العنوان عودة الحياة النيابية إلى أين؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1980
مشاهدات 93
نشر في العدد 475
نشر في الصفحة 8
الثلاثاء 25-مارس-1980
منذ الإعلان عن نية السلطة التنفيذية في إعادة الحياة النيابية وتشكيل لجنة تنقيح الدستور يكون قد مضى على ذلك شهران تقريبًا، ونظرًا لأهمية هذا الموضوع على مستقبل الحياة الدستورية والنيابية في البلاد فإنه يحسن بنا أن نتأمل ما تم إنجازه في هذا السبيل حتى الآن لنستشرف آفاق المستقبل، وبادئ ذي بدء لا بد من الإشارة إلى أن هذه الخطوة من السلطة التنفيذية قد لقيت ارتياحًا وترحيبًا من مختلف فئات الشعب، بغض النظر عما كتب من نقد بعدم دستورية حل المجلس النيابي السابق ووقف العمل ببعض مواد الدستور، أو نقد دستورية تشكيل اللجنة بالسلب أو بالإيجاب.
ومنذ أن طلب ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى المواطنين المشاركة في إبداء الرأي أو تقديم الاقتراحات حول طبيعة عمل لجنة تنقيح الدستور، لم يبخل المواطنون بآرائهم التي أعربوا عنها بالنشر في الصحف في غالب الأحيان، أو تداولوها في الديوانيات أو في ندوات ومحاضرات عامة، وبغض النظر عن كون هذه الآراء موضوعية أو شخصية أو فجة غير ناضجة، فإنها تعتبر ظاهرة صحية يحب الحرص عليها.
وإزاء هذا الموضوع لنا ملاحظتان:
- إننا نطالب كل من له رأي يود أن يعرب عنه أن يتقي الله في ذلك الرأي، فإن كان يعتقد -بعد تمحيص وتدقيق- أن رأيه -موضوعي قد يفيد في هذا المجال فليعلنه بكل وسيلة مشروعة، وإن كان غير ذلك فالأولى له أن يصمت- مصداقًا لقوله صلى الله عليه وسلم «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرًا أو ليصمت...».
ثم إن تضارب الآراء الفجة وغير الموضوعية قد يكون مدعاة للسلطة التنفيذية في أن تقترح ما تشاء لأنها لم تجد رأيًا تعتد به، وطالما واجه القائمون على بعض أجهزة الحكومة منتقديهم بهذه الحجة!
2- ويستنتج من عدم ذكر الأسماء الصريحة لبعض الكتاب وشحة المحاضرات والندوات الفكرية حول عودة الحياة النيابية، أن المواطن لا يزال يشعر بحاجز من الهيبة والخوف من السلطة التنفيذية.
وقد كان سبب هذا الحاجز بدون شك هو وقف العمل ببعض مواد الدستور وتعديل قانون المطبوعات والنشر، وصدور قانون التجمعات العامة وتخويل وزير الداخلية سحب جواز السفر لأسباب خاصة.
إن عدم إلغاء هذه القوانين أو على الأقل الإعلان عن نية إعادة النظر فيها، بالإضافة إلى النص في رسوم تشكيل لجنة تنقيح الدستور بسرية الجلسات والمداولات -بالرغم مما له ما يسوغه- قد جعل بعض المواطنين يتشككون في نوعية التعديل الذي ستتوصل إليه.
ومما يدعونا نحن إلى المشاركة في هذه الشكوك ما ذكرته صحيفة الفيننشال تايمز في الملحق الخاص الذي أصدرته بمناسبة ذكرى استقلال البلاد يوم 25 فبراير الحالي من التأكيد على أن اللجنة المشكلة لتنقيح الدستور ستتوصل إلى اقتراحات يتم بمقتضاها تقليص السلطة التشريعية لمجلس النواب.
وواضح أن هذا التقليص سيكون لصالح السلطة التنفيذية، وإن صح ذلك فإن ضجيج طرح الآراء والمناقشات التي تدور في الأوساط الشعبية بناء على طلب السلطة التنفيذية، لا تعدو عن كونها ملهاة أو أداة لإجهاض الرغبة الشعبية الصادقة في بناء حياة نيابية سليمة، والجدير بالذكر أن هذه الصحيفة كانت قد ذكرت على لسان وزير الدولة لشؤون مجلس الوزراء عبد العزيز حسين في أوائل شهر فبراير أن الحكومة ستعيد الحياة النيابية، وأن لجنة ستشكل لتنقيح الدستور تنهي أعمالها خلال ستة أشهر يتم بعدها -أي في أوائل عام 1981- استئناف الحياة النيابية، وقد تشكلت اللجنة فيما بعد بالضبط كما ذكرت هذه الصحيفة، وهذا ما يرجح بأنها مطلعة!
ومما يزيد من هذه المخاوف أن لجنة تنقيح الدستور التي أوضح رئيسها بأنها «لجنة النظر» في تنقيح الدستور، لم تعقد حتى الآن اجتماع عمل غير مرة واحدة، وأن هذا الاجتماع لم يعقد إلا بعد أن تلقت تصورات الحكومة حول التنقيح.
وعلى أي حال فإنه بغض النظر عن كون هذا الخبر صحيحًا أو باطلًا، فإننا نؤكد ما سبق أن قلناه وحذرنا منه في أعداد سابقة من المجتمع، من أن أي تعديل في أي نص من نصوص أحكام الدستور يجب أن يكون إلى مزيد من ضمانات الحريات المنصوص عليها، ويجب كذلك ألا يخل بالنظام النيابي المعمول به في الكويت الذي يفصل ويوازن بين السلطات الثلاث.
ويجب ألا يغيب عن البال ونحن نؤكد على هذا الأمر أن ذلك لا يعني إيماننا المطلق بأصول الحياة الديمقراطية الغربية، بل نريد في هذا الظرف من الزمن الذي ارتضى فيه أهل البلاد هذا النوع من الحكم أن تترسخ المبادئ الدستورية والأصولية حتى لا يقودهم الهوى إلى حيث لا يحبون ولا يقبلون باعتبار أن الأصول النيابية السليمة تقترب إلى حد ما من نظام الشورى في الإسلام، وحيث إن لجنة تنقيح الدستور لم تعقد حتى الآن إلا جلسة عمل واحدة لم يعلن عما جرى بها، كما لم تفصح مصادر السلطة التنفيذية عن رأيها أو أفكارها حول المواد التي ترى تعديلها أو مشاريع القوانين التي تود عرضها على اللجنة.
فإننا نعتقد أن استمرار المواطنين ممن أتاهم الله علمًا في إبداء وجهات نظرهم مطلب ملح، وانسجامًا مع دعوتنا هذه فإننا نبدي رأينا حول أهم الأمور المتعلقة بموضوع البحث من خلال الملاحظات التالية:
أولًا: أن الشعب الكويتي شعب مسلم ترسخت فيه مبادئ العقيدة والقيم الإسلامية، وقد نهض من جديد ليبني أصول مجتمعه طبقًا لأصول الدين الحنيف كما تشهد بذلك مظاهر الصحوة الدينية في مختلف القطاعات، ولذلك فإنه ينبغي أن يكون واضحًا لكل شخص أو هيئة يكون لها النظر في تنقيح الدستور، أن هذا الشعب المسلم لن يرضى بأن يكون دستوره مخالفًا لعقيدته كليًا أو جزئيًا.
وعليه فإن الاهتمام يجب أن ينصب على جميع المواد التي تتعارض مع أحكام الشريعة كما يجب أن ينص صراحة في المادة الثانية على أن يكون الإسلام مصدر التشريع أو نحوًا من ذلك، كما سبق أن تقدم بهذا الاقتراح المجلس النيابي السابق ورفضته -مع الأسف- السلطة التنفيذية آنذاك.
ثانيًا: إن طبيعة عمل اللجنة كما ورد في المادة الثالثة من مرسوم تشكيلها «لكل من الحكومة أو عشرة من أعضاء اللجنة التقدم كتابة باقتراح تنقيح حكم أو أكثر من أحكام الدستور وذلك بتعديل أو حذف نص من نصوصه أو بإضافة حكم جديد إليه»، هي طبيعة استشارية، وإذا انحصرت مهمتها في مجرد الاقتراح فإنها تكون دستورية طبقًا لنص المادة 174 التي تجيز للأمير وثلثي أعضاء مجلس الأمة حق اقتراح تعديل الدستور.
وعليه فلا اعتراض على عدد أعضائها أو القطاعات التي يمثلونها لأن عملها لا يزيد على عمل أي لجنة تستعين بها الحكومة لإصدار أي قانون.
ثالثًا: وفيما عدا النظر في الدستور فقد أجازت المادة السادسة من مرسوم تشكيل اللجنة تخويلها النظر كذلك في «مشروعات القوانين التي يرى مجلس الوزراء عرضها عليها»، وإذا عرض عليها مجلس الوزراء مشروع قانون للانتخابات مثلًا تتم عودة الحياة النيابية على أساسه، فإن في هذا الأمر من الخطورة والمحاذير ما يدعو إلى إلغاء هذه المادة من مرسوم تشكيل اللجنة.
ولكن السيد رئيس اللجنة بادر إلى تبديد هذه المخاوف عندما صرح للصحف المحلية بأن البحث في قانون الانتخابات ليس من اختصاص اللجنة إلا أن هذا التصريح لا يمنع -في رأينا- من عرض قانون الانتخابات على اللجنة إن رأى ذلك مجلس الوزراء.
رابعًا: لم ينص ولم يشر مرسوم تشكيل اللجنة إلى عرض مقترحاتها على الاستفتاء الشعبي، ومع ذلك تردد هذا الأمر في تصريح مسؤول حكومي وبأقلام بعض المواطنين، ولخطورة هذا الأمر فإنه ينبغي استبعاده مطلقًا، فعرض مقترحات اللجنة الذي نص مرسوم تشكيلها على احترام مبادئ الدستور يخالف نص المادة 174 التي أشرنا إليها، والتي تقضي بضرورة موافقة مجلس الأمة على الاقتراح الذي يتقدم به الأمير حتى يصبح ساري المفعول والاستفتاء الشعبي الذي يؤخذ به في نظم الحكم المباشرة يتعارض مع أصول النظام النيابي الذي أخذت به البلاد، وفوق ذلك فإنه من الناحية العملية يصعب تطبيق ذلك. وإذا طبق في صالح السلطة التنفيذية، لأن المستفتي لن يكون بوسعه الإجابة بأكثر من نعم أو لا.
وقد علمتنا التجارب أن أنظمة الحكم عندما تريد أن تنفذ شيئًا مضمونًا تتعدى المجالس النيابية أو الاستشارية إلى الاستفتاء الشعبي، بحيث ندر من لا يجوز في عالمنا العربي على 99,9% من أصوات الشعب!!
أما عرض المقترحات على المجلس النيابي فإنه يتيح الفرصة لنقاشها مادة مادة فيؤخذ ببعضها ويترك الآخر حسبما تفرزه العملية النيابية، وكنتيجة لما سبق فإن اقتراح عرض مقترحات اللجنة على الاستفتاء الشعبي يجب أن تستبعد نهائيًا إذا ما كانت السلطة التنفيذية حريصة على «الشرعية».
وأخيرًا لا بد من التأكيد مرات ومرات دون إعياء أو ملل أن شعب الكويت شعب مسلم فلا بد أن تبنى حياته السياسية وفقًا للعقيدة التي يدين بها الإسلام الذي ارتضاه منهجًا للحياة.
فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (يوسف: 40).
ولكن السؤال يبقى قائمًا... الحياة النيابية إلى أين؟!
وإننا للإجابة لمنتظرون.
خامسًا: وبعد تأكيدنا على ضرورة أن يكون عمل اللجنة دستوريًا ومشروعًا لا يسعنا إلا أن ننبه إلى بعض الحلول التي يجب استبعادها كما أشرنا لذلك في مرة سابقة، كما يجب التأكيد على ضرورة استبعاد الحل الذي يستأنس بالوضع الفرنسي، والذي يقول بتقوية دور رئيس الدولة على حساب السلطات التشريعية للمجلس النيابي.
فهذا الحل غير مناسب لأوضاع الكويت بشكل إجمالي، كما أنه يتعارض مع أصول الحياة البرلمانية المأخوذ بها حاليًا .