; هل انقضى الليل الطويل الحالك ؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل انقضى الليل الطويل الحالك ؟

الكاتب د. توفيق الواعي

تاريخ النشر السبت 11-يونيو-2011

مشاهدات 65

نشر في العدد 1956

نشر في الصفحة 31

السبت 11-يونيو-2011

سنين طوال وأنا أنتظر انقشاع الأحزان وانحسار الطوفان وظهور الإصباح وانبلاج الفجر تساقطت علي أمطار من السماء بدون غيوم فنظرت فوجدتها دموع القمر، نعم لقد أبكت همومي مهجة القمر، وأشجت مواجعي أحاسيس الكون، فترة طويلة تبلغ ثلاثة أرباع القرن نعم، لقد سكبت جراحي دما حتى يرتوي عطش فرعون وما ارتوى، وسالت أوجاع قلبي حتى تهدأ أوضار ظلمك أيها المتأله وما هدأت ونزفت بحور المي لتشبع أوهام غرورك، وما شبعت وعصرتني حسرة آلامي لترضي جنون صدودك، وما رضيت وظللت أنزف حتى مل الزمن نزفي، واتالم حتى ضح المدر والحجر من أنيني وألمي.

قلت: سبحان الله رحماك ربي أرجو أن أنجح في الامتحان عجبا لك يا زمان حسبتك تخفف أهاتي لتنقذني من أحزاني، وتغسلني من آلامي، وتنشلني من ظلماتي، وما أذنبت إلا الاستقامة، وما اقترفت غير المعروف.

ومالي من ذنب إليك علمته *** سوى أن قلت يا بلدي اسلمي

 هذا مع جميل النصح، وصدق للإرشاد وعظيم الود ومعاناة للصدود وتحمل العناد وكثرة السهام.

ولقد بذلت لك المودة ناصحا ***    فغدوت تسلك في الطريق الأعوج

ولقد رجوت تلك للجميل وفعله ***   يوما فناداني النهى لا ترتجي

وبعد عناء طويل، وطويل جدا.. خرجت

 أبحث عن دواء يداوي كلومي وجراحي.

أبحث عن كلمات تقدير تكتم آهاتي

أبحث عن كلمات تغسلني من أحزاني والامي

أبحث عن شوق عن نور في زمن الظلمات

 أبحث عن مرسى عن ميناء عن شاطئ ترسو عليه سفينة أحلامي

أبحث عن عيون تغوص في أعماقي وتبعدني عن أحزاني

أبحث عن يد تمسح دمعي وتضمد جراحي

أبحث عن قلب يحتوي قلبي أبحث عن نفسي وعن قلبي وروحي وفكري

أبحث عن فرحي وإحساسي

أبحث عن حب يذهب حزن الأيام، وعن كلمة تعفي عن كل كلام

فقلت: أه لقومي، وآه من أعدائي التفتوا إلى الافتراء علي وظلمي، وأنا التفت إلى خيرهم وبرهم

فينا معاشر لم يبنوا لقومهم *** وإن بني قومهم ما أفسدوا عادوا

لا يرشدون ولن يرعوا لمرشدهم.***   فالغي منهم معا والجهل ميعاد

والبيت لا يبتنى إلا له عمد *** ولا عماد إذا لم ترس أوتاد

 فإن تجمع أوتاد وأعمدة *** وساكن بلغوا الأمر الذي كادوا 

لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم *** ولا سراة إذا جهالهم سادوا

 تهدى الأمور بأهل الرشد ما صلحت *** فإن تولوا فبالأشرار تنقاد

 إذا تولى سراة القوم أمرهم *** نما على ذاك أمر القوم فازدادوا

 كيف الرشاد إذا ما كُنتَ فِي نَفَر ***  لهم عن الرشد أغلال وأقياد

 أعطوا غواتهم جهلا مقادتهم ***   فكلهم في حبال الغي منقاد

حان الرحيل إلى قوم وإن بعدوا *** فيهم صلاح المرتاد وارشاد

فسوف أجعل بعد الأرض دونكم *** وان دنت رحم منكم وميلاد

 إن النجاة إذا ما كنت ذا بصر *** من أجة الغي إبعاد فإبعاد

فقلت: بعد هذا لا حياة إلا بعد تجربة وجهد، ولا استقامة إلا بعد بصيرة ورشاد، ولكن أقول: أن الأوان لأتخلص من ميراث الحزن.. لكل من المني، لكل من جرحني، لكل من هزمني، لكل من هجرني، لكل من كسرني لكل من قتلني.. كنت لا أعرف شيئا غير الحزن، ولا أفهم أمرا غير القهر، ولا أعبر جوا غير الظلام، كفاني جروحا وأسقاما وأحزانا وسهاما، تنفست الهواء النقي والنسيم الشجي والجو المعطر.

أضم صور أحزاني بين أضلعي، أسطر آهاتي على شفتي، أرسم ملامحها على أحلامي كل ليلة وأدونها على ذكريات شجوني.

وعند فراقي لبلادي الذي استمر طويلاً ٤٠ عاما بدون أن أدري، قلت لها : وداعا يا حمامة الحب، ويا مراتع الصبا ، ويا ديار الأحبة، ويا عبق الأماني، ومراتع الأحلام.

وحين استقررت في الغربة، همست للريح أن تحمل سلامي إليها، وللطير أن ينقل عشقي المشبوب إلى سامعيها، وخطابي المستور إلى ناظريها ، وهذا وبعد حلم الرجوع إليها عثرت على مشاعري، وسمعت شقشقة العصافير الطليقة ورسمت عيناي الناجية وردة الحب على رمال الصحراء، وعشقت رياح السكون فهدأت الليالي الحوالم، وتحول ضجيج زوار الليل إلى زغردة الكرى الحالم، وهدأت أحاسيس نفسي وارتاحت أوطار ضميري وألهمت إلى طريق ربي وهداية خالقي، فقلت: الحمد لله الأول قبل الإنشاء والإحياء والآخر بعد فناء الأشياء، العليم الذي لا ينسى من ذكره ولا ينقص من شكره ولا يخيب من دعاه ولا يقطع رجاء من رجاه، اللهم إني أشهدك وكفى بك شهيداً، وأشهد جميع ملائكتك وسكان سماواتك وحملة عرشك، ومن بعثت من أنبيائك ورسلك، وأنشأت من أصناف خلقك، أني أشهد أنك أنت الله لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك ولا عديل ولا خلف لقولك ولا تبديل، وأن محمداً صلى الله عليه وآله عبدك ورسولك أدى ما حملته إلى العباد وجاهد في الله عز وجل حق الجهاد، وأنه بشر بما هو حق من الثواب، وأنذر بما هو صدق من العقاب.

اللهم ثبتني على دينك ما أحييتني، ولا تزغ قلبي بعد إذ هديتني، وهب لي من لدنك رحمة إنك أنت الوهاب.

اللهم صل على محمد وعلى آل محمد واجْعَلْني من أتباعه وشيعته، واحشرني في زمرته، ووفقني لأداء فروضك وما أَوْجَبْتَ عَلَى فيها من الطاعات، وقسمت لأهلها من العطاء في يوم الجزاء.. إنك أنت العزيز الحكيم.

فهتف بي هاتف: لا تحزن إن الله معك، ولا تبتئس فالله عونك ونصيرك، ولكن كن صليا وبطلا، ولا تكن كبشا أو هرا، فالناس لا تحترم الضعفاء.

کن صخرة تدمي فحاكمنا *** يخشى الصخور ويعصر العنبا

وكن العواصف لا نسيم الصبا *** كن غابة النيران لا حطبا

 واسحق نفوسا غير طاهرة *** أضحت لرأس خطيئة ذنبا

إن لم تبث الرعب في دمهم *** ستظل طول العمر مرتعبا

قد عادت الأوثان ثانية *** وبنو قريظة أصبحوا شعبا

 ولئن عادت الأوثان وبنو قريظة، فقد عاد الصحب المسلم والأبطال الكماة ورجال الإيمان والصدق، وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب

ينقلبون إن شاء الله، ﴿لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ  وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ (4) بِنَصْرِ اللَّهِ  يَنصُرُ مَن يَشَاءُ  وَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (5) ﴾ (الروم). 

الرابط المختصر :