية غير المسلمة من أبناء هذا الوطن، تعلم تمام العلم كيف تجد الطمأنينة والأمن والعدالة والمساواة التامة في كل تعاليم الإسلام»، وأكد الأستاذ فهمي هويدي أن المرشد العام للإخوان المسلمين الأستاذ البنا رحمه الله حرص -ومن تولى القيادة بعده- على أن يكسب أقباط مصر إلى صفه، وأن يتعامل معهم بحسبانهم جزءًا من الأمة، لهم حقوق الاحترام والمودة، والباحث يرى أن كتابات الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي وفضيلة الشيخ محمد الغزالي هي استمرار لمنهج الإمام البنا، وهي تمثل الخط الأصيل للجماعة إلى الآن.
وتناول البحث الذي أعدته الداعية الإسلامية السيدة زينب الغزالي نفس الموضوع؛ حيث استغرقت حقوق أهل الذمة في ديار المسلمين، وهي حقوق مدونة في صفحات التاريخ قولًا وعملًا، ومنها حق الاعتقاد، وحق الحماية من كل عدوان خارجي ومن كل ظلم داخلي، وحرية العبادة، وحرية العمل والكسب، وحرية التجارة في ضوء النظام الإسلامي. وتناولت واجبات أهل الذمة في الإسلام، وقالت: إن الحريات
وقالت: إننا أبدًا لن نعامل غير المسلمين في بلادنا مثلما تعامل بلادهم أقلياتنا من المسلمين الذين يتعرضون للإذلال والهوان وهضم الحقوق؛ لأن الإسلام له أصول ومبادئ تحمي غير المسلمين في المجتمع الإسلامي لا توجد في أي نظام آخر.
المرأة جزء من الصحوة
واستنكرت الداعية الكبيرة أن يقال: إن هناك هواجس لدى بعض النساء العرب بما فيهن المسلمات من تيار الصحوة الإسلامية، وقالت: إني أستبعد أن يكون هذا قد حدث؛ لأن المرأة المسلمة اليوم هي علامة بارزة من علامات الصحوة، بل هي ركن أساسي فيها، ويكفي نظرة إلى الشوارع والدواوين والجامعات والمدارس لتتأكد لدينا هذه الحقيقة، والمرأة ليس لها في الإسلام قضية منفصلة عن أخيها الرجل، فهما في المسئولية سواء.
وتحدث الدكتور أحمد صدقي الدجاني عضو منظمة التحرير الفلسطينية ورئيس المجلس الأعلى للتربية والثقافة والعلوم التابع للمنظمة، حول الصحوة الإسلامية ومشاريع الهيمنة الأجنبية، وخلص من بحثه إلى أنه من الطبيعي أن يستمر صراع تيار الصحوة ضمن مشاريع الهيمنة الأجنبية، ومن المتوقع أن تشتد مواجهة تيار الصحوة بخاصة للكيان الصهيوني الذي يحاول تجسيد هذه الهيمنة في قلب الوطن العربي والعالم الإسلامي، وستتوقف العلاقة مع الغرب على هذه المواجهة.
واختتم د. الدجاني بحثه قائلًا: إن تيار الصحوة في الوطن العربي وفي العالم الإسلامي يتحمل مسئولية خاصة في النهوض بأوطانه وإنقاذ عالمنا من أزمة قيم تحكم فيه، بفعل تحكم الغرب الاستعماري، وهو مؤهل للإسهام في تغيير العالم إلى الأفضل لإنقاذه من أخطار لم تعرفها البشرية من قبل.
وقد شارك عدد من الباحثين والدارسين ببعض الدراسات والمناقشات والرؤى، غير أنها لم تأخذ حظها في المناقشة والحوار مثلما أخذت البحوث التي أشرنا إليها، وقد انتهت الندوة دون أن تصدر عنها توصيات محددة، لكن الاتفاق بين الباحثين كان يدعو إلى استمرار مثل هذه الحوارات والندوات لعودة التواصل بين الآراء والأفكار.
ملاحظات عامة على الندوة
- شارك الأمير حسن ولي العهد الأردني في معظم جلسات الندوة وأدلى بدلوه في كثير من المناقشات والأبحاث التي تمت، واستقبل النقد بروح طيبة.
- شارك في الندوة عدد من المفكرين من التيارات المختلفة، وكان تمثيل التيار الإسلامي فيها ضعيفًا، حتى أن الإسلاميين من الأردن وصلتهم الدعوة يوم عقد الندوة، وحضر من مصر الأستاذ محمد فريد عبد الخالق عضو مكتب الإرشاد لجماعة الإخوان، والحاجة زينب الغزالي، والأستاذ فهمي هويدي، ومن قطر الأستاذ الدكتور يوسف القرضاوي، ومن السودان الدكتور حسن الترابي، ومن الأردن د. إسحاق الفرحان ود. إبراهيم زيد الكيلاني والأستاذ كامل الشريف.
- ثارت التساؤلات بين بعض المشاركين في الندوة حول مشاركة مجلس كنائس الشرق الأوسط في الإعداد لهذه الندوة، وبالتالي حول الأهداف غير المعلنة من ورائها، وهل هي بديل عن ندوات مشبوهة وقفت وراءها المخابرات الأمريكية أم ماذا؟!
- تحدث بعض الماركسيين والعلمانيين والقوميين والمتعصبين من القساوسة بمرارة غريبة عن الصحوة الإسلامية، ففي حين حاول البعض إنكار أن هناك أصلًا «صحوة إسلامية» وصفها البعض الآخر بأنها تعد «همًّا» من هموم الوطن العربي يضاف إلى همومه المتعددة، ووصفها أحدهم بأنها «تسعى لهدم الدولة وتدمير الأمة»! وقال آخر: «إن مفاهيم الصحوة وأهدافها يمكن أن تحدث المجازر والمذابح في الوطن العربي وتجعله بركة من الدماء». وكان لمركز دراسات الأهرام النصيب الأدنى من الافتراء والطعن وإلقاء الاتهامات، وكذلك ممثلو دول المغرب العربي «تونس والجزائر والمغرب».
ويبقى في النهاية التساؤل: لماذا لا يفكر الإسلاميون أنفسهم في عقد مثل تلك الندوة لبحث قضاياهم ومشكلاتهم؟ وربما يأتي الرد: وأين هي الدولة العربية التي يمكن أن تسمح لهم بذلك؟!