العنوان ملوك الآخرة (2)- مخالطة الناس ودعوتهم
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر السبت 11-أبريل-2009
مشاهدات 64
نشر في العدد 1847
نشر في الصفحة 53
السبت 11-أبريل-2009
تناولنا في المقال السابق الصفة الأولى من صفات ملوك الآخرة، وهي صفة العبودية، ونتناول في هذا المقال صفة المخالطة التي تعد من أهم صفات ملوك الآخرة.
فبعد هذه المقدمة و«عباد الرحمن»، يبدأ الحق سبحانه بالصفات التفصيلية لهؤلاء الملوك، لماذا اصطفاهم سبحانه وتعالى؟ وكأنه يقول: إن السبب في ذلك أنهم ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحمَٰنِ ٱلَّذِينَ يَمشُونَ عَلَى ٱلأَرضِ هَونا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ ٱلجَٰهِلُونَ قَالُواْ سَلَٰما﴾ (الفرقان:63)، إذًا في هذه الآية صفتان المشي والهون، فمن المفسرين من يقول: يمشون على الأرض، أي مدة لبثهم في هذه الحياة، فهم يمشون على هذه الأرض، على قدر أعمالهم، وهي كما يقول القرطبي: «ويمشون عبارة عن عيشهم، ومدة حياتهم وتصرفاتهم، ومعاشرة الناس، وخلطتهم»(1)، إذًا المخالطة هي مخالطة الناس وهي أبرز صفات عباد الرحمن، وليس الانعزال وتكفير الناس، إنما يتحركون من أجل الهدف الذي خلقوا من أجله، وأدركوا أن الله سبحانه وتعالى قد خلقهم لعبادته، وعاشوا هذه الآية: ﴿وَمَا خَلَقتُ ٱلجِنَّ وَٱلإِنسَ إِلَّا لِيَعبُدُونِ﴾ (الذاريات:56)، فأدركوا أن أحب شيء لله سبحانه وتعالى هو تعبيد الناس إليه، وتقريبهم إلى ما خلقهم من أجله وهو عبادته سبحانه وتعالى، فكرسوا حياتهم كلها للتحرك من أجل إرضائه، وإرضاء ما يحب، وهو تعبيد الناس إليه، ألا وهي الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، وعلموا أن هذا لا يتحقق إلا بمخالطة الناس.
روى الإمام أحمد بإسناد صحيح عن ابن عمر عن النبي ﷺ، أنه قال: «المؤمن الذي يخالط الناس، ويصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم» (2) هذا الحديث، حديث عظيم، يثبت به النبي ﷺ أفضلية المؤمن الذي يخالط الناس على المنزوي والمنعزل، حتى وإن عبد الله سبحانه، حتى وإن تهتكت جبهته من السجود لله تعالى، ومن قيام الليل وصيام النهار، لا يكون أبدًا أفضل من ذلك الذي يتعب نفسه بالمخالطة من أجل إرضاء الله سبحانه وتعالى، حيث يقوم بأحب العبادات إلى الله سبحانه وتعالى، ألا وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتعبيد الناس لله سبحانه وتعالى.
قال تعالى: ﴿وَمَن أَحسَنُ قَولا مِّمَّن دَعَا إِلَى ٱللَّهِ وَعَمِلَ صَٰلِحا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ ٱلمُسلِمِينَ﴾ (فصلت:33)، يقول الإمام القرطبي: «ومن أحسن قولًا من الداعي إلى الله وطاعته، وهو محمد ﷺ وكان الحسن إذا تلا هذه الآية يقول: هذا رسول الله، هذا حبيب الله، هذا ولي الله، هذا صفوة الله، هذه خيرة الله، هذا والله أحب أهل الأرض إلى الله»(۳)، ثم ذكر القرطبي قولًا ثانيًا أنها نزلت في المؤذنين، ثم يقول: «وقول ثالث وهو أحسنها قال الحسن: هذه الآية عامة في كل من دعا إلى الله»(4)، إذا فالداعية حبيب الرحمن، لأنه يحقق العبودية، ويعبد الناس لله ويخالطهم من أجله.
فالرسول ﷺ يبين في هذا الحديث أنه ما من إنسان يخالط الناس إلا وسيلتقي بأصناف متعددة، ليسوا جميعًا ممن يقبل كلامه، بل وسيجد معارضين ويجد المحاربين، ويجد المنافقين، ويجد أصحاب الأهواء ويجد الذين يضعون له العراقيل، فالناس ليسوا جميعًا يحبون الحق، وليس الناس جميعا يحبون من ينصحهم، ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، إنه يقف أمام شهواتهم، ويقف أمام أهوائهم، ويقف أمام ما يحبون وما تعودوا عليه، ودائمًا الإنسان لا يحب من يقف أمام شهواته إلا من رحم الله سبحانه تعالى لذلك سيجد معارضه، ويجد محاربة، وسيجد ممانعة، لذلك قال النبي ﷺ:«ويصبر على أذاهم»، وكلمة «يصبر»: أي يتحمل من أجل من؟ من أجل حبيبه الرحمن الذي نسب إليه ﴿وَعِبَادُ ٱلرَّحمَٰنِ﴾، والذي يصبر على أذاهم أفضل من المؤمن الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم ويقرر اعتزالهم، يقول: «ما لي والناس ما لي والمشكلات»، ويبرر ذلك بأمثلة شعبية ليس لها دليل من الكتاب والسنة كقوله: «ابعد عن الشر وغني له».. إلى آخر هذه الأمثلة، إنما المؤمن الحق هو من يتحمل العذاب ويتحمل المصائب ويتحمل السب ويتحمل الشتم، ويتحمل الاستهزاء في سبيل مرضاة ربه سبحانه وتعالى، وهو يدرك أن «ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب، ولا هم ولا حزن، ولا أذى ولا غم، حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه»(5)، هكذا كان الصالحون والرسل والأنبياء، يربون أبنائهم على هذه الحقيقة.
وعن إدراك هؤلاء الملوك لهذه الحقيقة وتربية أبنائهم عليها يخبرنا القرآن الكريم على لسان لقمان عليه السلام عندما يقول لابنه: ﴿يَٰبُنَيَّ أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ وَأمُرۡ بِٱلمَعرُوفِ وَٱنهَ عَنِ ٱلمُنكَرِ وَٱصبِر عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَٰلِكَ مِن عَزمِ ٱلأُمُورِ﴾ (لقمان:17).
إذا فهو يعلمه أصول الدعوة إلى الله من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما يحدث لمن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر من الأذى، وما سيقابله من المصائب، والتشكيك، والمعارضة، لأنه يقف أمام أهوائهم وشهواتهم، لذلك يقول لقمان بعد ذلك الأمر وبعد ذلك الترغيب ﴿وَٱصبِر عَلَىٰ مَا أَصَابَكَ﴾ أي منهم؛ لأن ذلك من عزم الأمور، أي الصبر على الأذى من أعظم الأخلاق.
الهوامش
(1) تفسير القرطبي ٤٧٨٤/٧ ط / دار الثقافة.
(2) رواه الإمام أحمد وصححه الألباني(ص ج ص٦٦٥٢).
(3) تفسير القرطبي ٢٣٤/١٥/ ٢٣٥ دار الكتب العلمية.
(٤) تفسير القرطبي ١٥ / ٢٣٤ ، ٢٣٥ ط دار الكتب العلمية.
(5) رواه البخاري برقم 5۳۱۸ - واللفظ له ومسلم برقم (٢٥٧٢).
(*) رئيس جمعية بشائر الخير الكويتية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل