الأحد 12-يناير-1992
كان عام 1917م عامًا أوروبيًّا أنهى حربًا عالمية اندلعت من أوروبا،
وحدد بأحداثه معالم حقبة تالية بعدها.. وكان عام 1945م عامًا أوروبيًّا أنهى الحرب
العالمية الثانية التي اندلعت من أوروبا أيضا، وحدد بأحداثه معالم الحقبة التالية
بعدها.. وكذلك فإن عام 1991م يمكن أن يدخل التاريخ من البوابة الأوروبية بأحداثه
التي أنهت مرحلة بدأها جورباتشوف عام 1985، والتي وضعت دعائم أساسية لتطورات
تاريخية مرتقبة على أرض أوروبا خاصة، وإن تركت آثارها على المستوى العالمي.. وتغلب
الصفة الأوروبية على عام 1991م المنصرم، رغم ضخامة حدث حرب الخليج التي شهدها
وآثاره الإقليمية والدولية، ورغم عملية «إحلال السلام» في قضية فلسطين التي بدأت
فيه، وينتظر أن يترتب على مجراها ونتائجها الكثير على الصعيدين الإقليمي والدولي،
وإن استحق حدث الاستثناء من زاوية المسيرة الحضارية للتاريخ، فهو لاريب ما يجدر
وصفه بـ«الزلزال الإسلامي»، في الجزائر قبيل نهاية العام بأيام.
القطب الواحد وتعدد الأقطاب
لقد سجل العام الميلادي المنصرم نهاية التجربة الشيوعية الاستبدادية
مثبتًا هزيمتها الكاملة أمام الرأسمالية الليبرالية، في إطار «صراع النظم» داخل
بوتقة حضارة الشمال المادية المشتركة. وأدى ذلك إلى انفتاح الشرق أمام انسياح
البديل الغربي داخل شريط الشمال حتى حدود الصين، وجدد في الوقت نفسه الحياة في
بذور صراعات تاريخية في منطقتين على أرض البلقان التي تشهد تكرار ميلاد صربيا
الكبرى، مع خطر متصاعد على أكبر تجمع إسلامي أوروبي في ألبانيا ومقدونيه
وبلغاريا والبوسنة والهرسك وكوسوفو وسانجاك.. ثم على أرض تركستان وقفقاسيا في
أواسط آسيا وجبال القوقاز، فضلا عن الأرض الإسلامية التي لا تزال تحت سيطرة روسيا
وأوكرانيا.. وهو «صراع هيمنة» لا يختلف كثيرًا عما يعرف بأزمة الشمال والجنوب، وقد
بدأ يستقطب- مثل منطقة البلقان- نشاطات حذرة، ولكنها متصاعدة، من جانب تركيا في
الدرجة الأولى.
|
زوال أزمة الشرق والغرب مرحلة انتقالية لتطورات تاريخية لم تستقر بعد أبرزها نواة تكوين قطب أوروبي جدید. |
ولم يكن زوال أزمة الشرق والغرب إلا نتيجة «مبدئية» في مرحلة
«انتقالية» للتطور التاريخي الكبير الجاري بعد.. إذ لم ينقض عام 1991م إلا وقد خلف
البذور لنشأة قطب أوروبي جديد، على محور وحدة اقتصادية متكاملة، ووحدة سياسية
متنامية، وتميز عسكري من المرجح ألا يقف عند «حدوده الحذرة» الحالية، وإن كان عامل
الصراع داخل حضارة الشمال قد تحول بثقله الرئيسي من العنصر العسكري إلى العنصر
التقني والاقتصادي.
والقطب الأوربي الجديد القابل للاكتمال خلال 15-20 سنة على أبعد
تقدير، يقوم حاليا على نواة دول الرابطة الأوروبية الاثنتي عشرة، ذات الارتباط
الوثيق نسبيا بالولايات المتحدة الأمريكية، ولكن يبدو أن هذا الارتباط الوثيق
سيتحول إلى «تنافس وصراع» بمقدار ما تقطعه مسيرة التوحيد الجارية جنبًا إلى جنب مع
مسيرة التوسع الجغرافي التي تحددت مراحلها للسنوات المقبلة، وستبدأ بالنمسا
والسويد، وتصل إلى روسيا وأوكرانيا، وقد تتجه جنوبًا أيضا حتى مالطة وقبرص.
لقد أدركت أوروبا فور البوادر الأولى لانهيار الشيوعية حجم المخاطر
الكامنة في قيام هيكل نظام دولي جديد يعتمد على هيمنة القطب الواحد، فتميز تعاملها
مع أحداث الشرق تميزًا ملحوظًا عن الطريق الأمريكي، بدءًا بتفاوت حجم المعونات
وتوقيتها، ومرورًا باختلاف المواقف تجاه القضية اليوغوسلافية، وانتهاء بجهود
متميزة أخرى في القطاعات التقنية والاقتصادية والتجارية، تتجاوز حدود
«التنافس التقليدي» الذي ساد خلال مرحلة «الانفراج» الماضية بين الأوروبيين
والأمريكيين «واليابان»، وبما يدفع الرئيس الأمريكي بوش إلى التحذير عقب قمة حلف
الأطلسي في روما، أثناء زيارة هولندا، من أن يحل «الصراع التجاري مكان أزمة الشرق
والغرب».
ولا تخلو التحركات الجارية في أقصى الشرق، على مستوى الهند والصين
واليابان، من مؤشرات مشابهة في اتجاه تعامل «متميز» مع النظام الدولي الجديد، ولكن
يصعب في الوقت الحاضر ترجيح نشوء قطب آسيوي بثقل دولي وبمعالم مرئية كما هو الحال
على الساحة الأوروبية، إلا أننا نرصد للأسف أن البقية الباقية من عناوين التضامن
-لا التكتل- على مستوى «الجنوب»، قد تعاملت مع المرحلة التاريخية الراهنة، وكأنها
راسخة باقية، فانهارت واقعيًّا، كما ظهر في مؤتمر قمة عدم الانحياز الأخير، الذي
كان أشبه بقمة وداع، لمرحلة لم تشهد من الأصل وضع «صيغة عامة مشتركة وفعالة» لدول
الجنوب النامية في عالم تهيمن عليه الحضارة المادية الحديثة انطلاقا من الشريط
الأرضي الضيق في شمال المعمورة.
كذلك فإننا نرصد للأسف الشديد درجة الضعف الذي آلت إليه شعارات
التضامن في نطاق مجموعة البلدان الإسلامية، كما برز في مؤتمر القمة الأخير في
داكار بعد مرحلة لم تشهد أيضًا وضع «صيغة عامة مشتركة وفعالة» للبلدان الإسلامية
ومن خلالها للجنوب الذي تشكل مركز الثقل فيه.
الخلفية الحضارية التاريخية
رغم الصورة المذكورة التي تغلب عليها السلبيات، يمكن الاعتماد على
كثير من الإيجابيات المرئية أيضا للقول، إن الحقبة القادمة يمكن أن تشهد بعد
المرحلة الانتقالية الراهنة، ووفق منطق التاريخ وتطوراته، ولادة الصيغـة الإسلامية
الحضارية، من قلب الصحوة الإسلامية الراهنة.. ويمكن أن تقوم دعائمها تدريجيّا على
أرض الواقع في عالمنا المعاصر، إذا توافرت لذلك شروط أساسية، في مقدمتها وضوح
الرؤية الشاملة للتطورات التاريخية الجارية، ليمكن التعامل معها على أساس سليم،
وهذا ما يمكن تحديد مرتكزاته الرئيسية في النقاط التالية:
أولا: إن انسياح البديل الغربي الرأسمالي الليبرالي شرقًا، لم يكن
نتيجة خصائصه الذاتية قدر ما كان نتيجة طبيعية لشروط موضوعية توافرت في الشرق،
أبرزها الاستعداد التاريخي؛ نظرًا إلى الجذور العقدية والفلسفية المشتركة التي
صاغت الإنسان هناك وجعلت «جهاز الاستقبال» لديه مهيأ للتجاوب مع التغلغل الغربي
الفكري والمادي، جنبا إلى جنب، خلال عشرين عاما سبقت الانهيار الشيوعي.. وهذا عنصر
لا يتوافر في الجزء الأعظم من منطقة الجنوب لاسيما المنطقة الإسلامية.
ثانيًا: إن التحول الذي بدأ في الشرق تحول جذري على مستوى هيكل
المجتمع سياسيًّا وعسكريًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا، وليس تحولاً جذريًّا من حيث
«القيم» التي كانت قائمة في عهد القياصرة، وبقيت في عهد الشيوعية ولا تزال قائمة
الآن في أوروبا الشرقية وفي أعماق روسيا وأوكرانيا وروسيا البيضاء... ولا تختلف عن
القيم السارية في الغرب، والتي تسود المادة على ما سواها.
ثالثًا: إن الانسياح الرأسمالي- الليبرالي شرقًا يعطي هذا النظام
المنبثق عن الفكر المادي- كالشيوعية- دفعة قوية جديدة للبقاء.. ولكن لا يعطيه صيغة
«التماسك» الضرورية للاستمرار، فالصبغة الرئيسية التي أوجدت «الشيوعية» ورافقتها
منذ ظهور الحضارة المادية في الأرض هي صبغة «الصراع».. جزء عضوي من الفلسفة
الفكرية التي تولد باستمرار أقطابًا جديدة كلما انهارت أقطاب قديمة بعد اهترائها..
وهذا ما يجعل الرأسمالية الليبرالية عاجزة عن اكتساب صفة النظام الحضاري الإنساني،
ويبقي انتشارها مرهونًا بالهيمنة.
رابعًا: إن البديل الرأسمالي الليبرالي في الحقبة التاريخية المعاصرة
بديل مريض في «العمود الفقري» لوجوده الحضاري، وهو القيم، لانطلاقه بعد
فترة وجيزة من ثورات القيم على حقبة الإقطاع وسيطرة الكنيسة، من تثبيت هيمنة القيم
المادية على القيم العقيدية والخلقية والإنسانية والاجتماعية.. والجوهر الرئيسي
لأزمته المعاصرة ليس في وجود الأمراض التي يراها مفكروه ويتحدثون عنها ويعلنون
الإحصاءات حولها، وإنما في افتقاده المقومات الذاتية للعلاج رغم المحاولات
المتكررة، فهي محاولات تنطلق من مسلمات، ثبتتها الفلسفة المادية، فبقيت دومًا في
حدود العلاج الجزئي المؤقت للأعراض السطحية من دون الأسباب الجذرية للعلل والأمراض.
خامسًا: إن الأساس الذي يضمن استمرار وجود البديل الرأسمالي
الليبرالي، ويمنع انهياره في الحقبة المعاصرة، هو التقدم التقني المادي الضخم، لكن
مصدر قوة الثبات والاستمرار هو احتكاره هذا التقدم، لا أصل وجوده.. وبالمقابل فإن
مصدر ضعف الصحوة الإسلامية الراهنة رغم انتشارها أفقيًّا على الصعيدين الجغرافي
والنفساني، أنها لا تزال تتعامل مع قضية التقدم التقني المادي، من منطلق «تقبل»
مفهوم الاحتكار الغربي له.
محاولة نظرة مستقبلية
توصلنا النقطة الأخيرة تلقائيًّا إلى العنصر الثاني الذي نعتبره من
الشروط الموضوعية الضرورية لظهور الصيغة الإسلامية الحضارية في الحقبة المقبلة..
وهو ما يمكن وصفه بماهية المحتوى الحضاري للخطاب الإسلامي والقابلية للتحديد من
خلال النقاط الرئيسية التالية:
أولاً: يجب الفصل بين مادة التقدم الحديث، والوعاء الحضاري الذي
يحملها؛ فهي ثمرة «الإنتاج المادي التقني البشري المشترك» من عهد آدم عليه السلام،
أما «الوعاء» فهو الحضارات المتعاقبة بعمود القيم الفقري الذي يميز كلا منها عن
الأخرى فهي تحتضن التقدم المادي، وتطوره، ولا تملك احتكاره.. وإذا كانت الحضارة
المادية الشمالية الحديثة، تضمن ثباتها- رغم أمراضها- من خلال احتكار التقدم
التقني المادي البشري فإن نقطة الضعف الرئيسية في وجودها المعاصر هو محاولات
الاحتكار هذه بما يتناقض مع منطق التاريخ.
ثانيًا: لكن نقطة الضعف هذه لا تؤدي مفعولها تلقائيًّا، بل عند بروز
صيغة حضارية جديدة.. وهذا ما حصل عند ظهور الحضارة الإسلامية كوعاء استوعب التقدم
التقني المادي في ذلك العصر بالمستوى الذي كان عليه دون نقصان، فأضاف إليه ردحًا
من الزمن امتد عدة قرون ثم كان هذا ما حصل أيضًا عند ظهور النهضة الأوروبية بقيمها
الأولى قبل انحرافها كوعاء استوعب التقدم المادي في ذلك العصر، بالمستوى الذي وصل
إليه في الوعاء الحضاري الإسلامي دون نقصان، فأضاف إليه ردحا من الزمن امتد عدة
قرون.. إلى عصرنا هذا.
ثالثًا: إن حجم التقدم المادي والتقني وقوته لم يلعب في الماضي الدور
الحاسم في تعاقب الحضارات ولا يصنع ذلك الآن- إلى حد لا بأس به- وإنما كان توافر
عنصر الإنسان الذي يتحقق بتوافر عمود القيم الفقري للحضارة هو العامل الحاسم، وهو
كذلك الآن شريطة فهم ذلك على أنه ظهور تيار قادر على استيعاب آخر مراحل التقدم
البشري بمنظور جديد من القيم، وهذا ما نعتقد بوجوب تركيز ثقل الجهود عليه على طريق
ظهور الصيغة الإسلامية الحضارية من جديد.
رابعًا: وينبني على ذلك أن تتحول النظرة الفكرية من مفهوم الصراع
الحضاري على أنه يوجب انهيار الحضارة المادية الشمالية لتتقدم الحضارة الإسلامية
إلى مفهوم التعامل الحضاري القائم على مسؤولية استلام أمانة التقدم المادي التقني
الحديث للمحافظة عليه وعلاج أمراضه وتقويم مساره ومتابعة طريقه.. اعتمادًا على
عمود القيم الفقري، كما يقرره الإسلام للبشرية على المستويات العقدية والخلقية
والإنسانية والاجتماعية والذي يلتقي مع القسم الأعظم مما استقر في ضمير البشرية في
الوقت الحاضر وإن كان لا يجد طريقه إلى التطبيق إلا لمامًا.
خامسًا: كما ينبني على ذلك على صعيد المناهج والتطبيقات والمواقف
تركيز الجهد الأكبر لتنمية كفاءات عناصر الصحوة الإسلامية أفرادًا مؤثرين وجماعات
عاملة وتيارًا شعبيًّا متجاوبًا باتجاه توفير الخصائص الموضوعية لاستيعاب التقدم
ومستجداته إلى جانب ما تميزت به الحقبة الماضية على صعيد استيعاب القيم في الدرجة
الأولى.
إن المهمة الإسلامية التي نحمل أمانتها في
الوقت الحاضر مهمة حضارية في الدرجة الأولى لا تتمثل في عملية بناء جديد من
الجذور، بل استئناف البناء الذي تراجعنا عنه وتولته النهضة الأوروبية منذ قرون..
ولا تبرز الصيغة الحضارية الإنسانية المطلوبة من الصحوة الإسلامية إلى العيان بهذا
المنظور باعتبارها البديل، بل باعتبارها الوعاء الأصيل الذي سبق وأعطى هيكل التقدم
المادي روحه الإنسانية في الماضي، ويجب أن يؤدي الأمانة نفسها في الحقبة المقبلة
أيضًا. وأصحاب الفكر والاختصاص والتوجيه هم القادرون في الدرجة الأولى على المضي
بالتيار الذي يحمل هذه الأمانة، عند الانطلاق من النظرة الشاملة للمعطيات الدولية
الراهنة باعتبارها مرحلة انتقالية، فمن يتحرك الآن يمكن أن يحصد في الحقبة
التاريخية المقبلة ثمار تحركه، ومن لا يتحرك الآن فلن يحصد في مرحلة تالية سوى
المزيد من الشعارات التي قد تصنع تيارًا وقد تهيئه للتغيير ولكن لا تمارس عملية
التغيير الفعلية لتصنع تحولاً حقيقيًّا في مجرى التاريخ الحضاري البشري.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل