العنوان في مساجلات الغزو الثقافي.. من يغزو مَنْ؟
الكاتب خضير جعفر
تاريخ النشر الثلاثاء 11-أبريل-2000
مشاهدات 67
نشر في العدد 1395
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 11-أبريل-2000
لو كان السجالُ ناشبًا بين ثقافتين- إسلامية وغربية - لقطعنا بكلِ ثقة أن كفة ثقافتنا الإسلامية هي الراجحة، بما تملكه من أسباب القوة وقوة الأسباب، ولكن الذي يجري حاليًا هو مواجهة ساخنة بين إنسان هذه الثقافة وبين الآخر، ولذلك لا بُدَّ من أن يكون الأمر مختلفًا بالكامل عما لو كانت المساجلة بين ثقافة وثقافة، وهنا تكمن مأساتنا نحن الذين لا نعرف ثقافتنا ولم نقدرها حق قدرها، فغدت تخالجنا الهواجس والوساوس من كل مواجهة في ميادين الاحتكاك الثقافي؛ لأن الإنسان المهزوم المغلوب مسلوب الإرادة مرعوب فاقد الثقة بالنفس وبالمبادئ، قد أثر الاعتزال عن المعمعة، وإن امتلك أقوى الأسلحة وأمضاها.
وصدق من قال:
فَما تَصنَعُ بِالسَيفِ إِذا لَم تَكُ قَتّالا..
إذن فلا ثقافة الآخر مرعبة مخيفة، ولا ثقافتنا عاجزة ضعيفة، ولكننا نحن ضعفاء مهزومون، وإلا أفلم تكن من بين معجزات الأنبياء كلها معجزة نبينا الله صلى الله عليه وسلم وحدها القرآن الكريم معجزة ثقافية في أحد أبعادها، بكل ما احتواه خطابها الأوَّل من افتتاحية عنوانها «اقراء»، وبكل أدواتها من قلم وكتاب وفكر وحضارة وتنظيم وبرامج حياة تلازم الإنسان قبل ولادته حتى وفاته وما بعدها أيضًا لتمتد من عالم الذر والأصلاب إلى عالم الغيب فضلًا عن عالم الشهادة؟
إن إشكالية الثقافة عندنا تتلخص في كونها مشكلة أمة أراد لها واهب الحياة سبحانه أن تكون خير أمة أخرجت للناس، فتذكرت لذاتها وأعرضت عن ذكره الذي فيه ذكرها، رغم تحذيره سبحانه: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (طه: 124)، إنها إشكالية جموع بشرية نسوا الله فأنساهم أنفسهم فتجاوزهم التاريخ ليصير منهم نسيًا منسيًا، وتلك هي سنة الله في خلقه وقوانين ملكه وملكوته، بيد أن الصحوة الإسلامية المباركة التي بذرت أغراس الرجاء في هذه الأمة أعادت لها توازنها بل ورجحت كفة ميزان القوى لصالح حركتها وإسلامها وثقافتها وقيمها الواعدة.
والوقوف على فصول المساجلات الثقافية ومعرفة نتائج احتكاكاتها لا بُدَّ من التمييز الدقيق بين الثقافات وأهلها خاصة في واقعنا الإسلامي المعيش، فهناك ثقافة سامقة سامية تحمل كل عناصر الأصالة والمبادرة والقدرة على المعاصرة، ولكنها بأيدي أناس يجهلون قدرها وقيمتها وقيمها، فتنصلوا منها حينًا من الدهر مما أفقدهم جذور الأصالة وعروق الأصول فباتوا منبتين عن العروة الوثقى، فحكمت عليهم قوانين الحياة وسننها العادلة بعقوبة الإلغاء والشطب والتهميش احقابًا، فيما ظلت الثقافة التي جهلوها تتعمق في الأرض وتتألق عبر التاريخ وتتوهج في صلب الحياة لم يبرد جمرها ولم يخمد ذكرها.
أما الأمة التي ضيعت هويتها وتخلت عن هيبتها وحضارتها ودورها التاريخي المطلوب، فقد بدت كسيحة لا تقوى على المنازلة فتخلت عن مواقعها وأخلت خنادقها مهزومة خائبة وأدبرت خجلي لا تملك القدرة على المواجهة والصمود في وجه الغزاة الطامعين، ولذلك فإن مخاوفنا من الغزو الثقافي لا يعني بحال من الأحوال وفود ثقافة قوية غازية وإدبار ثقافة - مهزومة ولت هزيلة بائسة أمام الوافد الصاعد وإنما هي في الواقع تجليات خواء مجاميع ومهزومة مغلوبة تخشى من كل وافد وتحسب كل صيحة عليها، وإلا فإن ما يسوق لمجتمعاتنا ليس ثقافة قاهرة، وإنما أنماط سلوكية بدائية منحطة ملها أهلها وسنموا العيش في أكنافها وقد رافقتها رياح استعمارية صفراء فرضت نفسها على إنساننا بوسائل مادية قاهرة، أو قل هي بضاعة ثقافية كاسدة فاسدة نقلتها إلينا قوى استكبارية حاقدة على ظهور بوارج وأساطيل معادية لا يمكنها - رغم تفوقها التكنولوجي. منازلة ما لدينا من قيم خيرة خالدة؛ لأنها من جنس آخر؛ بحيث لا يصدق عليها معنى النزال.
إن مشكلتنا لا تكمن فقط في إنساننا الذي لا يعرف قدر ثقافته وإنما تتمظهر في جهله ببؤس وإفلاس ثقافة الآخر أولًا وافتقاده للقدرة على التشخيص الواعي ثانيًا، وفي عجزه عن الصمود في مواجهة الغازي ثالثًا، ولذلك تتجلى مسؤولية الإسلاميين في ضرورة توعية الأمة بواقع ثقافتها الرائعة وتحصينها من سموم البضاعة الجاهلية الفاسدة التي استغل تجارها انشغال أمتنا الإسلامية بتخلفها وهمومها وبتضميد جراحاتها، للتخلي - تحت ضغوط الهيمنة والمحنة المزمنة - عن واحدة من أكبر مهامها الحضارية المتمثلة بالتبشير بإسلامنا وسط سكان عالم حائر هم أحوج ما يكونون إليها لصياغة البديل الحضاري الذي بحث عنه إنسان اليوم، فلم يجده إلا في مهابط الوحي عندنا وهي ترفع لافتات هداية تلوح للقطعان البشرية الضالة المضيعة، إن الطريق من هناء مع التأكيد على ضرورتين أساسيتين هما:
1- أن نعرف - أخي المغير - كيف ندعو وفق الصيغة القرآنية المثلى ﴿ادْعُ إِلَىٰ سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ ۖ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ ۖ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ﴾ (النحل: 125).
٢- استثمار وسائل العصر المخاطبة الآخر بما يختصر الزمن ويختزل الجهد والعمل، وفي ذلك سنة رائعة يقول فيها رسول الرحمةr : "نحن معاشر الأنبياء أمرنا بمداراة الناس وأن نكلمهم على قدر عقولهم، وأحسب أن غزوًا ثقافيًا معاكسًا سوف تهب نسائمه من الشرق نحو الغرب لإنقاذه من محنة ضياعه، ويقيني أن الحضارة الإسلامية التي تحمل معها أسرار قوتها وأسباب انتصارها سوف تباشر القلوب والعقول والأرواح، فيما لو أحسنا عرضها وتفننا في نقلها إلى الأمم الأخرى على أجنحة من اللطف وفوق جسور الرحمة وقناطر التسامح ومعابير التقدير السليم وعندها سندرك من يغزو من؟ ولمن ستكون جولة الغزو الثقافي وصولته ولمن عقبي السجال والنزال؟
بل لمن عقبى الدار.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل