; الإعلام العربي والحركات الاستقلالية في مناطق الوجود الروسي في القوقاز وأوروبا | مجلة المجتمع

العنوان الإعلام العربي والحركات الاستقلالية في مناطق الوجود الروسي في القوقاز وأوروبا

الكاتب شمس الدين عثمان طاش

تاريخ النشر الثلاثاء 01-أغسطس-1989

مشاهدات 57

نشر في العدد 926

نشر في الصفحة 21

الثلاثاء 01-أغسطس-1989


  • في أحيان كثيرة لا يكون هناك تطابق في موقف الاتحاد السوفيتي كدولة وموقف الثورة السوفيتية

إن معظم ما ينقله الإعلام في عالمنا العربي من أخبار الحركات الاستقلالية والمظاهرات والاضطرابات في مناطق القوقاز خاصة، وفي مناطق أخرى من ما يسمى بـ «الاتحاد السوفيتي» عامة، ينقله إعلامنا تحت تأثير عواطف الصداقة التي ارتبطنا بها مع السوفيت الذين عرفوا كيف يستغلون حاجتنا إلى من يقف معنا –ولو بالكلام لا غير ،كما يفعل الروس- في نزاعنا مع إسرائيل المغتصبة لأرضنا وحقوقنا... والروس بخبثهم المعهود فيهم عرفوا من أين تؤكل الكتف منا، فأكلوها واستقطبوا عواطفنا بالكلام تارة بقولهم يجب على إسرائيل الانسحاب إلى حدود ١٩٦٧، وتارة أخرى بالتظاهر بقطع العلاقات الديبلوماسية ظاهريًّا للضحك على ذقون المطبلين والمزمرين، في ٢٤/٤/٨٩ وبمناسبة افتتاح معرض روسي في فلسطين المحتلة قال المسؤول عن المعرض - وهو يشيد بالعلاقات الروسية الإسرائيلية -: إن العلاقات بين البلدين وإن قيل: إنها قد قطعت رسميًّا إلا أنها لم تقطع على صعيد التعامل في أية فترة...

... وبما أن من أسس الارتباط بالصداقات هو تبادل المنافع والمكاسب ما بين أطراف هذه الصداقة وخاصة صداقات الدول؛ فإننا لو أستعرضنا مجمل المنافع والمكاسب التي حققناها من صداقة الروس، فلن نجد شيئًا نشير إليه، وربما كان العكس هو الصحيح... لأن الروس هم الطرف الوحيد المستفيد من هذه الصداقة... فها هي مصانع السلاح الروسي تدور وتدور في مقابل مليارات الدولارات التي تدفعها الدول العربية –أجل الدولارات الأمريكية وليس الروبلات الروسية– لأنهم لا يقبلون ثمنًا للسلاح سوى الدولار الأمريكي... وفوق هذه المليارات من الدولارات أعطيناهم أيضًا عواطفنا وصداقتنا الحميمة التي أوجبت علينا السكوت عن مظالمهم التي يرتكبونها بحق الشعوب الأخرى، وسكوتنا ذلك لا يرضيهم أحيانًا؛ إذ يجب علينا أن نبرر مظالمهم تلك؛ بل يذهبون إلى أكثر من ذلك أحيانًا، ويفرضون علينا مساعدتهم لتحقيق خططهم الاستعمارية، كما حصل عندما اعتدت الهند على الباكستان، واستنجدت الهند بالروس لمدها بالعتاد والسلاح،  فهب الروس لمساعدتها –وهم دائمًا مستعدون لمساعدة من يحارب المسلمين– ومن المؤسف أن بعض الدول العربية كانت قاعدة من قواعد الجسر الجوي الذي أقامه الروس لنقل السلاح إلى الهند.... وليس ببعيد عنا ذلك العدوان الروسي على أفغانستان المسلمة... حيث استغلوا انصراف اهتمام أصدقائهم العرب إلى الحرب العراقية الإيرانية، وقاموا باجتياح هذا البلد المسلم بجحافلهم العسكرية، متذرعين - وبكل وقاحة - بأن الشرعية الحاكمة هي التي طلبت منهم التدخل.... أكذوبة – بل أصبحت موضة في يومنا هذا – مردودة وحجة مرفوضة ... ولكن صداقتنا مع الروس تفرض علينا أن نصدقها دون أن نسأل أو نتساءل ما هي تلك الشرعية التي تحتاج حمايتها إلى ١٥٠,٠٠٠ جندي روسي مدججين بكافة أنواع الأسلحة وآلاف الدبابات ومئات الطائرات وراجمات الصواريخ؟ ومع كل ذلك أخزاهم الله عندما اصطدموا بذلك الشعب المؤمن الذي أرغمهم على الانسحاب... وكما كانوا وقحين في تبرير تدخلهم كانوا أوقع في تهديدهم لباكستان عند انسحابهم بعدم مساعدة إخوتهم أو تزويدهم بالسلاح؛ لأن ذلك يشكل خطرًا على الاتحادالسوفيتي – حسب زعمهم – لأنهم بلد مجاور، أما الباكستان جارة أفغانستان والتي تربطها بها إخوة الدين والعقيدة؛ فإن عليها أن تقف موقف المتفرج، حتى ولو كان هناك تهديد لأمنها وسلامة حدودها... منطق عجيب ومستمعون أعجب... 

  • ماذا يقول الروس عن مواقفهم مع العربوكيف نفسرها نحن...؟

.... أحيانًا عندما يضيق الخناق عليهم يظهر الروس على حقيقتهم، ويبرز خبثهم عندما يضطرون لتفسير مواقفهم المتناقضة... وحتى يتضح ذلك أمام عيون الذين يقولون: إن الروس يقفون معنا في قضايانا لتحقيق العدل، أورد بعض الحوادث والمواقف التي أفصح فيها الروس عن عكس ذلك.

ففي المقابلة أو الحوار الذي نشرته جريدة البيان الإماراتية الصادرة بتاريخ ٨/١١/١٩٨٧ قال الصحافي الروسي أندريه ستيبانوف مراسل صحيفة –البرافدا في أنقرة– والبرافدا هي الصحيفة الناطقة بلسان الحزب الشيوعي– قال هذا المراسل في جواب على سؤال الأستاذ مصطفى كمال أحد محرري جريدة البيان عن سبب تخلي الروس عن ثوار إرتيريا بعد مجيء مريام منفستو بقوله: «لا أنكر أن مواقف الاتحاد السوفيتي تنبع دائمًا من نظرته إلى المصلحة القومية للدولة السوفيتية، وليس في هذا عيب، كما قال أيضًا: إنه في أحيان كثيرة لا يكون هناك تطابق في موقف الاتحاد السوفيتي كدولة وموقف الثورة السوفيتية».... يعترف المراسل صراحة أن الروس كدولة لهم موقف.... وكحزب لهم موقف... وربما تعارض الموقفان أو تناقضا، فذلك لا يهم... المهم مصلحة القومية

السوفيتية أولًا...

وفي مقابلة أخرى أعرب الروس عن حقيقة مواقفهم تجاه إسرائيل، وربما كانوا هنا أكثر صراحةً وتضايقًا من إلحاح الجانب العربي لحملهم على اتخاذمواقف أكثر تشددًا حيال إسرائيل، ولكن ماذا كان ردهم وموقفهم المعلن... وحتى لا أجيء بشيء من عندي أورد تاليًا ما كتبه الدكتور سعد الدين إبراهيم في جريدة الدستور الأردنية الصادرة بتاريخ ٤/٤/ ١٩٨٨ تحت عنوان «الحوار العربي السوفيتي الحلقة الثالثة وعنوانها السوفيت وإسرائيل» يقول الدكتور سعد الدين ما يلي:

في أكثر من مناسبة خلال أيام الحوار الثلاثة، عبر المشاركون السوفيت عن دهشتهم أحيانًا وضيقهم أحيانًا أخرى للطريقة التي كان المشاركون للعرب يتحدثون بها عن دور الاتحاد السوفيتي في قضية الشرق الأوسط والقضايا الأخرى التي تهم العرب، فمطالبات الجانب العربي للسوفيت أن يفعلوا هذا أو ذاك، أو أن يكفوا عن هذا أو ذاك، أو أن يحذروا هذا أو ذاك... كانت تحمل في طياتها على حد قول السوفيت أنفسهم، كما لو كان الاتحاد السوفيتي هو إحدى الدول العربية الأعضاء في جامعة الدول العربية، أو كما لو كان دولة صغيرة أو متوسطة، وليس قوة أعظم لها مصالحها الكونية الأخرى... لذلك فإن الاتحاد السوفيتي ينظر إلى قضية الشرق الأوسط والصراع العربي الإسرائيلي لا من وجهة نظر عربية، ولكن من وجهة نظر سوفيتية، قد تتطابق كليًا مع وجهة النظر العربية... ووجهة النظر السوفيتية تحكمها المبادئ والمصالح السوفيتية

وهكذا نرى ما يقوله الروس أنفسهم عن مواقفهم تجاه قضية الشرق الأوسط، وأنها لا تنطلق إلا لتحقيق المصلحة القومية السوفيتية... وأنا أيضًا مع ذلك الصحافي الروسي الذي قال: إنه لا عيب أن يكون ذلك كذلك... إلا أنني لست مع أولئك العرب الذين يقولون: إن تدخل الروس في القضية هو فقط لتحقيق المصالح العربية... وألا أرى فيما قالوه مأخذًا نأخذه على الروس إلى هذا الحد من أقوالهم وتصريحاتهم، فهم أحرار في أن تكون مواقفهم مبنية على مبدأ تحقيق المصالح السوفيتية، ولكن تصريحاتهم الأخرى تدينهم، وكلها مآخذ عليهم.

المآخذ التي تطل برؤوسها من خلال ما دار في ذلك الحوار

ويستطرد الدكتور سعد الدين، ويورد ما قاله الروس المشاركون في ذلك الحوار عن وجهة النظر السوفيتية حول الاحتلال الإسرائيلي كما يلي:

وتتلخص وجهة النظر السوفيتية هنا في مبدأين: الأول هو عدم جواز الاستيلاء أو ضم أراضي الغير بالقوة، وهو يعني ضرورة انسحابإسرائيل من كلالأراضي العربية المحتلة منذ عام ١٩٦٧.

والمبدأ الثاني هو حق الشعوب في تقرير مصيرها، والذي يعني إتاحة الفرصة كاملة للشعب الفلسطيني؛ كي يحقق مطالبه المشروعة في التعبير عن كينونته السياسية؛ سواء في دولة مستقلة تمامًا أو في دولة متحدة كونفدراليًّا أو فيدراليًّا مع الأردن، هذا هو الموقف السوفيتي المبدئي الثابت منذ عام ١٩٦٧...

ألا تعد هذه الأقوال والتصريحات مآخذ فاضحة للروس، وخاصة المبدأين اللذين ترتكز عليهما وجهة النظر السوفيتية، أولاهما عدم جواز الاستيلاء أو ضم أراضي الغير بالقوة... وهنا كان بودي لو أن أحد الحاضرين كان قد رد على صاحب هذين المبدأين بقوله: لماذا يجوز ذلك للروس ولا يجوز لغيرها؟ هل احتلال أراضي الغير وضمها وتذويب شعوبها وإرغامها على التنكر بمعتقداتها الدينية وقف على الروس فقط؟ إذا كان غير جائز، فلماذا لا ينسحبون هم أولًا من الدول الأوروبية العشر التي احتلتها منذ عام ١٩٤٥ وليس في عام ١٩٦٧؟ ولماذا لا تستجيب لانتفاضات شعوب القوقاز وشعوب آسيا الوسطى التي لا تطالب بالانسحاب الروسي بل بقليل من الحرية الداخلية... وسؤال آخر يطرح نفسه من خلال المبدأ الثاني الذي يمثل وجهة النظر السوفيتية، والذي يقول وجوب انسحاب إسرائيل من الأراضي التي احتلتها عام ١٩٦٧... والسؤال هل ستستجيب روسيا لمثل هذا الطلب لو طالبت به إحدى الدول الأوروبية التي تحتلها أو إحدى الجمهوريات السوفيتية، وتنسحب تاركة الشعب ذلك البلد تحقيق مطالبه المشروعة وكينونته السياسية ... هل ستلبي ذلك الطلب أم أنه مبدأ وكلام لا ينطبق على الروس...

 يظهر أن حقن الصداقة التي جرعتنا إياها الحكومة الروسية ذات مفعول قوي، تجعلنا تتقبل كل شيء يقولونه وبدون محاورة؛ حتى في ندوات الحوار حتى أيضًا إذا تحاملوا علينا، فإن ذلك من حقهم.... هذا هو منطقهم في تعاملهم مع الشعوب التي يستعمرونها، ويعتقدون أن من حقهم التعامل مع الدول الصديقة أيضًا بنفس الأسلوب.

  • مع الاستعمار الروسي

التاريخ يحدث ويقول: إنه عند انتهاءالحرب العالمية الأولى كانت بريطانيا قد فرضتاستعمارها وانتدابها على عدد من الدول العربية، كما فرضت فرنسا استعمارها على عدد آخر من الدول العربية، وكانت فرنسا قد احتلت بعضالدول العربية الأفريقية قبل تلك الحرب... هذا هو ما يعرفه عالمنا العربي عن الاستعمار... تعرف أن بريطانيا وفرنسا دولتان مستعمرتان... أما الروس فمساكين لا يعرفون أن يستعمروا الشعوب ويحتلوا البلدان... ولكن التاريخ الذي لم نقرأه أو قرأناه ومررنا به مرور الكرام – إن صح التعبير– يقول غير ذلك... يقول: إن الروس هم أساتذة الاستعمار ومدرسو جرائم الاحتلال والتسلط......أثناء اشتداد معارك الحرب العالمية الأولى، وعندما كان الحلفاء مشتبكين في عدة مواقع من ساحات القتال آنذاك مع قوات المحور العثماني الألماني؛وجد الروس أن فرصتهم السانحة للوصول إلى المياه الدافئة، وتحقيق حلمهم الذي لم يفارق مخيلة قياصرتهم منذ عهد اعتناقهم للدين المسيحي في زمن القيصر فلاديمير قد حانت وبإمكانهماحتلال إسطنبول لجعلها عاصمة لهم، ونحن نعرف أن الروس اعتنقوا المسيحية في عام ٩٨٨ تسعمائة وثمانية وثمانين للميلاد، وتوفي فلاديمير ومن بعده أيضًا توفي (١٦) قيصرًا وإمبراطورة وكلهم كان يراودهم ذلك الحلم... حتى رأى القيصر نقولا الثاني في عام ١٩١٥ أن يضغط على كل من بريطانيا وفرنسا، فقام وزير خارجيته سازانوف بتقديم رسالة مؤرخة في ٤/٣/١٩١٥ إلى كل من سفيري البلدين جاء فيها ما يلي

ترغب الحكومة الروسية عند نهاية الحرب في ضم الأراضي الآتية إلى ممالكها، وهي مدينة الأستانة «إسطنبول» مع ضفاف البوسفور الغربية وبحر مرمرة ومضيق الدردنيل وتراقيا الجنوبية، حتى خط أينوز- میدیه وسواحل آسيا الصغرى الواقعة بين البوسفور، وحتى نهر مقاربا مع بعض المراكز على خلیج أزمیر وجزر بحر مرمرة وجزيرتي أميروس وتندوس الواقعتين قرب مدخل الدردنيل، على ألا يخل ذلك بما لفرنسا وبريطانيا من حقوق على تلك الأراضي

وحيث إن الدولتين الحليفتين كانتا في غنى عن إثارة روسيا، وهما تعانيان من مأزق تلك الحرب الضروس، فرأتا أن تتظاهرا بالموافقة على المطالب الروسية، وقاموا للتأكيد على ذلك بتوقيع معاهدة سميت بمعاهدة باريس السرية بتاريخ ١٠/٤/١٩١٥ أعطيت لروسيا بموجبها معظم المناطق المذكورة... ويتضح من هذا نوايا الروس الاستعمارية التي كانوا يبيتونها لجيرانهم... ولكن تلك المعاهدة التي ظن القيصر أنه حقق بموجبها حلم أسلافه، بقيت حبرًا على ورق، ولم يكتب لها أن ترى النور... ولكن لماذا؟ لأن فرنسا وبريطانيا وعندما تحققتا أنهما أصبحتا قاب قوسين أو أدنى من النصر وهزيمة العثمانيين والألمان، كانتا تنفذان خطة جهنمية للتملص من تلك المعاهدة دون أن تضطرا للدخول في حرب جديدة مع الروس.. فبينما القيصر نيقولا الثاني يتهيأ للامتداد بجيوشه نحو الأستانة لجعلها عاصمة للكنيسة البيزنطية، كان لينين الذي كان يعيش منفيًا في باريس وبعض العواصم الأوروبية يتجه على قطار إلى معقل قيصر روسيا، ويعزله عن العرش في ١٥/٣/١٩١٧، ثم يشنقه فيما بعد.... وهكذا تخلصت الحليفتان من ذلك الشريك المزعج الذي أراد لنفسه كل الغنيمة في شواطئ البوسفور دون أن يساهم معهما في تلك الحرب... ولكنهما تركتا له العنان على الغارب، أو بالأحرى تساهلتا مع الزعامة الروسية الجديدة بعدم التدخل فيالقوقاز الذي شن عليه هذا النظام هجومًا كاسحًا بعد أن تفرغت كل جيوشه لتلك المهمة بعد أن زال التوتر من حدودهم مع العثمانيين وانكماش الإيرانيين... وهكذا انفرد لينين وزبانيته بالشعوب الإسلامية في كل من القوقاز وآسيا الوسطى واحتلتها في غضون بضع سنوات، يقف المرء مهما أوتي من الفصاحة والبلاغة عاجزًا عن وصف أهوالها... وها قد مضت أكثر من سبعين (۷۰) سنةً على ذلك الاحتلال، ولم يفكر الروس خلال هذه المدة ولو للحظة واحدة بأنهم سينسحبون يومًا ما من تلك المناطق، ويعيدون إلى شعوبها استقلالهم وحرياتهم.... وبكل وقاحة يطالبون الغير بإعطاء الشعوب حريتها في تقرير مصائرها....

  • بين الاستعمارين بعد الحرب العالميةالثانية:

كلنا يعرف كيف أن أمريكا والدول الأوروبية أنقذت روسيا من مخالب هتلر بعد أن كان القادة على وشك الاستسلام، ولكن تدفق السلاح الأمريكي من جهة والضغط العسكري الأوروبي على مؤخرة الجيش الألماني، أعادت الروح للروس واستطاعوا التقاط أنفاسهم.

 وبفضل تلك المساعدات اندحر الجيش الألماني، وظل الجيش الروسي يمشي وراءه، ويحتل ما يسمى بأوروبا الشرقية وأجزاء أخرى من الغرب حوالي عشر دول، واحتلت بريطانيا والأمريكان دولًا أخرى.. أجل كلنا يعرف ذلك.. وكلنا رأينا كيف أن بريطانيا وأمريكا قد سحبتا جيوشهما من الأراضي التي دخلتاهما بعد أن أعادتا تشكيل تلك الحكومات التي أزالها هتلر، وعادت الأمور في تلك الدول إلى أحسن مما كانت عليه... أما المناطق المنكودة الحظ التي أوقعها سوء الطالع تحت القبضة الروسية، فما زالت حتى اليوم وبعد مرور (٤٤) عامًا تئن من نير الاستعمار الروسي... وويل لكل من تسول له نفسه أن يطالب بحريته واستقلاله، فالدبابات الروسية في مثل هذه الحالة جاهزة... جاهزة لماذا؟ الكل يعرف الجواب... لأن ما فعلوه في هنغاريا ليس ببعيد..... 

ومنذ الغزو الروسي القيصري للمناطق الإسلامية كان همهم الأول بعد احتلال الأرض إرغام السكان للارتداد عن الإسلام واعتناق المسيحية.. حتى المسيحيون الذين يختلفون معهم من حيث الطقوس الكنسية والقول بالطبيعة الواحدة للمسيح، حاولوا ردهم إلى عقيدتهم القائلة بالطبيعتين للمسيح عليه السلام، ومن هنا لا بأس من إجراء مقارنة بين الروس واستعمارهم العقائدي وبين مثل هذا الاستعمار لغيرهم من الدول المستعمرة.

الروس البيض أيام حكم القياصرة كانوا يحاربون جيرانهم بقصد وضع أيديهم على ثروات تلك البلاد وتنصير السكان... ولذلك قاموا بهدم المساجد والمدارس الدينية، وحتى هدم الكنائس التي تختلف معهم في الطقوس... أما الروس الحمر الذين تولوا مهمة أسلافهم منذ عهد لينين وستالين، فقد كانوا أقسى بدرجات؛ إذ هدموا كل المساجد والكنائس «ما عدا القليل الذي لا يكاد يذكر»، وكانت ثورتهم ثورة إلحاد، والمجال هنا لا يتسع لسرد فظائعهم وجرائمهم الوحشية التي لم يتفتق ذهن هولاكو ولا جنكيز خان ولا تيمورلنك عن مثلها، مع أن المؤرخين يصرون على أن يضربوا 

هذه أحداث ووقائع سجلها التاريخ، ومهما كانت أعماق صداقتنا مع الروس، فإنها يجب ألا تكون دافعًا لنا على تبرير مساوئهم... وهي في هذه الحالة لا تعد صداقة من قبلنا؛ لأن من واجب الصديق أن يغار على سمعة صديقه، ويلفت نظره إلى أخطائه، لا أن يشجعه عليها؛ لأن ذلك من صفات الأعداء.... أعود وأقول: هذه ويلات وأهوال مرت على التاريخ، ونسأل الله تعالى ألا تعود... ولكنني أتوجس خيفة أن يكون وراء التحرك الغورباتشوفي الجديد شرًّا يراد بالمسلمين هناك بعد أن يضمن الروس سكوت العالم، وخاصة جيرانهم من صين ويابان وإيران وأفغانستان وإنجليز وألمان والفرنسيين والطليان....

وأسأل الله تعالى أن أكون مخطئًا في توجسي هذا؛ لأن تلك الشعوب كفاها ذّلًا واضطهادًا ورثوه عن آبائهم وأجدادهم عبر ما يقارب الـ (٥٠٠) عامًا على الأقل على أيدي جلادي القياصرة، ومن بعدهم زبانية الملاحدة.... 

إلى هنا وأكتفي بهذا القدر باعتباره القسم الأول.... وسيكون موضوع القسم الثاني عن الحروب والمعارك الضارية التي خاضها الشيشان مع الروس، وهو مع الأسف تاريخ مجهول عند الكثيرين، والسلام عليكم.

 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 29

182

الثلاثاء 29-سبتمبر-1970

يوميات المجتمع (29)

نشر في العدد 193

199

الثلاثاء 26-مارس-1974

المجتمع الإسلامي (194)