العنوان أمتنا الإسلامية بين عواصف الفتن وقوارب النجاة
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 31-يناير-1995
مشاهدات 73
نشر في العدد 1136
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 31-يناير-1995
• إصلاح حال الأمة الإسلامية مرهون بتغيير النفوس حتى تتحسس مواقع أقدامها وتدرك كيف تحقق مصالحها في مواجهة الطامعين فيها.
• أمر عجيب ألا تغفل قوى الشر لحظة عن التدبير والكيد وإنزال ضرباتها الساحقة، وأن تغفل قوى الخير حتى في الدفاع عن نفسها.
• الدول الغربية تؤجج نار الصراع بين الأنظمة الحاكمة وبين الشعوب ليظل الصراع يحصد الأرواح من الطرفين.
العالم كله اليوم يتحرك لتحقيق مصالحه في ضوء المتغيرات الواقعة من حوله بحيث لا تصرفه عن هدفه وغايته صوارف أخرى، أو شواغل مستجدة قد تعوق حركته وتؤخر تقدمه، يحدث هذا في عالمنا وينطبق على كثير من الأمم حولنا في الشرق والغرب ما عدا أمة الإسلام التي تقف في طريق غايتها العوائق، وتحول دون هدفها حواجز وسدود من الفتن والمكر والخداع، تتوالى عليها كقطع الليل المظلم، بحيث إذا تخطت حاجزًا ونجت من فتنة وقعت في أخرى، وكلما أوشكت على النهوض نحو التغيير المطلوب تعثرت من جديد، وضاع من بين أقدامها الطريق طريق التغيير الصحيح الذي قال الله فيه: ﴿لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ ۗ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ ۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ﴾ (سورة الرعد: 11).
وإصلاح حال الأمة الإسلامية مرهون بتغيير النفوس، بحيث تتحسس مواقع أقدامها وتعرف أین تضع خطواتها، وتدرك كيف تحقق مصالحها في عالم كثرت فيه الفتن، وقامت في البلدان الكبرى مؤسسات ضخمة ذات ميزانيات كبيرة وتحت مسميات عديدة لتعمل على إشغال الآخرين بما تثيره من فتن بينهم تحدث في الزمان المطلوب والمكان المحدد، فيشعر الناس تجاهها أنها قدر صائب لا يملكون معه تغييرًا ولا تحويلًا.
فتنة عمت المدينة والقر * ية لم تُعف فتية أو كهولا
ونشيد السلام يتلوه سفّا * حون أجادوا الخراب والتقتيلا
وحقوق الإنسان لوحة رسا * م أجاد التزوير والتضليلا
صور، ما سرحت بالعين فيها * وبفكري إلا خشيت الذهولا
فتن متنوعة
وليست تنجح هذه الفتن في أرض المسلمين وتحقق هدفها إلا بضرب عظيم من الذهول، ونصيب ضخم من الغفلة التي تهيمن على كثير من الشعوب الإسلامية، بحيث تظل هذه الشعوب غير واعية لما يراد بها ولا لما يدبر لها من فتن وقلاقل، قد يلبسها أصحابها ثياب الصحة وهي عليلة أو يلبسونها ثياب الحق وهي ضلالة.
ولو أن حالات التعدي على أمة الإسلام ترِد من الخارج فقط لهان الخَطب، وأمكن التصدي واستنفرت الأمة نحو العدو الخارجي الذي يهدد وجودها وبقاءها، ولكن الطامة الكبرى أن الأمة تصاب بالفتن من خارجها وتنفجر فيها الفتن من داخلها، كذلك في عديد من الأماكن وفي صور متعددة قد تتمثل في الجوع أو المرض أو الجريمة أو القمع المستمر الذي يؤدي إلى الإحساس بضعف الانتماء أو فقدانه، أو الاختلالات المفاجئة في نمط الحياة اليومية سواء في البيت أو العمل أو المجتمع، مما جعل خُمس سكان العالم النامي -والأمة الإسلامية في القلب منه- يحاصر بالحرمان الاقتصادي، بينما يعيش ثلث سكان هذا العالم النامي على هامش الوجود الإنساني في الوقت الذي تبدد فيه بعض الدول الكبرى كميات هائلة من الطعام سواء لعدم الحاجة إليها، أو للحفاظ على أسعارها، مما يدعو إلى وصف عالم اليوم بأنه عالم المتناقضات.
ويصدق على كثيرين في عالمنا قول الله: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِن يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَّا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِن يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ ۚ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (سورة الأعراف: 146,147).
وهذه المتناقضات تظهر في عالمنا الإسلامي على أكمل صورة، فبينما ينبغي أن يتحقق فيه الأمان والأمن مصداق قول الله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُولَٰئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ﴾ (سورة الأنعام: 82)، تجده تعبث به الفتن والقلاقل، التي نرى مقدماتها ونرصد أسبابها ثم لا نعمل على تلاشيها وإبطالها حتى نجدها قد أطبقت على رقابنا، والعالم يشاهد -فرحًا- ما حل بنا.
إنه لأمر عجيب ألا تغفل قوى الشر لحظة في التدبير والكيد وإنزال ضرباتها الساحقة في وقتها، وأن تغفل قوى الخير حتى في الدفاع عن نفسها وتوقي السهام الموجهة إلى صدرها! لقد نشرت صحيفة الشرق الأوسط خبر الكائن الغريب الضخم ذي الشعر الكث، الذي أثار الرعب في بلدة تانجونج بولاية جوهور في أقصى جنوب شبه جزيرة ماليزيا، وقد استنفرت الوحدات المسلحة للتفتيش عن الكائن المرعب الذي يبلغ طوله ثمانية أقدام وطول قدمه 45 سنتميترًا، ولزم السكان منازلهم خوفًا من أن يهاجمهم هذا الكائن الكبير الغريب، وتم العثور حتى الآن على آثار أقدامه وعينات من شعره.
حديث الجساسة
وهذا الخبر يذكرنا بحديث الجساسة الذي رواه مسلم في صحيحه وأبو داود في سننه عن فاطمة بنت قيس، وفيه: «... فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاته جلس على المنبر وهو يضحك، فقال: ليلزم كل إنسان مصلاه، ثم قال: أو تدرون لمَ جمعتكم؟ فقالوا: الله ورسوله أعلم، قال: إني والله ما جمعتكم لرغبة ولا لرهبة، ولكن جمعتكم لأن تميما الداري كان رجلًا نصرانيًّا، فجاء فبايع وأسلم وحدثني حديثًا وافق الذي كنت أحدثكم عن مسيح الدجال، حدثني أنه ركب في سفينة بحرية مع ثلاثين رجلًا من لخم وجذام فلعب بهم الموج شهرًا في البحر، ثم أرفئوا إلى جزيرة في البحر حتى مغرب الشمس، فجلسوا في أقدب السفينة فدخلوا الجزيرة فلقيتهم دابة أهلب كثير الشعر، لا يدرون ما قُبله من دُبره من كثرة الشعر فقالوا: ويلك ما أنت؟ فقالت: أنا الجساسة، قالوا: وما الجساسة؟ قالت: أيها القوم انطلقوا إلى هذا الرجل في الدير فإنه إلى خبركم بالأشواق. فانطلقنا سراعًا حتى دخلنا الدير فإذا فيه أعظم إنسان رأيناه قط خلقًا، وأشده وثاقًا، مجموعة يداه إلى عنقه ما بين ركبتيه إلى كعبيه بالحديد، قلنا ويلك ما أنت؟ قال: قد قدرتم على خبري فأخبروني ما أنتم؟ «فقصوا عليه ما حدث لهم حتى لقوه» فقال: أخبروني عن نخل بيسان، قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: أسألكم عن نخلها هل يثمر؟ قلنا له: نعم، قال: أما إنه يوشك ألا تثمر، قال: أخبروني عن بحيرة الطبرية، قلنا: عن أي شأنها تستخبر؟ قال: هل فيها ماء؟ قالوا: هي كثيرة الماء، قال: أما إن ماءها يوشك أن يذهب، قال: أخبروني عن نبي الأميين ما فعل؟ قالوا: قد خرج من مكة ونزل بيثرب، قال: أقاتله العرب؟ قلنا: نعم، قال: كيف صنع بهم؟ فأخبرناه أنه قد ظهر على من يليه من العرب وأطاعوه، قال لهم: قد كان ذلك؟ قلنا: نعم، قال: إن ذلك خير لهم أن يطيعوه، ثم ذكر لهم أنه المسيح...» إلى آخر الحديث الذي اختتمه الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: «ألا هل كنت حدثتكم عن ذلك؟ فقال الناس: نعم، فإنه أعجبني حديث تميم أنه وافق الذي كنت أحدثكم عنه وعن المدينة وعن مكة، إلا إنه في بحر الشام أو بحر اليمن لا بل قبل المشرق، ما هو من قبل المشرق ما هو، وأومأ بيده إلى المشرق».
واجب المسلم في مواجهة الفتن وقوى الشر
فهذا الدجال يتجسس من زمن النبي صلى الله عليه وسلم واقع الحياة ليعرف وقت خروجه، ويسأل عن أشياء إن بقيت فلا خروج له.
وسأل عن نخل بيسان، وعن ماء طبرية، وغيرها، فعلم أن وقت خروجه لم يحن، واليوم ذهب نخل بيسان فلم يعد له وجود، وظهرت الفتن في كل مكان كقطع الليل المظلم يتحسسها الدجال ليعرف متى سيخرج لفساد العالم، أفلا يتحسسها المسلم ليبادر إلى الأعمال الصالحة ويستعد بالصدق والخلاص ليوم المعاد، قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنظُرْ نَفْسٌ مَّا قَدَّمَتْ لِغَدٍ ۖ وَاتَّقُوا اللَّهَ ۚ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾ (سورة الحشر: 18)، والمسلم الحق مستمر في الأعمال الصالحة حتى ولو ظهرت بوادر القيامة امتثالًا لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إذا قامت القيامة وفي يد أحدكم فسلة فليغرسها».
إن قوى الشر المتمثلة في الدجال وأعوانه والممهدين له في كل حين يتجسسون ليعرفوا متى ينزلون بالناس ضربتهم، ويحطمون شوكتهم، ويثيرون في قلوبهم الرعب والفزع حتى يكفروا بربهم، ويبدلوا بإيمانهم كفرًا، وبأمنهم فزعًا ورعبًا.
قال تعالى: ﴿وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ۗ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ ۗ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ ۙ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾ (سورة البقرة: 120)، ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلَا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ﴾ (سورة القصص: 4)، وأولى بأهل الصلاح والإصلاح أن يتحسسوا طريق الحياة ليدركوا إلى أين متجههم؟ وإلى آية غاية مقصدهم؟ وماذا عن العقبات التي تحول دون تحقق الغايات؟
الأعداء يشغلون المسلمين بالفتن حتى لا يكون لهم دور مؤثر
إن غاية المسلمين اليوم أن يثبتوا أن لهم مكانًا في العالم لا غنى عنه على الأقل وأن دورهم في عمران الأرض بالخير لم ينتهِ، وأن ريادتهم للناس في المستقبل آتية لا ريب فيها، قال تعالى: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (سورة آل عمران: 110) والعوائق التي تحول بين المسلمين وغاياتهم كثيرة، تجعل الأعداء يستخدمون هذه العوائق حتى لا تعود الكرة للمسلمين فيحققون في عالم اليوم أو المستقبل ما حققه أسلافهم في الماضي، يوم كان يقف خليفتهم مخاطبًا السحابة قائلًا: «أمطري حيث شئتِ فإن خراجك سيُحمل إلينا». إن هذا الرصيد التاريخي للمسلمين الذين امتدت دولتهم من الصين إلى الأندلس، ووقفت قواتهم ذات يوم على أبواب فيينا لا يغفل عنه الأعداء لحظة، وهم يخشون أن يعود هذا المجد القديم على يد أبناء المسلمين اليوم، ولذا فالمكر دائم والعوائق تظهر وتتابع، وتكاد الفتن المفتعلة لا تظهر في غير عالمنا الإسلامي إلا قليلًا بعدما سقطت الأهمية الضعيفة للبلاد الإسلامية مع تفكك الاتحاد السوفيتي، إذ كانت لعالمنا الإسلامي قيمة ضئيلة حين كان يرجح كفة الميزان بين إحدى القوتين العظميين أحيانًا، فلمَّا لَمْ يعد في الأرض غير قوة واحدة سقطت قيمة العالم الإسلامي، وصار عبئًا على الكون، وصار المسلمون عالة على أهل هذه الأرض، يستحقون في نظر الأعداء أن يُبادوا وأن يهانوا في الحياة ولا يُكرموا، وصار التخلص من المسلمين يلقى التأييد سرًّا وجهرًا، هذه روسيا تمزق الشيشان فلا يستنكر أحد من الناس ما حدث اللهم إلا إيماءات خفيفة هنا وهناك عن حقوق الإنسان، وها هم أولئك الصرب بمساعدة روسيا واليونان وفرنسا وغيرها يقتلون المسلمين في البوسنة فلا يتقدم أحد لمعونة ولا يألم أحد لدم يُسال وخراب يمتد ويتسع.
أيها المسلمون.. هيا استفيقوا
نحن مستهدفون دينًا ودارًا
وليس غريبًا أن تقوم روسيا بهذا الدور، فهذا دورها المرسوم لها كما حدده الرئيس الأمريكي نيكسون، ونشرته عنه مجلة «الشئون الخارجية» قال: «إن على روسيا مساعدة أمريكا لمواجهة الخطر الإسلامي الذي سيظهر في المستقبل القريب في شكل ثورة إسلامية».
مشکلات من صنع الأعداء
ولا يتوقف الخطر على المسلمين على ما يأتيهم من الخارج، وإنما يمتد هذا الخطر ليتفجر في داخل البلاد الإسلامية في صور شتى، ولكنها كلها ذات غاية واحدة تعمل على إشغال المسلمين حتى يظلوا في غفلتهم سادرين، وفي غيِّهم يعمهون. ونقاط الاشتعال القابلة للانفجار في عالمنا الإسلامي منذ اتفاقية سايكس بيكو ما زالت قائمة في كثير من البلاد الإسلامية، ومن أوضحها ظهور مشاكل الحدود المصطنعة بين كثير من أقطار العالم الإسلامي في المشرق والمغرب، حيث إن المستعمر هو الذي صنع هذه الحدود لتلائم مصالحه من جهة، ولتكون نقطة صراع متى أراد لها ذلك، ومشكلات الحدود بين قطر والبحرين، وبين العراق والكويت، وبين مصر والسودان، وبين ليبيا وموريتانيا، وبين الجزائر والمغرب أمثلة صارخة على ما نقول.
وإلى جانب هذه المشكلة المزمنة البارزة تجد مشكلات داخلية تعم العالم الإسلامي وتكاد تحطمه، من ذلك مشكلة أفغانستان، حيث تعمل الأجهزة الاستخباراتية المختلفة هناك على ألا يستقر الوضع في دولة رفعت في العصر الحديث راية الجهاد ضد الدب الروسي وانتصرت عليه، فكيف يستقر لهذه الدولة قرار؟ فلتكن الحرب الداخلية منفرة ومشوهة لصورة الجهاد وصادة عنه حتى لا ينتقل إلى مكان
آخر، ولتشغل هذه الدولة الأفغانية بنفسها وتقتل أبناءها، ويهدم اقتصادها حتى لا تقوم للجهاد قائمة فيما بعد.
ومن ذلك إشعال نار الخلاف إلى حد التهم بين الحركات الإسلامية ذاتها، وإذكاء روح المزايدة بينها بحيث لا تشعر أنها كلها أجزاء جسم واحد، بل تحس أنها أجسام مختلفة متنافرة غير متجاذبة، مع بث كثير من العناصر المندسة لتزيد من التشدد والتشنج بغرض إعاقة أي مشروع إسلامي ناجح، وإشاعة الفرقة بين أبناء الحركة الواحدة، فهم في مكان يمتدحون العقلانيين من الإسلاميين بالحكمة، ثم هم أيضًا يمتدحون بعض المتشنجين بأنهم يمثلون الإسلام الصحيح الذي لا عبث فيه ولا سياسة، وبذلك يضرون بالحركات الإسلامية أعظم الضرر.
ومن ذلك الصراع بين الأنظمة الحاكمة وبين جموع من الشعب تنتمي لحركة أو لأخرى، وتؤجج الدول الغربية نار الصراع ليظل يحصد في الأرواح من الطرفين، وليعمل على تأخير الأمة، لأنه نزيف لا ينقطع ولا يتوقف إلا ليظهر من جديد ويشتعل من جديد، ومن المستفيد من ذلك؟ لا أحد في البلاد الإسلامية يستفيد، فالكل خاسر؛ تخسر الأنظمة مصداقيتها وحرصها على مصلحة شعبها، وتخسر الحركات المناوئة رجالها وخيرة الشباب فيها، والجزائر مثل صارخ على ما نقول.
إن الخاسر الوحيد من جراء ذلك هو العالم الإسلامي، الذي تحرص الدول الغربية والشرقية على إنهاكه، لأن دوره في الموازنة بين القوتين العظميين قد انتهى، فلا يحرص على استمالته أحد، ولا يحرص على بقائه إلا أبناؤه الذين مزقتهم الفتن على نحو ما ذكرنا، والعالم الغربي لا يخشى من العالم الإسلامي شيئًا، ولكنه يخشى أن يقع في أيدٍ تعمل لصالح الشعوب لا لصالح الغرب، ولذا فإن «إسرائيل» بحسب قواعد اللعبة الدولية الجديدة هي سيدة الشرق الأوسط، التي ينبغي أن ترى وتشاهد وتعمل على تفكيك العالم الإسلامي بالتغلغل في أعماق العالم العربي عن طريق السلام، الذي وصلت به إلى قلب القاهرة وعمان، واتصلت من خلاله بالعديد من الأنظمة في العالم العربي، والأمر مرهون بالوقت فقط لتنفتح لها معظم الأبواب علانيةً بعد أن افتتحت سرًّا أو جهرًا، ولتظهر الدول الإسلامية وكأنما هي جرار تنكسر كلما انكسرت جرة تبعتها أختها من بعدها، ويتم الأمر بسهولة ويسر ولا غرابة فيه ولا كلفة، فقد أثمر المكر بالأمة ثمرته فصارت تقبل الأنظمة فيها اليوم ما لم تكن تقبله بالأمس، وصار أعداء الإسلام يفعلون بنا ما لم يكن يحدث مثله من قبل، ويمهد الإعلام الغربي وبعض المثقفين فيه ما يحدث في عالمنا الإسلامي.
الاستهانة بالمسلمين
فقد وصفت صحيفة بريطانية العرب بأنهم خنازير ثم نشرت كاريكاتيرًا يمثل مظاهرة للخنازير يحتجون على وصفهم بالعرب. بل تعدى الأمر إلى ما هو أخطر من ذلك، فقد قال المستشرق الفرنسي كيحون: «أعتقد أن الواجب إبادة خُمس المسلمين والحكم على الباقين بالأشغال الشاقة، وتدمير الكعبة ووضع قبر محمد في متحف اللوفر في باريس» فأي مكر وأي خطر أعظم من ذلك؟
ولا عاصم ولا حامٍ من هذا الشر المستطير والتدبير المكير الخطير إلا بوعي ينفخ في هذه الأمة يبصرها بمستقبلها، ويبين لها أنها مستهدفة، حكامها ومحكوموها على السواء، وأولى بهؤلاء وهؤلاء أن تلتقي أنفسهم على كلمة سواء يلتف فيها الحكام والمحكومون بشرع الله، ويلتقون على وحدة في الهدف والغاية ويدركون أن المصير واحد، وأن سفينة الوطن الإسلامي إن نجت نجت بكل من فيها، وإن أصابها عطب تأخر كل من فيها إن لم يصبه الغرق.
إن الأخطار كثيرة والآمال في تجاوزها عظيمة، إن صلحت النفوس وصحت العزائم وقويت الهمم وتحققت الكلمة الواحدة المستمدة من شرع الله، قال تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ (سورة البقرة: 143).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل