العنوان لقاء العدد النائب جاسم الصقر في حوار مع «المجتمع»: ثلاثة روافد فكرية أنعشت الشعور الوطني في الثلاثينات
الكاتب عبدالمجيد محمد
تاريخ النشر الثلاثاء 16-أكتوبر-1984
مشاهدات 82
نشر في العدد 687
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 16-أكتوبر-1984
الحكومة يعوزها الحزم ويدها غير مغلولة أو مشلولة وإنما الحكومة مترددة وبينها وبين الحزم خصام لا أعرف سببه
● أطالب بإعادة كتابة تاريخ الكويت
● جاسم الصقر.. أول جامعي وقانوني في الكويت.
● لا يوجد حماس حكومي للجو الديموقراطي.
● هناك أشخاص من العرب يستحقون الجنسية ومن الضروري دراسة أوضاع فئة «بدون» لأن وضعهم يؤلم من له حس.
● وجهة نظر جعلتني أمتنع عن التوقيع على مذكرة تعديل المادة الثانية.
● حركة القوميين العرب صارت ذات توجه أخر!
في هذا الحوار المفيد نقف مع أحد الشخصيات المخضرمة في تاريخ الكويت وقفات تاريخية وسياسية وشعبية.. إنه النائب الكريم ذو الأدب الكبير جاسم محمد الصقر رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الأمة... وجاسم الصقر من المعروف أن له باعًا طويلًا في السياسة وخدمة البلد.. وفي هذا اللقاء نستطلع منه الكثير من الآراء والمواقف والأحداث التي لا بد في يوم من الأيام أن يكون لها أثر وإعلان عنها.. وقد ناقشناه في أمور عديدة تتعلق بتاريخ البلد السياسي ومواقف المجلس البرلماني وأحداث الساحة المحلية والخارجية.. فكونوا معنا - أيها القراء
الكرام - مع هذا الحوار:
▪ المجتمع: نود أن تتفضل بتعريف القراء ببطاقتك الشخصية؟
● الصقر: بسم الله الرحمن الرحيم... أحب أن أبادر بالشكر على تفضلكم وطرح الأسئلة التي يسعدني الإجابة عليها..
وفيما يتعلق بالبطاقة الشخصية فهي كما يلي:
اسمي جاسم حمد يوسف الصقر.. مواليد 1918، متزوج، لي أربعة أبناء وبنت.
▪ المجتمع: ما هي مراحل الدراسة التي تدرجت فيها، وأعلى شهادة حصلت عليها؟
● الصقر: في سنة ١٣٤٢ هـ المصادف ١٩٢٤م درست لدى المرحوم «صالح العجيري» في الموقع الذي كان يسمى «كشك الصقر» وموقعه الآن فندق الشاطيء الذهبي، ونهلت من القرآن الكريم، وتعلمت القراءة والكتابة، وقد كان رحمه الله مربيًا فاضلًا ثم انتقلت بعد سنتين إلى مدرسة السيد «هاشم الحسينان» قرب السوق التجاري «قرب الصاغة»، ومكثت سنتين «1926
إلى ۱۹۲۸م» ثم انتقلت إلى المدرسة الأحمدية «۱۹۲۸ م إلى سنة ١٩٣٠م» وفي تلك السنة توفي المرحوم والدي، فاقترح علي المرحوم الأخ عبد الله أن أذهب إلى البصرة حيث كانت عندي رغبة في ذلك، فذهبت مع أخي المرحوم محمد إلى البصرة لأنه لم تكن لدينا مدارس في تلك الفترة، ودخلت في الصف الثالث الابتدائي وأنهيت دراستي الابتدائية في العام الدراسي (۱۹۳۳م) في البصرة وأكملت الدراسة المتوسطة والثانوية في القسم الأدبي وأخذت الثانوية العامة في يونيو (۱۹۳۹) ثم انتقلت إلى كلية الحقوق في بغداد «أكتوبر ۱۹۳۹» وكنت قد قدمت طلبًا للالتحاق بجامعة القاهرة التي كانت تسمى «جامعة فؤاد» لأدرس الحقوق، ولكن قيام الحرب العظمي الثانية في (۳) سبتمبر من تلك السنة حال دون ذلك.. فدخلت كلية الحقوق ببغداد وتخرجت بدرجة «ليسانس» بالقانون وذلك عام (١٩٤٣). هذا بإيجاز تاريخ دراستي.. وأنا بالمناسبة أول جامعي في تاريخ الكويت.. وليس فقط أول قانوني.
▪ المجتمع: لو تحدثنا بو وائل عن تاريخك السياسي من بدايته حتى الآن؟
● الصقر: أرى من المناسب قبل أن أتكلم عما سميته تاريخي السياسي.. أرى أن أعطي فكرة عن الجو الذي عشت فيه في مقتبل عمري.. ويمكن تسمية الجيل الذي أنتمي إليه جيل الفورة «في سنوات الثلاثينات».. ففي سنة ١٩٣١م كان عمري (۱۳) سنة سأبين البيئة التي أثرت في نفسي.. في تلك الحُقبة بعد أن انسلخت الدولة العربية الشمالية يعني سورية ولبنان والعراق وفلسطين عن دولة الخلافة بعد انتهاء الحرب العظمى الأولى سنة (۱۹۱۸) وبعد ما كان ينظر للدولة العثمانية كدولة الخلافة وموئل المسلمين، ظهرت النزعة الطورانية في بداية هذا القرن زمن جمعية الاتحاد والترقي، وجعلت شباب العرب في ذلك الوقت يشعرون بأن المسألة لها طابع عنصري تركي فقامت جمعيات وكذا.. ولما قامت الحرب العظمى وأصبحت سوريا ولبنان تحت الانتداب الفرنسي والعراق تحت الانتداب الإنجليزي مع فلسطين ونشأت حكومات تسمى وطنية نسبيًا وإن كانت تحت الانتداب، كما وجد برلمان في العراق وبركان في سوريا ولبنان.. برز الحس القومي كرد فعل للكبت الذي كان أيام الأتراك وقد يكون هذا كله خارج السؤال، ولكنه كمدخل للبيئة أو الجو الذي عشت فيه.. فأنا عشت في جو نشيد الصباح وأنا بالثالث الابتدائي عندما كنا نهتف:
بلاد العرب أوطاني
من الشام لبغدان
ومن نجد إلى يمن
إلى مصر فتطوان
أما التاريخ الذي كنا ندرسه فكله توجه قومي.. وكان للبيئة الإعلامية والسياسية دور أيضًا لأنني ما زلت أتذكر كل الصحف العربية المصرية والسورية وصحف القدس والكتب كانت تأتينا إلى البيت وكان بيتنا في البصرة مجمعًا.. مثل الندوة، وهكذا أثرت البيت في تكوين حسي القومي المبكر، وأتذكر كنا في (20) نوفمبر من كل سنة نهتز، وهي ذكرى وعد بلفور، فأحيانًا كنا نشارك بالمظاهرات الكبرى وكنا طلبة في المتوسطة وفي الثانوية.. وأتذكر لما قام اقلاب «بكر صدقي» في (۲۹) أکتوبر (١٩٣٦م) بالعراق بعد ما كان العراق كما سمي بالصحافة «بروسيا العرب» على اعتبار أنه حامل الراية القومية.. ويأتي انقلاب بكر صدقي الذي هو أول انقلاب عسكري في الوطن العربي في الثلاثينات وبعدها.. كانحراف عن الخط القومي للعراق. وأتذكر وأنا طالب في الثالث المتوسط بعض الجماعة الذين صارت فيهم ردة من الطلبة الذين ينتمون إلى الحزب الذي قام بانقلاب بكر صدقي ودخلنا في صراع وحماس الشباب ذلك الوقت.
وكنت أذهب إلى جمعية الشبان المسلمين في البصرة وأنا بالمتوسطة فأسمع المحاضرات.. ولما جاء الحاج «أمين الحسيني» مفتي القدس مع «محمد على علوبة باشا» من مصر سنة ١٩٣٥ إثر جولة للعالم وأتوا بعدها للكويت.. ليبينوا قضية القدس والصهيونية.. كانوا يجتمعون في جمعية الشبان المسلمين وأنا كنت أحضر كباقي الصغار، ولما بدأت الحركة الوطنية في الكويت في عام (١٩٣٧م) وقيام المجلس التشريعي عام ١٩٣٨م والذي يسمى بسنة المجلس تأسست كتلة الشباب الوطني في الكويت كنت أحد أعضائها العاملين في ذلك الوقت، وكان عمري (۱۷) سنة، ثم عندما كنت طالبًا في كلية الحقوق ببغداد حدثت ثورة «رشيد عالي الكيلاني» وكان على رأس إحدى الحركات الوطنية وكنت من المؤيدين والمتحمسين لها، ومن المؤازرين للأحزاب القومية في الأربعينات إلى قيام ثورة (١٤) تموز في العراق.
أما في الكويت فقد صرت فيما بعد عضوًا في مجلس الأمة في الفصل التشريع الرابع حتى حل المجلس في (۲۹) أغسطس عام (١٩٧٦م) ثم أصبحت عضوًا في المجلس الحالي.
نشوء الجو الديمقراطي
▪ المجتمع: الجو الديمقراطي النسبي الذي تتمتع به الكويت دون سائر الدول العربية.. ما هو السبب -برأيك- في وجوده، هل لإيمان الحكومة به.. أَم أن هناك أسبابًا أخرى؟
● الصقر: وجهة نظري.. أنه ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ (سورة الشعراء: 183) وقناعتي هي أنه لا جدال في أن لدى الحكومة قناعة بفائدة الحياة الديمقراطية.. قد يجوز أنه لا يوجد حماس من جانب الحكومة للجو الديمقراطي، لكن من الإنصاف أن نقول إن هناك قناعة ما.. كما أن هذا لا يعني أنه لا توجد أسباب أخرى، بنظري.. ابتداء بسبب وانتهاء بسبب.. والذي أقصده بابتداء سنة ( ١٩٦٠م) في الجو الدولي الذي تبلور في ذلك الوقت بعدما طالب عبد الكريم قاسم بالكويت.. وانتماء الكويت للأمم المتحدة لإعطائها صبغة وكيانًا دوليًا ممثلًا بحكومة وبرلمان وسفارات مع تبادل علاقات ديبلوماسية..
هذا الأمر أتصور أن له دورًا في توجه الحكومة في سير الحياة البرلمانية.. ولا نستطيع نسيان موقف المرحوم سمو الشيخ عبد الله السالم الصباح.. فمن الإنصاف أن نقول أن له حسًا ديمقراطيًا. هذا ما أقصده ابتداء.. أما انتهاء... فيأتي شيء آخر، فبعدما استمرت الحياة الديمقراطية شعرت الحكومة الكويتية أن شعب الكويت متعلق بالديمقراطية فأصبحت القضية ابتداء شكلًا وانتهاء شكلًا آخر.. ولا أدل على ذلك من أن الحكومة عطلت الحياة النيابية في أغسطس (1976) لمست بوضوح مدى تعلق شعب الكويت بالحياة الديمقراطية.. وهذا كما أعتقد هو السبب الرئيسي الذي عجل في عودة الحياة الديمقراطية.
روافد انتعاش الحركة الوطنية في الثلاثينات
المجتمع: تميزت فترة الثلاثينات بانتعاش الشعور الوطني المعارض في الكويت، كما برزت أسماء سياسية على الساحة الكويتية مثل «محمد البراك» و «محمد المنيس».. والسؤال: لماذا تكوّن هذا الشعور الوطني في تلك الفترة بالذات؟ وهل هناك عوامل خارجية ساعدت على ذلك؟
● الصقر: في الحقيقة إن هذا الموضوع قد أشبعته على قدر قناعتي في محاضرتي برابطة الاجتماعيين.. ولا بأس من إعادته على قدر ما أتذكر.. أنا أعتبر أنه قبل أن نعلق على التوجه أو الانتعاش الوطني في الثلاثينات، لا بد من إلقاء نظرة شمولية على الأوضاع القائمة فيما حول الكويت في فترة سبقت الثلاثينات.. -لأن المسألة مترابطة عضويًا بأوضاع أخرى- و باختصار.. بعد انسلاخ الهلال الخصيب عن الدولة العثمانية بعد الحرب العظمي الثانية وقيام برلمانات في العراق وسوريا ولبنان.. وقيام أحزاب وصحافة بجانب الحركة المصرية الدافقة أيام «سعد زغلول» في مصر بالعشرينات، وثورة (۱۹۱۹) التي سبقتها.. والثورات السابقة، والرواسب الفكرية -في الحقيقة- في الوطن العربي تعود إلى القرن التاسع عشر.. مثل عبد الرحمن الكواكبي عندما ألف كتابه «طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد» والحركة التحررية للشيوخ -الله يرحمهم جميعًا- كالشيخ «محمد عبده» و «جمال الدين الأفغاني» ثم «عرابي باشا».. وأوضاع صارت في القرن التاسع عشر ثم تلتها أوضاع في القرن العشرين.. كلها أسهمت في إعطاء زخم فكري وطني.. والكويت -من ناحية جغرافية- محسوبة على الجزيرة العربية، ولكن بحكم موقعها الجغرافي في شمال الخليج والتصاقها مع الهلال الخصيب -لا سيما مع العراق- تتأثر بسرعة بالتطور الوطني والفكري في الوطن العربي.. وكل تلك الأمور كانت تلقى صدى في الكويت.. وأتذكر في الثلاثينات أن الجريدة التي كانت تأتي للكويت يقرؤها حوالي ثلاثون أو أربعون شخصًا يتلقفونها بالحصص.. يضاف إلى ذلك وجود حركة وطنية في الهند أيام المرحومين «شوكت علي» و «محمد علي» ثم جاء «المهاتما غاندي» ثم جاء «محمد علي جناح» مؤسس الباكستان... وكانت باكستان في ذلك الوقت ضمن الهند. وكانت رحلات أهل الكويت إلى «بامبي» «رايحين جايين يطرشون» وكنا نسمع جدلًا عنيفًا في دواوين الكويت عن الحركة الوطنية في الهند وبخاصة في الصيف، ثم نأتي إلى دور الأفاضل من العلماء الذين جاءوا إلى الكويت في فترات محددة على سبيل المثال المرحوم الشيخ «عبد العزيز الثعالبي» والشيخ «محمد
رشيد رضا» والشيخ «محمد أمين الشنقيطي» هؤلاء كان بعضهم يلقي المواعظ في المساجد بعد صلاة العصر، وكانت لديهم نوع من الروح الفكرية التجددية مثل الفكر التحرري الذي حملة المرحوم الشيخ محمد عبده والمرحوم الشيخ جمال الدين الأفغاني، لكن على نطاق آخر.. فهذه المجموعة أتت إلى الكويت واستقر بعضهم فيها سنين.. يضاف لذلك بعض الأمور التي كانت في العشرينات وليس في الثلاثينات مثل النادي الأدبي عام ۱۹۲۲ والمكتبة. كل هذه الروافد الفكرية والوطنية والإصلاحية أسهمت في بروز الحس الوطني.
وإذا أردت الاستزادة فارجع إلى محاضرتي في رابطة الاجتماعيين لتأخذ منها ما تشاء مما يفيد في هذا السؤال بالذات.. أما عن عجز السؤال الذي تقول فيه: وهل هناك عوامل خارجية ساعدت على ذلك.. أنا أتساءل إن كان المقصود بالعوامل الخارجية جهات دفعت إلى هذا التوجه.. فأجيب بالنفي «لا» عن قناعة، أما إذا كان المقصود بالعوامل الخارجية تأثر الرأي العام الكويتي بالتيارات الفكرية والسياسية الخارجية التي صارت في الوطن العربي، فهذا صحيح.
أطالب بإعادة كتابة تاريخ الكويت
▪ المجتمع: ما رأيك بو وائل بالكتابات والمؤلفات التي ألفت عن تاريخ الكويت؟
● الصقر: الحقيقة من واقع استقرائي لما أُلِفَ عن تاريخ الكويت أصل بكل عدالة وتجرد إن شاء الله إلى الحقائق التالية: من المؤكد أن أي كتاب أُلِفَ عن تاريخ الكويت، تبقى له قيمته التاريخية كمرجع. لأن المتفق عليه أن أي ورقة أو مخطوطة تكون وثيقة تاريخية فكيف بكتاب يؤلف؟ والذين تولوا التأليف في تاريخ الكويت أقول لهم جزاهم الله خيرًا، ولكن ارجع إلى موضوع الأمانة التاريخية لأن التاريخ يجب أن يُكتب بحياد وتجرد ودقة وأمانة.
من الواضح أن هناك بعض المؤلفين انساقوا وراء العاطفة، فمثلًا هناك أشخاص لهم دور في تاريخ الكويت متفق عليه.. تجاهلهم المؤلف بسبب نفسي أو شخصي.. وهذا لا يجوز في كتابة التاريخ.. إذ يجب أن يكون المتصدي لكتابة التاريخ كالقاضي، يترفع وينظر النظرة العادلة حتى لو كان خصمه أمامه.. والشواهد على هذا الأمر كثيرة لا أريد ذكرها ولعل ذلك ورد في أحد الكتب الهامة من كتب تاريخ الكويت.
كذلك هناك كتاب آخر ينقل رواية بحسن نية لم يستقص فيه المؤلف الاستقصاء التاريخي الدقيق، لأن الأمانة التاريخية تقتضي أحيانًا أن يسافر المؤلف من بلد إلى بلد حتى يعثر على وثيقة.. وهذا أصل البحث العلمي، ويتأكد بعمل نوع من المقارنة والمحاكاة حتى تكون الواقعة صحيحة.. وأنا عندي شواهد، فمثلًا يروي لي قبل ثلاث سنوات أحد أعضاء المجلس التشريعي سنة (۱۹۳۸م) -وهو على قيد الحياة- قال لي وهو منفعل إنه وَرَدَ في أحد الكتب أنه بينما كانت جماعة من المساجين تساق إلى السجن أخرجوا ورقة من أحدهم عن موضوع معين.. والذي يروي هذه الرواية يقول: إننا عندما كنا مساقين أنا كنت وراءه.. فلم يحدث مثل ما ذكر المؤلف.. ولا أعرف من أين أتى المؤلف بهذا؟! هذه واقعة من الوقائع.
وهناك مؤلف أورد أرقامًا حسابية لا أساس لها، وتوجد وثائق موثقة تؤكد بطلانها.
وانطلاقًا من هذه القناعات، طالبت في محاضرتي برابطة الاجتماعيين أن يصار إلى تشكيل لجنة من أساتذة متخصصين في التاريخ.. توضع تحت يدها جميع المراجع والإمكانات.. لتتولى إعادة كتابة تاريخ الكويت بطريقة علمية نزيهة متجردة.
▪ المجتمع: لو ننتقل بو وائل إلى فترة الستينات.. حين كانت القومية والناصرية في ذروتها.. هل أثر ذلك على مجرى الحياة السياسية في الكويت؟ وما وجه هذا التأثير؟
● الصقر: أنا أعتقد -في الحقيقة- أن المد القومي في الكويت وأحصره عند جيل «منهم من قضى نحبه وأكثرهم الذين أشير لهم انتقلوا إلى رحمة الله» هؤلاء كان لديهم الحس القومي حتى قبل قيام حركة (۲۳) يوليو في مصر.. إنما من المؤكد أن عهد الرئيس المرحوم جمال عبد الناصر أذكى وأسهم في تحريك مشاعر الجماهير وتعلقها في الفكر القومي، وهذا شيء جديد كلكم عايشتموه وتدركونه. وهناك جماعة أتوا وتبنوا الفكر القومي بصيغة أخرى سموا أنفسهم بالستينات حركة القوميين العرب، وهذه لا تعتبر -مع تغير الأسماء- سوى استمرارية للفكر القومي الذي قام من أوائل القرن العشرين من الأستانة إلى بيروت إلى العواصم العربية، إنما المسميات تغيرت، حيث جاءت حركة القوميين العرب، جاء حزب البعث العربي الاشتراكي الذي نشأ قبل أن يستلم الحكم في سوريا والعراق.. كلهم جاءوا في فترات الستينات وبعضهم في الخمسينات.
بصرف النظر أن لديهم أيديولوجيات في الجوانب - الاقتصادية والاجتماعية. وهذا موضوع آخر لأن الفكر القومي كانت له في الثلاثينات أيديولوجيته تنصب على الأماني والأمال بوحدة الأمة العربية ومجدها، ولا توجد صياغة فكرية تتصل بالأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.. ونتيجة للتطورات الفكرية التي حدثت ووجود مذاهب اشتراكية وصراع فكري في الجوانب الاقتصادية والاجتماعية بين النظام الشيوعي أو الاشتراكي والنظام الرأسمالي، تأثر الفكر القومي فأصبح بعدما كان يقتصر على الجانب السياسي.. يأخذ في فلسفته نهجًا اقتصاديًا واجتماعيًا، ولذلك تجد مثلًا حزب البعث العربي الاشتراكي إلى جانب تعلقه بوحدة العرب يتبنى فلسفة اقتصادية واجتماعية لم تكن مطروحة في الثلاثينات.
▪ المجتمع: وهل أثر هذا على مجرى الحياة السياسية في الكويت؟
● الصقر: تأثيره أنه نشأت في الخمسينات بالكويت وتبلورت أكثر في الستينات مجموعة من الشباب اللذين كانوا يتصلون بحركة القوميين العرب، وكلنا نذكر الأسماء فعلى سبيل المثال د. أحمد الخطيب وجاسم القطامي وعبد الله النيباري وسامي المنيس وكان معهم في وقت من الأوقات عبد الرزاق الخالد ويعقوب الحميضي وعبد الباقي النوري وسليمان خالد المطوع المحامي وعلي العمر، وأسماء أخرى لا أحفظها وبعدها انسحب قسم من هؤلاء بسبب أن لكل ظرفه الخاص، وبقيت الأسماء التي تعرفها، والآن لم تبق هناك حركة القوميين العرب.. وإنما أصبحت توجهًا آخر!
عاملان أساسيان في هجرة الإيرانيين إلى الكويت
▪ المجتمع: تميزت فترة الثلاثينات بهجرة أعداد كبيرة من الإيرانيين واستقرارهم في الكويت.. هل هناك عوامل ساعدت على تلك الهجرة، وهل كان لها أثر على الساحة السياسية في الكويت؟
● الصقر: نعم.. لقد شهدت فترة الثلاثينات وما بعدها هجرة أعداد كبيرة من الإيرانيين إلى الكويت.. والعوامل التي ساعدت على تلك الهجرة في تصوري تختلف في فترة الثلاثينات عما بعدها حيث اختلفت البواعث والنوازع.. ففي فترة الثلاثينات -في تصوري- عاملان هامان أثرا على التدفق الإيراني على الكويت
العامل الأول اقتصادي معاشي.. كانت الحياة في إيران سيما في ساحل فارس المواجه لنا- حيث أن تلك الحقبة لم تكن أكثر الهجرة تأتي من داخل إیران، بل تأتي من ذلك الساحل -لأنه كانت الحياة قاسية وكانت الحياة في الشاطيء الآخر من الخليج -أي الكويت- نسبيًا فيها رخاء أكثر وهذا عامل هام في التدفق خلال الثلاثينات.
العامل الثاني في تصوري أن حكم «رضا شاه بهلوي» أحدث تغييرات سنة (۱۹۳۲) سماها تجديدًا على الشعب، والشعب محافظ متدين... ففجأة مثلًا طلب إلغاء الحجاب بالإلزام وبقوة القانون حيث فرض عقوبة على المتحجبات، إضافة إلى أشياء كثيرة، فشعب متدين مثل الشعب الإيراني حدث فيه نوع من النفور إلى جانب الضغط السياسي والاجتماعي. وأتصور أن هذا له دور في فرار قسم منهم، وهناك جماعة من جنوب إیران من «كنج» و «لنجة»، كنت أسمع قصصهم بنفسي في الثلاثينات، وقد فر بعضهم واستقر في «خورفكان» وبعضهم جاء إلى الكويت.. وكثير منهم من أصول عربية ولو أنهم سكنوا ساحل فارس لكنهم من أصول عربية، حيث حصلت هجرة في القرن الحادي عشر الهجري بسب الطاعون والمجاعة فهاجروا على شكل قبائل فبعضهم سكن «كنج» وبعضهم سكن «عوض» بالإضافة إلى أن هناك العامل المغري في أن بلادنا في الثلاثينات كانت مفتوحة، بشكل عندما يأتي الإيراني و ينزل من السفينة الشراعية كأنه آت من «فيلكا» والتصدي للهجرة الإيرانية أشرت إليه في محاضرتي برابطة الاجتماعيين.
أما أثر هذه الهجرة على الساحة السياسية الكويتية، فأقول نعم.. كان لها أثر، ولعل أبلغ دليل موقف الإيرانيين من حركة المجلس سنة (۱۹۳۸) م ذلك أن المجلس كان يعمل على ضبط الهوية العربية للكويت وقد قطع شوطًا في هذا المجال قبل حله، ولذا نجد أن الإيرانيين وقفوا موقف الخصام للمجلس وموقف الشماتة بعد حله.. حتى إنهم طبعوا -لأول مرة في تاريخ الكويت- دفاتر صغيرة مثل دفتر الجنسية حتى يعرفوا من أهل الكويت من جاء حديثًا ومن كان قديمًا.. وهذا الكلام عن الهجرة الإيرانية التي ذكرت أن بواعثها اقتصادية واجتماعية ونفسية، لم أذكر فيها باعثًا سياسيًا.. وأرجو أن يكون كلامي واضحًا أن هذا ينصرف على فترة زمنية محددة يصعب تحديدها بدقة، ولكني أعتقد أنها تشمل الثلاثينات وربما أوائل الأربعينات، أما الهجرة التي استمرت بعد منتصف الأربعينات وبصورة أوضح في الخمسينات «وكلما تقدم الزمن ازدادت البواعث» فهي كما أتصور «إضافة إلى بواعث الكسب» فإن الهجرة صارت لها طابع سياسي وقومي، وهذه المسألة وضحت في السنين الأخيرة، والآن نحن نحمد ما زرعناه، ولكي يكون الإنسان عادلًا، فإن كلامي الذي أتحدث فيه لا ينصرف على أُسر إيرانية كويتية عريقة لها نفس الحقوق لأي كويتي.. كذلك هناك أُسر إيرانية هاجرت ليست بذلك القدم.. في فترات ليست بعيدة، ولكن أيضًا لها ولاء للكويت ولم تشترك في ولاءات أخرى، لكن هؤلاء قلة مع الأسف!
▪ المجتمع: بو وائل.. ما هو -برأيك- مفهوم «المعارضة» داخل المجلس وخارجه؟
● الصقر: من المناسب أن نعرف المعارضة.. مفهومي لها هو معارضة أمر مجاف للمصلحة العامة من أية جهة.. طبعًا السلطة التنفيذية هي المسؤولة عن السياسة العامة للدولة، بمعنى أن المعارضة توجه نحو السُلطة التنفيذية.. والمعارضة تعني رفض أو عدم قبول أو مناقشة أو نقد أمر فيه ضرر، سواء كان ذلك في تشريع أو توجه ما في السياسة المحلية والخارجية، وحيث إن القناعة الفكرية هي هي.. لأنه لا يجوز أن يكون للإنسان قناعة داخل المجلس وقناعة أخرى خارج المجلس.. ولذلك فالمعارضة لا تختلف داخل المجلس عن خارجه لكن هناك فارقًا بين ما هو داخل المجلس وخارجه في جانب يتعلق بالمسؤولية الدستورية والأخلاقية، والذي أقصده بذلك أنه عندما يعارض النائب داخل المجلس بقناعة، يجب أن تكون معارضته ذاتية وفكرية تتوازن مع ما يتحدث فيه خارج المجلس، لكن كلام النائب داخل المجلس يمثل المواطنين الذين أولوه ثقتهم ومعارضته داخل المجلس، فيها مسؤولية أخلاقية ومسؤولية دستورية. بينما عندما يعارض خارج المجلس وهو في ديوانية مثلًا أو أي محل، فليس عليه التزام دستوري في الموضوع، لأنه عندما يكون نائبًا «شكل» وغير نائب «شكل» آخر.
▪ المجتمع: ما هو تعليقك على الأمور التالية:
أ- تزوير انتخابات المجلس سنة ١٩٦٧ م؟
● الصقر: خرق وتجاوز كبير للحريات العامة التي ضمنها الدستور.
▪ المجتمع: ب- تعطيل الحياة النيابية سنة ١٩٧٦ م؟
● الصقر: إجراء غير دستوري و ينطبق عليه الوصف السابق الذي أوردته.
▪ المجتمع: قانون الانتخابات الحالي؟
● الصقر: في عمومياته لا اعتراض عليه، إنما أرى من المعقول إعادة النظر في بعض بنوده.. فمثلًا توزيع الدوائر الانتخابية أرى أن يصار إلى دراسة دقيقة عادلة تأخذ بالاعتبار الكثافة والتوزيع السكاني واعتبارات البنية السكانية. وأرى وجوب إعادة الدراسة وربما تأتي القناعة بقاء القانون على (٢٥) دائرة شيء جيد عن الرجوع إلى نظام العشر دوائر مثلًا. وكان هناك مطلب في أن تكون الكويت كلها دائرة انتخابية واحدة، ولكن هذا الأمر مردود عليه لأكثر من سبب كما أرى أن تخفيض سِن الناخب إلى (۱۸) عامًا مناسب و معقول خاصة بعد التطور الثقافي بالنسبة للجيل المعاصر.
أما النقطة الثالثة فأرى أن إعطاء المرأة حقوقها السياسية مطلب عادل وليس في ذلك مخالفة للشريعة في تصوري وكلامي كما قلته في المجلس ينصب على حق الانتخاب دون الترشيح مرحليًا، أما لو تسألني في الجانب النظري بعيدًا عن اعتبارات محلية فإن حق المرأة يجب أن يكون كاملًا بالترشيح والانتخاب ولكن لأسباب أعيها أرى أن يمنح حقها في الانتخاب دون الترشيح. وهناك نقطة أخرى يجب أن ترد في قانون الانتخاب كوضع ضوابط على عدم العبث.. يعني نحن بلد -والحمد الله- لنا تقاليدنا وعاداتنا فلتكن مزاولة حق الانتخاب مبنية على النقاء.. وليكن هناك التنافس الشريف بشرط أن لا نسلك -سواء كنا ناخبين أو مرشحين- طُرقًا غير سليمة كإعطاء الرشوة وأرى أن الحكومة مسؤولة عن تطبيق نزاهة الانتخابات وأن تمنح المرشحين الفُرص المتكافئة، كما أرى أن توضع القيود فيما يتصل بنشاط المرشحين وأسلوب الدعاية الانتخابية بما يتناسب وتقاليد بلدنا والبُعد عما يشينها.
التكتلات قائمة
▪ المجتمع: بو وائل.. هل تؤيد تشكيل الأحزاب في الكويت؟
● الصقر: لا جدال في أن الحياة الحزبية والديمقراطية شيئان متلازمان، بمعنى أن الأحزاب مكملة للحياة الديمقراطية، ولكن تجربة الحياة الحزبية في الوطن العربي من العشرينات حتى الآن جعلتني أتبنى شيئًا من عدم الحماس أو التعلق بالحياة الحزبية، علمًا بأن التكتلات في الكويت على اختلاف أرائها وتوجهاتها قائمة علانية بدون أن يكون في ذلك إشهار حزبي من ناحية واقعية رسمية.. وإنما أتكلم بما يتعلق بالموضوع بالجانب الأصولي والرسمي.
تعديل المادة الثانية
▪ المجتمع: ما رأيك بتعديل المادة الثانية من الدستور؟
● الصقر: أنا حريص على تطبيق شريعة الله حرص كل مسلم مؤمن بربه ودينه، وهناك رأيان فيما يتعلق بتطبيق الشريعة بطريقة شاملة، الرأي الأول يقول نبدأ حالًا بتعديل المادة ثم تباشر بتعديل ما لا يتلاءم من التشريعات والقوانين مع حكم الشريعة، ويمكن أن أسمي هذا الرأي أنه يبدأ من الأعلى، والرأي الثاني «وأنا من أصحاب هذا الرأي» يقول لا نبدأ من فوق وإنما نبدأ من القاعدة.. أصحاب هذا الرأي يقولون لا بد أن يصار أولًا إلى تعديل التشريعات والقوانين وأن تتكيف هذه القوانين وتتواءم حسب نصوص الشريعة السمحاء، وبعد استكمال هذه المرحلة يصار إلى تعديل المادة الثانية وتطبق الشريعة بطريقة شاملة.. وأنا في تصوري لو جرى تعديل المادة الثانية من الدستور بالمقترح الأول سيحدث ارتباك قانوني وخلل لا أول له ولا آخر، وستقدم طعون لا حصر لها إلى المحكمة الدستورية من قِبَل المتخاصمين والناس استنادًا إلى تعديل المادة الثانية، وبالتالي ستنقلب المحكمة الدستورية من محكمة قضاء إلى تشريع، وبمعنى آخر ستحل المحكمة الدستورية محل المؤسسة التشريعية -أي مجلس الأمة- والارتباك الذي سيحدث لا يمكن تصور خطورته، وأنا أظن أن الشريعة السمحاء قائمة على مبدأ التيسير لا التعسير.
أنا سلمت بأنه لا اجتهاد في مورد النص، أي أن ما ورد في كتاب الله أو سُنة رسوله لا مجال للاجتهاد فيه.. ولكن أنا أقول: فليشرع وبسرعة في تعديل القوانين التي لا تتلاءم مع الشريعة، والآن لا يوجد سوى قانون الأحوال الشخصية المستقاة منه الشريعة، والقانون المدني إلى حد كبير مصدره الشريعة، لكن هناك القانون التجاري وقانون الشركات وقانون الجزاء وقوانين لا حصر لها ليست بالضرورة أن تتلاءم مع الشريعة فلو عدلت المادة الثانية فستوجد ارتباكًا كبيرًا، وهذه هي وجهة نظري وهي التي جعلتني أمتنع عن التوقيع على مذكرة تعديل المادة الثانية، مع العلم أنني أعرف أنها ستضرني ضررًا بليغًا، لكني أقول إن الشخص يقف عند قناعته وبخاصة في موسم انتخاب قادم..
ولعل تجربة الدولة العثمانية أقوى دليل على ما أقول، ذلك أن الدولة العثمانية لما أصدرت «مجلة الأحكام العدلية» كقانون مدني يطبق في أنحاء الإمبراطورية العثمانية ومعروف أنها مستقاة من الشريعة.. وفي نفس الوقت ترجمت القانون التجاري الفرنسي وجرى تطبيقه جنبًا إلى جنب مع مجلة الأحكام العدلية.. بل أكثر من ذلك وضعت المادة (٦٤) في قانون المرافعات العثماني، وكما يقول أكثر الشراح إن المادة (٦٤) أبقت لمجلة الأحكام العدلية جلالها وهيبتها وأفرغتها من بعض نصوصها.
▪ المجتمع: لماذا عجز المجلس عن تعديل المادة الثانية رغم تكرار الطلب منذ المجلس التأسيسي؟!
● الصقر: أعتقد -كما يرد على البال- أن الحكومة ليست مقتنعة بالتعديل.. ولها (١٦) صوتًا مضمونًا دائمًا في المجلس أي أصوات الوزراء إضافة إلى عدد لا بأس به من النواب الذين تلتقي أراؤهم في كثير من الأحيان مع أراء الحكومة.
▪ المجتمع: ما هو تصورك، بو وائل، للانتخابات القادمة للمجلس؟
● الصقر: تصوري أنها ستكون حارة.. وستكون المنافسة شديدة، ومن المؤكد ككل انتخابات ستختفي وجوه وتظهر وجوه.. إنما من الصعب التكهن في النتائج، وأنت تعرف أن هناك خمسًا وعشرين دائرة. وقد يتقدم للترشيح بعض الأشخاص من الوجوه الجديدة، وربما ينسحب آخرون.. وقد تكون هذه الوجوه الجديدة لها ثقلها وربما لا، فهم طارئون. فلذلك يصعب علي التكهن بالنتائج..
▪ المجتمع: لو نتطرق إلى بعض القضايا المحلية التي ناقشها مجلس الأمة.. ونبدأ بأزمة السكن.. فهي تعتبر من أبرز المشكلات الداخلية للبلد.. ألا ترى أن المجلس كان موقفه سلبيًا حيال هذه الأزمة؟
● الصقر: لم يكن موقف المجلس سلبيًا حيال هذه الأزمة.. والعكس هو الصحيح والدليل على ذلك هو العديد من المقترحات برغبات والأسئلة ومشاريع القوانين والمناقشات الطويلة التي تتصل بالإسكان.. ربما يقال أن المجلس على كثرة مناقشاته ومقترحاته لم يتوصل إلى حل متكامل لهذه المشكلة.. هذا شيء آخر وقد يكون صحيحًا.
الحكومة يعوزها الحزم
▪ المجتمع: ازدادت في الفترة الأخيرة نسبة الجرائم الأخلاقية والسياسية التي كان من أبرزها جريمة التفجيرات مما أعطى انطباعًا بانعدام الأمن داخل البلاد. هل تعتقد أن الحكومة قد اتخذت التدابير الكافية للحد من الجريمة، أَم أن الإجراءات الحالية ينقصها كثير من الدقة والتخطيط؟
● الصقر: أما ما يتعلق بازدياد نسبة الجريمة.. فنعم، ازدادت الجريمة السياسية والجريمة العادية بشكل رهيب خطير. والحكومة اتخذت تدابير ولا شك في ذلك..
ولكنها تدابير تحتاج إلى كثير من الدقة والتخطيط، والحديث عن الجريمة وانتشارها ووسائل مكافحتها موضوع طويل، ولكن أقول باختصار شديد وبجملة واحدة تعني الكثير الكثير.. الحكومة يعوزها الحزم والشدة في تطبيق القانون.. ولا أقول الحزم والشدة بطريقة استبدادية، إنما أقول في تطبيق القانون.. من خلال نصوص قانون العقاب، الحكومة بيدها كل الأدوات. فيدها غير مغلولة ولا مشلولة إنما الحكومة مترددة!
وكما قلت في المجلس: الحكومة بينها وبين الحزم خصام ولا أعرف لهذا الخصام سببًا.. تتحدث كثيرًا وتتوعد ولكن...! كذلك أجهزة الأمن تحتاج إلى غربلة وإبعاد العناصر غير المتكافئة مع المنصب أو الضعيفة والكسولة وغير المؤهلة، وبالمناسبة أعلم جيدًا أن في أجهزة الأمن في بلدنا جنودًا مجهولين يعملون بلا كلل ليل نهار في سبيل حفظ الأمن فلهم التحية والتقدير ويستحقون منا كل تقدير وإجلال... وكما قلت النقيض موجود. هؤلاء العاملون المخلصون بجانبهم كسالى أبعد ما يكونون عن الجد والمثابرة.
هل المجلس حكومي
▪ المجتمع: يعتقد بعض الناس بأن المجلس الحالي «مجلس حكومي» أي أن معظم القرارات التي أرادت الحكومة إقرارها استطاعت أن تقرها من خلال المجلس الحالي.. فما رأيك برأي هؤلاء؟
● الصقر:إطلاق كلمة «مجلس حكومي» -في تصوري- تعبير غير دقيق، لأن المطلق يجري على إطلاقه والكلمة جاءت بصيغة الشمول والتعميم.. أي بمعنى آخر تشمل كل أعضاء المجلس.. وأنه لا رأي لهم، والشيء الأصح أو الأقرب إلى الدقة أن تقول إن الحكومة في هذا المجلس أو كل المجالس السابقة في الفصول التشريعية السابقة لها وزنها في التصويت والنتائج وذلك نابع من أمور نعيها جيدًا... فالسلطة التنفيذية لها (١٦) صوتًا في المجلس.. هذا العدد مضمون دائمًا، يضاف لذلك في كل مجلس مهما اختلفت الوجوه عدد ما قناعاتهم أو وجهات نظرهم تلتقي في كثير من الأحيان مع وجهة نظر الحكومة.. ولذلك تسمية المجلس المطلقة كما قلت فيه شيء من التجني.. ولعل موقف المجلس من تنقيح الدستور وتعديل المادة (35) من قانون المطبوعات يؤيد وجهة نظري.. فلو كان المجلس حكوميًا لما استطاع إيقاف تنقيح الدستور وإلغاء المادة (٣٥) مكرر من قانون المطبوعات.
السباق بين السُلطتين ظاهرة خطرة
▪ المجتمع: بالنسبة للعلاقة بين السُلطة التنفيذية والسُلطة التشريعية، هناك ظاهرة نيابية تتمثل في السباق الدائر بين السلطتين في اقتراح القوانين فيما يشبه عملية «سحب البُساط».. هل تعتقد بأن هذه الظاهرة صحية، خاصة وأنها تعبت في النهاية في خدمة المواطنين؟
● الصقر: السباق بين السُلطتين صحيح إلى حد بعيد، لا أقولها بطريقة مُطلقة.. ولكنها ليست صحية إطلاقًا، بل هي ظاهرة مرضية وخطرة، ذلك أننا لو سرنا على هذا المنوال فعلاوة على الإهدار للأموال العامة لأن أكثر المقترحات في هذا السباق التي تتصل بقطاع الإسكان أو الرواتب.. يؤنس المواطنين.. فتراني في العام السابق في جلسة علنية عند مناقشة الميزانية العامة، قلت: أنا أتساءل للمجلس الموقر... هل نطرح هذا ما يفرح ويؤنس المواطنين أَم ما ينفعهم؟ ليس بالضرورة أن ما ينفعهم هو ما يؤنسهم.. قد يكون المطروح ينفعهم، لكنهم لا يرتاحون منه... وطرحت هذا الأمر جهارًا نهارًا وهو مثبت في محضر المجلس. فمن تعقيبي هذا تعرف أني لست مرتاحًا لهذه الظاهرة، فلذلك أؤيد هذا الرأي، فعلاوة على إهدار الأموال العامة على أمور كثيرة يكون هذا السباق في بعض الأحيان في بعض الأمور ليس المقام الأول في الأهمية، وإنما تحقق صدى شعبي، ثم إن تلك الظاهرة خطرة ومرضية بسبب أنها تقلب مفهوم النيابة من وسيلة إلى غاية.. فالنائب يفترض فيه أنه يريد أن يخدم المصلحة العامة عن طريق وجوده في هذه المؤسسة.. فإذا حصل سباق على استرضاء المواطنين في سبيل الاستمرار بالكرصي النيابي انقلبت النيابة إلى غاية في ذاتها «وهي الوجود في الكرسي» بمعنى آخر أن - النائب في سبيل كسب رضا الناخبين يطرح أحيانًا طروحات متجاهلًا صعوبة تطبيقها أو التكلفة المادية لها وإنما يطرحها لأن لها صدى شعبيًا.. والنتيجة أن تفقد الحياة النيابية تدريجيًا مرتكزًا أساسيًا ومبرر وجودها.
سياسة الكويت الخارجية حذرة
▪ المجتمع: بصفتك رئيسًا للجنة الشؤون الخارجية في مجلس الأمة، ما رأيك بسياسة الكويت الخارجية بشكل عام، وبموقفها من الحرب العراقية - الإيرانية بشكل خاص؟
● الصقر: سياسة الكويت الخارجية بشكل عام سياسة متوازنة، رزينة، حذرة... تأخذ بالاعتبار كون الكويت دولة صغيرة وموقعها الجغرافي حساس جدًا. والشد والجذب قائم، وعلى العموم لا مأخذ لي على سياسة الكويت الخارجية بل بالعكس أنا مؤيد لها.
أما موقف الكويت من الحرب العراقية الإيرانية فهو موقف جيد، فهي قد راعت رابطة الأخوة ووحدة المصير في حدود قدراتها، وفي نفس الوقت لم تحاول أن تستفز الطرف الآخر.