العنوان مشروع «الوطن البديل» يطل برأسه من جديد..
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر السبت 24-مايو-2003
مشاهدات 63
نشر في العدد 1552
نشر في الصفحة 26
السبت 24-مايو-2003
مخاوف أردنية من مشروع وزير السياحة الصهيوني.. والطرفان يتسابقان على إقناع واشنطن
خطة بني أيلون ترمي لإنهاء السلطة وتفكيك المخيمات وإقامة دولة فلسطينية في الأردن وتوطين الفلسطينيين في أماكن وجودهم
رغم أنها ليست المرة الأولى التي تصدر فيها دعوات عن المعسكر الصهيوني لإقامة وطن بديل للفلسطينيين شرقي النهر، إلا أن الأردن المشغول هذه الأيام بالاستعداد لإجراء الانتخابات البرلمانية في يونيو القادم، يشعر بكثير من القلق من التحرك النشط الذي بدأته أوساط سياسية صهيونية لتسويق مشروع الوطن البديل مجددًا.
والقلق الأردني الرسمي والشعبي من طرح هذا المشروع في هذه المرحلة لا ينطلق من فراغ... فثمة أسباب حقيقية تبرر هذا الخوف والتوجس والتعامل بجدية مع المشروع.
فهي المرة الأولى التي يتم فيها طرح المشروع من قبل مسؤول صهيوني في موقع السلطة الرسمية، فيما كان يطرح سابقًا من شخصيات لا تتمتع بصفة المسؤولية أثناء طرحها له، ومع أن بني أيلون زعيم حزب موليدت الذي طرح المشروع معروف وحزبه بالانتماء لليمين الصهيوني المتطرف، إلا أنه يشغل منصب وزير السياحة في حكومة أرئيل شارون الحالية، وهذ ما يعطي الأمر بعدًا مهمًا.
ولم يكتف بني أيلون بطرح الوطن البديل كفكرة عابرة في تصريح صحفي، أو حتى بمجرد طرحها كنقطة في برنامج انتخابي لحزبه بل طرحه في إطار مشروع وخطة متكاملة تتضمن مراحل وتفاصيل محددة للتنفيذ، وهذا يحدث أيضًا للمرة الأولى.
بني أيلون لم يتوقف عند هذا الحد، بل إنه بدأ تحركًا نشطًا لتسويق الخطة داخل «إسرائيل» وفي الولايات المتحدة فقد شرح خطته بالتفصيل خلال مقابلات أجراها مع الصحف الإسرائيلية الأوسع انتشارًا كما دعا حزبه إلى تبني الخطة رسميًا وطرحها للتصويت داخل الكنيست من أجل الحصول على موافقته عليها، وأعقب ذلك بزيارة إلى الولايات المتحدة التقى خلالها جماعات الضغط اليهودية الأمريكية ذات التوجهات اليمينية لإقناعها بتبني الخطة والتحرك بها في أوساط صناع القرار في واشنطن.
كما التقى خلال زيارته قيادات بارزة في مجلسي الشيوخ والنواب:-
من جانبه اكتفى شارون بمعاتبة بني أيلون بلطف على هذا التحرك، بحجة أن ذلك ربما يتسبب ببعض الحرج للعلاقة السياسية النشطة مع الأردن، وهو ما يعبر ضمنًا عن نوع من عدم المعارضة للخطة ويزيد من مخاوف الأردن من طرح خطة الوطن البديل في هذا الوقت بالذات، الحديث الذي سبق وواكب ضرب العراق عن خطة أمريكية لإعادة رسم خريطة المنطقة جغرافيًا وسياسيًا، بما يتضمن عمليات تقسيم وتغييرات جوهرية في الحدود الجغرافية لدول المنطقة، قد لا يكون الأردن بمنأى عنها وقد عبرت عدة أوساط شعبية أردنية صراحة عن مخاوفها من أن يكون الأردن الخاسر الأكبر سياسيًا.
ومن الأسباب التي تزيد مخاوف الأردن أيضًا من خطة بني أيلون الجديدة، انهيار قوة اليسار الصهيوني الذي يمكن أن يعارض الخطة أمام تنامي قوة اليمين المتطرف، وشعور قوي بالإحباط يسود أوساط اليسار، لدرجة دفعت زعيم حزب العمل عميرام متسناع إلى تقديم استقالته من زعامة الحزب في اعتراف واضح بالفشل، حاول أن يعزوه إلى محاولات تخريب وطعنات في الظهر تلقاها من الداخل، قام بها سلفه في زعامة الحزب بنيامين بن أليعازر.
وتأتي سيطرة اليمين المسيحي المتصهين على مقاليد السلطة في إدارة الرئيس جورج بوش لتضاعف من حجم قلق الأردن وتوجساته من خطة بني أيلون المعروف بعلاقاته الوثيقة مع هذا التيار المتطرف في واشنطن والذي يمكن أن يتعاطي أكثر من غيره مع مقترحات متطرفة كالتي يطرحها بني أيلون، وإن كان الموقف الرسمي المعلن لإدارة الرئيس بوش يتبنى حتى اللحظة خطة «خريطة الطريق»، التي تم تسليمها رسميًا إلى الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، ووضع عليها الطرف الأخير كثيرًا من التحفظات تفرغها من مضمونها، رغم أنها مجحفة بشدة بحقوق الفلسطينيين.
الأردن شديد الاستياء من خطة بني أيلون ولم يكتف بالتعبير عن مشاعر القلق إزاء الخطة، بل بادر إلى التحرك سياسيًا لمواجهتها حيث موقع اتخاذ القرار، وقام وزير الخارجية الأردني، عقب زيارة بني أيلون، بزيارة سريعة إلى واشنطن ونيويورك، التقى خلالها عددًا من المسؤولين الأمريكيين للتأكيد على ضرورة التمسك بــ خريطة الطريق، كخيار أفضل لحل المشكلة الفلسطينية، وذلك بهدف قطع الطريق على خطة الوطن البديل.
خطة بني أيلون تضمنت سبع نقاط رئيسة، أهمها إنهاء السلطة الفلسطينية بصورة نهائية، وتدمير حركات المقاومة الفلسطينية، وتفكيك المخيمات الفلسطينية التي يعد استمرار وجودها شاهدًا على المأساة الفلسطينية والجريمة الصهيونية، وتوطين جميع الفلسطينيين المقيمين في الأردن عبر منحهم كافة حقوق الجنسية والمواطنة، وإنعاش الوضع الاقتصادي في الأردن بهدف تحويله إلى منطقة جذب تقنع الفلسطينيين بالقبول به وطنًا بديلًا عن دولتهم الأصلية.
إلى جانب ذلك يتم استيعاب الفلسطينيين المقيمين في الدول العربية الأخرى في تلك الدول، باستثناء لبنان الذي لا تسمح تركيبته السكانية الطائفية باستيعاب لاجئيه كمواطنين لبنانيين وتقترح الخطة بخصوص هؤلاء نقلهم إلى العراق الجديد واستيعابهم هناك، أما فلسطينيو الضفة والقطاع فيتم جذبهم إلى الأردن وبقية الدول العربية عبر تقديم إغراءات معيشية، بديلًا عن أوضاعهم الاقتصادية المتردية في الأراضي الفلسطينية.
وربما كان بالإمكان في أي وقت مضى النظر إلى هذه الخطة على أنها ضرب من الأحلام يداعب خيال بني أيلون وبقية المتطرفين في الكيان الصهيوني، لكن طرحها في هذه المرحلة - حيث يسيطر على قمة هرم السلطة في تل أبيب وواشنطن، متطرفون يملكون جرأة غير محدودة على اتخاذ خطوات خطيرة - يشير إلى أنه لا يمكن استبعاد خروجها من دائرة الأحلام إلى أرض الواقع.
لكن أهم ما يواجهها ويضعف فرصها، ليس معارضة الأطراف الرسمية العربية التي لم يعد رفضها أو موافقتها يعني الكثير لدوائر صنع القرار الأمريكية والإسرائيلية، وإنما ما يقف عائقًا أمام تمرير مثل هذه الخطة، هو الرفض المطلق للشعب الفلسطيني لأي بديل عن وطنه الفلسطيني ولأية مشاريع توطين أو تهجير بالقوة أو بالإغراءات المالية والمعيشية.