العنوان صراع القوى الداخلية على كرسي الرئاسة في سوريا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-يونيو-1984
مشاهدات 61
نشر في العدد 675
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 12-يونيو-1984
خلافات مراكز القوى الحاكمة داخل سوريا لم تبق مجرد خلافات.... وإنما تحولت إلى مواجهات دامية بين الفرق المسلحة التي تتبع هذا أو ذاك من مراكز القوى... والملاحظ حتى الآن أن الصراع متركز حول خلافة الرئاسة... وهذا تقرير نضعه بين يدي القارئ ليقف على أطراف هذا الصراع وتطوراته ووقائعه:
كانت النوبة القلبية الحادة التي فاجأت حافظ أسد في نوفمبر الماضي، ومنعته من ممارسة سلطاته لفترة من الوقت حسبما أوردت ذلك فيما بعد وسائل الإعلام السورية ذات أثر كبير في تفجير مشكلة خلافة السلطة في سوريا، ويبدو أن جميع الأجهزة العليا في سورية انشغلت بهذا الإشكال الداخلي المفاجئ، فهناك الحزب، وهناك الجيش وهناك الطائفة الحاكمة، ولقد تعرضت جميع وسائل الإعلام العربية والدولية من قريب أو من بعيد إلى هذا الإشكال الذي لخصته جريدة القبس في عددها الصادر بتاريخ 15/3/84م فكتبت تقول:
ليس سرًا في دمشق أن السلطة الحاكمة قد تعرضت ربما لأكبر هزة في أعلى مستوياتها منذ قيام الحركة التصحيحية، وكانت عوامل هذه الأزمة موجودة دائمًا في بنية السلطة العليا، وكل من له علاقة قريبة بأحد أركانها كان على علم بها..»
مراكز القوى
ولا شك أن هذه العوامل تتمثل في مجموعات من مراكز القوى موجودة على رأس الجهازين الأمني والعسكري، ففي الجهاز الأمني تتوزع مراكز القوى بين أربع مجموعات هي:
- المخابرات العسكرية برئاسة اللواء علي دوبا.
- الأمن السياسي برئاسة العميد محمد ناصيف، ويتبع مباشرة لرفعت الأسد.
- الأمن القومي برئاسة اللواء محمد الخولي، ويتبع مباشرة حافظ الأسد.
- مخابرات سرايا الدفاع، وتتبع رفعت الأسد.
أما في الجهاز العسكري فهناك عدد من مراكز القوى هي:
- الجيش ويتولى رئاسة أركانه اللواء حكمت الشهابي إلا أن المراكز القيادية فيه مسيطر عليها بشكل لا يسمح لأي ضابط بأن يتفرد بالقيادة والمسؤولية.
- الوحدات الخاصة وتضم أكثر من اثني عشر ألف جندي مدربين أفضل تدريب، وتتبع اللواء علي حيدر.
- سرايا الدفاع وتضم أكثر من ثلاثين ألف رجل رئيسها الأول والأخير رفعت الأسد.
- القوات الجوية برئاسة اللواء محمد حداد
صدامات مسلحة
لقد لعب التباين في ولاءات قيادات مراكز القوى هذه لفلان أو فلان دورًا بارزًا في تفجير الصراع بين مختلف الأطراف والذي أخذ صفة المواجهة المسلحة في بعض الأحيان كما ذكرت ذلك جميع وكالات الأنباء العالمية، وقد لخصت ذلك صحيفة السياسة الكويتية في عددها رقم 9/3/84م حيث كتبت تقول نقلًا عن النيويورك تايمز: واجهت الحكومة السورية خلال الأيام الأخيرة أول أزمة خطيرة في دوائرها لدرجة أن صدامًا وقع داخل القيادة السورية إثر محاولة من رفعت الأسد لخلافة شقيقه، وأن المتصارعين قاموا بعملية استعراض للقوة في العاصمة السورية وأن أعيرة نارية أطلقت حول مقر الرئاسة، ومضت الصحيفة تقول: أن الصدام بدا مثيرًا للدهشة إذ أنه وقع أثناء زيارة الرئيس اللبناني لسوريا، وأن رفعت الأسد قام في 27 فبراير بنشر قوات سرايا الدفاع التابعة له حول دمشق إلى جانب تحريك الدبابات إلى مشارف العاصمة السورية احتجاجًا على سلسلة من الترقيات لم تشمل الموالين له، وأن القوات السورية النظامية لم تحرك بادئ الأمر ساكنًا لكن حرس القصر الذي يقوده عدنان مخلوف قام بالانتشار حول مقر الرئاسة».
وفي رأي بعض المراقبين المطلعين أن التوتر الذي شهدته العاصمة السورية في أواخر فبراير وبداية مارس تقف وراءه عدة فرق في الجيش السوري في مواجهة سرايا الدفاع، وأن هذا التوتر لم يبلغ مدى بعيدًا لأن الأطراف المعنية لم تكن تنوي الوصول إلى مجابهة شاملة.
تعديل وزاري
وفي محاولة من السلطة لإيجاد صيغة من التوازن بين مراكز القوى المتصارعة جاء التعديل الوزاري الجديد في بداية شهر مارس، والذي كان أهم ما فيه تعيين ثلاثة نواب لرئيس الجمهورية لأول مرة في تاريخ سوريا من بينهم رفعت الأسد.
هذا التغيير الوزاري الجديد في سوريا دفع بعض المراقبين إلى التساؤل عن الغاية من ورائه، وكان السؤال الكبير يطرح نفسه على الدوائر السياسية خارج سورية بالقول: هل جاء منصب الثلاثة لإيجاد موازنة فعلية بين الجهات المتصارعة على الخلافة... أم كان ذلك دفعًا لرفعت نفسه إلى حافة القمة، وعن هذا تقول جريدة القبس في عددها رقم 15/3/84م معلقة حول هذا التعديل: يتساءل بعض المراقبين هل كان إسناد مركز نيابة الجمهورية إلى الشقيق رفعت ترفيعًا له مع ما يحمله هذا المنصب من مؤشر إلى الاختيار الذي ستكون عليه خلافة الرئاسة نفسها أم أن هذا المنصب قد أعطي للشقيق تعبيرًا عن حسم الصراع الذي جرى وراء الكواليس، فكان نتيجة لما أشيع عن انتصار حقيقي لمؤسسة الجيش على صيغة الميليشيا»، بينما تقول مجلة لوبوان الفرنسية في عددها الصادر بتاريخ 19/2/84م وتحت عنوان: ميكافيلية الخلافة ما يلي:
أن تسمية رفعت الأسد كنائب لرئيس الجمهورية لا يجب أن يفسر على أنها تنحية جانبية لائقة لأخ الرئيس السوري بل بالعكس حسب تخمين أحد الخبراء بدمشق هي تركيز ووضع على المدار الصحيح لخلافة حافظ أسد، لأن رفعت له اليد الطولى والسلطة على الأجهزة الأمنية كما أن عشرين من أصل خمسة وثلاثين وزيرًا عضوًا في الوزارة السورية الجديدة يخلصون له كل الإخلاص».
عودة الصراع
ولكن هل انتهى الصراع نتيجة هذا التعديل الوزاري الجديد؟ وكالات الأنباء تنفي ذلك بل تؤكد بأنه اتخذ طابعًا جديدًا ومنحى خطيرًا في أعقاب نوبة قلبية جديدة أصابت الرئيس المريض مما يؤكد أن الصراع لا يزال مفتوحًا، وأن أواره يشتد كلما دار الحديث عن اعتلال صحة رئيس النظام المريض أو عدم تكمنه من ممارسة سلطاته.
تقول تقارير نقلتها وكالات الأنباء بتاريخ 28/5/1983م إن خلافات مراكز القوى تحولت إلى صدامات مسلحة شهدتها مناطق كثيرة من سورة... وتنقل الوكالات عن مراسليها بضعة أمثلة على الصدام المسلح، منها:
- المقاتلة السورية التي سقطت مؤخرًا في منطقة عنبة في عكار هي إحدى مقاتلتين سوريتين أسقطتهما المقاومات الأرضية لسرايا الدفاع، والتي كانت قد حذرت سلاح الجو السوري من التحليق فوق مناطق تواجد سرايا الدفاع أينما كانت.
- أن الصراع امتد من دمشق إلى مدينتين أخريين على الأقل هما اللاذقية، وتدمر حيث أقامت القوات الموالية لرفعت أسد ثكنة عسكرية غربي دمشق للسيطرة على الطريق الموصلة إلى بيروت.
من كل ما تقدم يتبين أنه ما دامت الأمور على هذه المشكلة، فإن الأزمة ستبقى متفاقمة ويبقى رجحان الكفة لهذا الطرف أو ذاك أمر متروك لمدى ما تملكه القوى والسلطات التي يستطيع كل طرف أن يستقطبها لصالحه والمراقبون السياسيون لاستمرارية هذا الصراع ينتظرون ويترقبون لما سوف يتمخض عنه هذا الصراع في المستقبل.. والذي يصفه بعضهم بأنه مستقبل مجهول!!