العنوان من يحمي المسيحيين العرب.. الإسلام.. أم الفاتيكان؟؟ .. هجرة المسيحيين الشرقيين
الكاتب د. محمد عمارة
تاريخ النشر السبت 13-نوفمبر-2010
مشاهدات 62
نشر في العدد 1927
نشر في الصفحة 34
السبت 13-نوفمبر-2010
نقول للفاتيكان: إن ضعف المسيحية الشرقية وهجرة أبنائها ليس خسارة للكنيسة الكاثوليكية وإنما خسارة للحضارة الإسلامية التي شارك هؤلاء في بنائها
وثيقة الفاتيكان تعزو هجرة المسيحيين من الأراضي المقدسة بفلسطين إلى عدم حسم الصراع «الإسرائيلي» الفلسطيني.. متجاهلة أن قهره يطال المسلمين أكثر من المسيحيين
الوثيقة تخدع المسيحيين الشرقيين عندما تجعل ما تسميه «الإسلام السياسي» مسؤولًا عن هجرتهم.. رغم أن هجرة هؤلاء إلى الغرب قديمة قبل أن يعرف الشرق والغرب هذه الظاهرة
وتواصل التضليل عندما تتحدث عن أن الحالة الاقتصادية أحد أسباب الهجرة متجاهلة أن الأقليات المسيحية في الشرق تمتلك النسبة الأكبر من ثروات القطاع الخاص
المفكر المسيحي ميشيل عفلق: لقد غذى المستعمر قطاعات من الأقليات المسيحية بأفكاره الخاطئة.. والمدارس الأجنبية والتبشيرية أحدثت تشوهًا ثقافيًا بما نفثت من سموم.. وخلقت تيارًا انعزاليًا يتحالف مع الغرب ضد الإسلام
كان مكرم عبيد يرشح نفسه بدائرة السيدة زينب بمصر فيكسب ثقة الناخبين وجميعهم مسلمون.. فالانتماء الوطني والقومي والحضاري العربي والإسلامي جواز المرور لقلوب الجماهير
لقد أرجع د. كمال فريد إسحاق أستاذ اللغة القبطية انقراض المسيحيين المصريين إلى ثلاثة أسباب: الهجرة إلى الخارج واعتناق عدد كبير منهم الإسلام ومعدل الإنجاب الضعيف
عندما كانت المسيحية الشرقية تشارك في حركات التحرر الوطني بالشرق وتنتمي للهوية العربية الإسلامية لم تضعف ولم يهاجر أبناؤها.. أو يتهددها التلاشي
انقلاب قطاعات من أبناء المسيحية الشرقية على الهوية الحضارية لبلادهم وانسحابهم من مواجهة التحديات.. أضعف هذه المسيحية وهددها بالانقراض
تحتل قضية هجرة المسيحيين الشرقيين من بلادهم، وتوطنهم في أوروبا وأمريكا وأستراليا، حيزًا كبيرًا في هذه الوثيقة الفاتيكانية، حتى لقد زادت البنود التي تحدثت عن هذه القضية على عشرة بنود.
- ففي البند ۱۹ تقول الوثيقة:
«.. ومن المؤكد أن ضعف المسيحية حيث ولدت، وكم بالأكثر تلاشيها، هو خسارة للكنيسة الجامعة».
ونحن نقول للفاتيكان: إن ضعف المسيحية الشرقية، وهجرة أبنائها، وتلاشيهم، ليس خسارة للكنيسة الكاثوليكية -التي تسمي نفسها «الجامعة»!- بقدر ما هو خسارة للحضارة الإسلامية، التي شارك هؤلاء المسيحيون الشرقيون في بنائها، وانتموا إليها.. بل إن تلاشي هؤلاء المسيحيين الشرقيين هو خسارة للإسلام، الذي يعد التعددية الدينية سنة من سنن الله التي لا تبديل لها ولا تحويل.. فالتعددية -في الرؤية الإسلامية- حافز من حوافز الحراك والتدافع الفكري والاجتماعي، ومن ثم فهي طاقة محركة على طريق التجدد والإبداع والتسابق على دروب الخيرات.
لكن الحقيقة التي تجاهلتها هذه الوثيقة الفاتيكانية هي تشخيص الأسباب الموضوعية لهجرة المسيحيين الشرقيين.
- إنها تعزو -في البند ۱۱۸- هجرة المسيحيين من الأراضي المقدسة -فلسطين إلى عدم حسم الصراع «الإسرائيلي» الفلسطيني.. وهي تتجاهل أن هذا الصراع يطال قهره المسلمين والمسيحيين على السواء -بل ربما نال المسلمين منه الحظ الأوفى والأوفر.. فلماذا يهاجر المسيحي الفلسطيني، ويترك وطن المسيح والمسيحية ولا يهاجر المسلم من الأرض المباركة... أرض الإسراء والمعراج؟!
إن المسلم الفلسطيني يهجر، ولا يهاجر!.. وحتى عندما يهجر، ويقتلع من دياره تظل قضية العودة إلى وطنه حية في عقله، مشتعلة في وجدانه، يهبها حياته ويورثها لأولاده، الذين يتوارثون مفاتيح البيوت التي هجروا منها، وذكريات الوطن الحبيب السليب الذي اقتلعوا منه.
إن الحقيقة التي تجاهلتها الوثيقة الفاتيكانية والتي تدين توجهات هذه الوثيقة تقول:
«إن المسيحية الشرقية عندما كانت تشارك في ثورة أحمد عرابي (١٢٥٧- ١٣٢٩هـ/ ١٨٤١- ١٩١١م) سنة ۱۸۸۲م، وثورة سنة ۱۹۱۹م بقيادة سعد زغلول (۱۲۷۳- ١٣٤٦هـ/ ١٨٥٧- ۱۹۲۷م) وفي حركات التحرر الوطني بالشرق.. وعندما كانت تنتمي للهوية العربية الإسلامية، لم تضعف.. ولم يهاجر أبناؤها.. ولم يتهددها التلاشي والانقراض.. لكن انقلاب قطاعات من أبناء هذه المسيحية الشرقية على الهوية الحضارية لبلادهم، وانسحابهم من مواجهة التحديات تبعًا لتوجيهات الوثيقة الفاتيكانية هو الذي أحدث لهذه المسيحية الشرقية الضعف، وهددها بالتلاشي والانقراض، فالسمك عندما يخرج من الماء لا بد أن ينفق ويموت!! والانتماء الحضاري، والمشاركة في مواجهة التحديات مع جموع الأمة، هو -بالنسبة لكل الجماعات والطبقات.. «الحاضنة» التي تضمن التنفس والحياة والنماء.. كالماء بالنسبة للسمك سواء بسواء!
ولقد عبر عن هذه الحقيقة المفكر القومي، والابن البار للمسيحية الشرقية «ميشيل عفلق» (۱۹۱۰- ۱۹۸۹م) عندما تحدث عن الانتماء الحضاري العربي الإسلامي باعتباره «الحاضنة الجامعة» للمسيحيين الشرقيين.. وعن أن ضعف هذا الانتماء -بالطائفية.. وبالتقريب- هو سبب المشكلة -التي تدور من حولها، دون أن تلمسها -وثيقة الفاتيكان.. لقد قال «ميشيل عفلق»:
«لقد غذى المستعمر قطاعات من الأقليات المسيحية بأفكاره الخاطئة.. ولقد أحدثت المدارس الأجنبية والمدارس التبشيرية على امتداد قرن كامل . تشوهًا ثقافيًا، بما نفثت من سموم في تلك الأوساط.. حتى خلقت تيارًا انعزاليًا ذا وعي وشعور منحرف، يزعم أنه غير عربي، ويسعى للتحالف مع الغرب ضد العروبة والإسلام.
إن الفروق الطائفية أبعدت قسمًا مهمًا من العرب عن روح بلادهم وتقاليدها، وجعلتهم شبه غرباء في وطنهم، وأضعفت، بالنتيجة مساهمتهم في الحركة القومية.
ونحن نريد أن تستيقظ في المسيحيين العرب قوميتهم يقظتها التامة، فيرون في الإسلام ثقافة قومية لهم، يجب أن يتشبعوا بها ويحيوها؛ لأنه متصل بطبعهم وتاريخهم؛ لأنه الميدان الذي برهن فيه العرب على كفاءتهم في تسامي الروح وخصب الفكر وقوة الأخلاق.. وسوف يعرف المسيحيون العرب، عندما تستيقظ فيهم قوميتهم يقظتها التامة، ويسترجعون طبعهم الأصيل، أن الإسلام هو لهم ثقافة قومية، يجب أن يتشبعوا بها حتى يفهموها ويحبوها، فيحرصوا على الإسلام حرصهم على أثمن شيء في عروبتهم.
وإذا كان الواقع لا يزال بعيدًا عن هذه الأمنية، فإن على الجيل الجديد من المسيحيين العرب مهمة تحقيقها بجرأة وتجرد، تضحية في سبيل ذلك بالكبرياء والمنافع، إذ لا شيء يعدل العروبة وشرف الانتساب إليها..» (١).
تلك هي المشكلة كما شخصها، بعبقرية ابن الروم الأرثوذكس، «ميشيل عفلق»، وهذا هو الحل.
فالانتماء الجامع للعروبة الثقافية والقومية والإسلام الحضاري هو «الحاضن الجامع» للمسيحيين مع المسلمين.. بينما التغريب، الذي ينزع المسيحي من هذا الانتماء الجامع هو الذي يصيبه بالاغتراب، فينعزل في «جيتو» الطائفية والكنيسة.. حتى يشد الرحال إلى المهاجر، فيندمج في الحضارة التي استبدلها بحضارته العربية الإسلامية.
وعندما كان المسيحيون الشرقيون يجسدون هذا النموذج -الذي تحدث عنه وتمناه «ميشيل عفلق»- في الانتماء للعروبة والإسلام الحضاري، كان «مكرم عبيد» (۱۸۸۹- ١٩٦١م) يرشح نفسه في الانتخابات النيابية بدائرة «السيدة زينب» -في القاهرة- فيكسب ثقة الناخبين -وجميعهم مسلمون- ويكتسح كل المرشحين المسلمين المنافسين لم يكن أحد يفرق بين «مكرم عبيد» المسيحي -ابن الحضارة الإسلامية-وبين زعيمه «سعد زغلول» (١٨٥٧م- ۱۸۲۷م) ابن الأزهر الشريف.. فالانتماء الوطني والقومي والحضاري -العربي والإسلامي- هو جواز المرور إلى قلوب الجماهير.
ويومها لم يكن المسيحيون الشرقيون يهاجرون، ولا كانت المسيحية الشرقية يتهددها التلاشي والانقراض.. أما عندما جاء الذين يستبدلون عبارات «شعب الكنيسة».. و«الشعب المسيحي» بعبارة «الأمة العربية».. ويقولون -بلسان «الأنبا غريغوريوس» (۱۹۰۹- ۲۰۰۲م) الرجل الثاني في الكنيسة الأرثوذكسية المصرية، وأسقف التعليم والدراسات العليا والبحث العلمي.
«إن اللغة القبطية هي لغتنا.. وهي تراث الماضي، ورباط الحاضر، وهي من أعظم الدعائم التي يستند إليها كيان الشعب المسيحي.. وهي السور الذي يحمينا من المستعمر الدخيل»!!(٢).
وعندما جاء الذين يعلنون -بلسان «الأنبا توماس»- أسقف القوصية، بصعيد مصر:
- «إن الشخص القبطي يشعر بالإهانة إذا قلت له: إنك عربي»!
- «وإن اللغة القبطية هي اللغة الأم لمصر»!.
- «وإن الأقباط يعانون ويحاربون خطري التعريب والأسلمة»!
- «وإنهم قد وجدوا ثقافتهم تموت، ووجدوا أنفسهم مسؤولين عن حمل ثقافتهم والمحاربة من أجلها حتى يأتي الوقت الذي يحدث فيه انفتاح، وتعود دولتنا لجذورها القبطية.. وحتى يأتي هذا الوقت، فإن الكنيسة تقوم بدور الحاضنة للحفاظ على هذا التراث القومي المختلف»!
- «وإن المسلمين قد خانوا الأقباط منذ الاحتلال العربي لمصر»!!(٣).
أما عندما حدث هذا الانقلاب على الهوية القومية العربية والانتماء الحضاري الإسلامي -بفعل الطائفية الانعزالية.. والتغريب، فإن قطاعات كبيرة من المسيحيين الشرقيين قد خرجت من «حاضنة الانتماء الحضاري الجامع» إلى «جيتو الطائفة والكنيسة»، فأطبق عليها اليأس والاغتراب، الذي دفعها إلى الهجرة، حتى باتت تتحدث شاكية.. مع الفاتيكان -عن التلاشي والانقراض.
والمشكلة، أن وثيقة الفاتيكان -التي نحاورها- تسير في الطريق التي تزيد الطين بلة!.. وتتجاهل أية إشارة إلى العلاج.
فهي –مثلًا- في البندين ٤١- 42. ترجع تأزم وضع المسيحيين في الشرق إلى «تصاعد الإسلام السياسي اعتبارًا من سنة ۱۹۷۰م... وعودة الأمة إلى إسلام الأصول».. وذلك بدلًا من أن تدرك أن هذه العودة إلى الذات الإسلامية والانتماء الحضاري الإسلامي، هي عودة إلى الانتماء الجامع للمسيحيين والمسلمين جميعًا على امتداد تاريخهم الطويل.. فهي عودة إلى الأصل.. وهي العلاج الذي أبصره «ميشيل عفلق».. وليست المرض، كما زعمت وثيقة الفاتيكان؟!
إن هذه الوثيقة الفاتيكانية تخدع المسيحيين الشرقيين عندما تجعل ما تسميه «الإسلام السياسي» مسؤولًا عن هجرة هؤلاء المسيحيين.. ذلك أن هجرة هؤلاء المسيحيين إلى الغرب قديمة، قبل أن يعرف الشرق والغرب ظاهرة «الإسلام السياسي».. ولقد بدأت هجرة الأقباط الأرثوذكس مع قانون الإصلاح الزراعي -في سبتمبر سنة ١٩٥٢م- لأنهم كانوا يمثلون النسبة الأكبر -بالنسبة لتعدادهم- في الإقطاعيين الذين أضيروا من عدالة هذا القانون.. ولم يكن بمصر «إسلام سياسي» في ذلك التاريخ.
وجاءت الموجة الثانية من هجرة المسيحيين المصريين مع قوانين «تمصير الشركات الأجنبية» عقب العدوان على مصر سنة ١٩٥٦م؛ لأن هؤلاء المسيحيين كانت لهم الغلبة في وظائف هذه الشركات الأجنبية تحت سيطرة الاحتلال الإنجليزي لمصر!.. ولم يكن بمصر يومئذ «إسلام سياسي» بل لقد كان هذا التيار قابعًا في السجون والمعتقلات.
ثم جاءت الموجة الثالثة من هجرة المسيحيين المصريين عقب صدور القوانين الاشتراكية -التي طورت الإصلاح الزراعي وأممت الشركات سنة ١٩٦١م.. لأن هؤلاء المهاجرين قد اعتبروا أنفسهم ضحايا عدالة هذه القوانين.. ولم يكن بمصر يومئذ «إسلام سياسي»، لأن أهل هذا التيار لا يزالون قابعين في غياهب السجون والمعتقلات.
وفي السنوات الأخيرة.. وفي ظل الحظر المفروض من الدولة على هذا التيار –«تيار الإسلام السياسي»- تصاعدت معدلات الهجرة المسيحية من مصر!.. لأن أمريكا -والدول الغربية الدائرة في فلكها- تريد تفريغ المجتمعات من الكفاءات.. وهي تفضل المهاجرين المسيحيين من الشرق- كما ت من تفضلهم من شرق أوروبا- على المهاجرين المسلمين.
ومع أن نسبة المسيحيين المصريين لمجموع السكان هي 5.8% فإن نسبتهم في تأشيرات «هجرة اليانصيب» الأمريكية 95%.. ونسبة الشباب المسيحي بين المهاجرين تزيد على 70%.
وإذا كانت الأرقام حقائق صلبة وعنيدة، فإن النظر في «ظاهرة» هجرة المسيحيين الشرقيين يضع أيدينا على حقيقة أنها تتم من أغلب المجتمعات التي لا علاقة لها بما يسمى بـ«الإسلام السياسي».
- لقد تمت وتتم في فلسطين وهي تحت الاحتلال الصهيوني، الذي يستولي على المساجد، ويقيد حتى حرية الصلاة، ويقتل ويسجن الإسلاميين -الذين يسميهم «الإرهابيين»!
- وتمت في العراق البعثي.. القومي.. العلماني.. كما تتم الآن تحت الاحتلال الأمريكي.
- وتمت وتتم في سورية البعثية القومية العلمانية.. حيث الانتماء -مجرد الانتماء- لما يسمى بـ«الإسلام السياسي»، عقوبته الإعدام!
- وتمت وتتم من تركيا -حيث العلمانية الأتاتوركية المتوحشة- التي حاربت ليست فقط «الإسلام السياسي»، وإنما أشكال التدين الشعائري للمسلمين.
- وتمت وتتم في لبنان، حيث العلمانية هي الخيار الذي اتفق عليه الجميع.
ولعل في أرقام الجدول التالي ما يؤكد هذه الحقائق الصلبة والعنيدة، ويبدد أوهام الوثيقة الفاتيكانية حول ربط الهجرة المسيحية بـ«الإسلام السياسي» أو بالعودة إلى «إسلام الأصول» (4).
- لقد أرجع الدكتور كمال فريد إسحاق -أستاذ اللغة القبطية بمعهد الدراسات القبطية ما أسماه «انقراض المسيحيين المصريين خلال مائة عام» إلى ثلاثة أسباب:
أولها: الهجرة إلى الخارج.
وثانيها: اعتناق عدد كبير منهم الدين الإسلامي.
وثالثها: أن معدل الإنجاب عند المسيحيين ضعيف (5).
- وقالت «نيوزويك» -الأمريكية: إن عدد المسيحيين العرب، في الشرق الأوسط، الآن يتراوح بين ١٢ و١٥ مليونًا «ويمكن لهذا الرقم أن ينخفض إلى ستة ملايين فقط بحلول عام سنة ٢٠٢٥م.
- وتنبأ «دروكريستيانس» رئيس تحرير «مجلة أمريكا» باندماج المسيحيين الشرق أوسطيين في نهاية المطاف في بحر المسيحية الغربية» (6)!
- وعلى حين تشكو الوثيقة الفاتيكانية من هجرة المسيحيين الشرقيين، فإن كتابات مسيحية تكشف عن تشجيع الكنائس لهذه الهجرة؟!! فلقد كتب الصحفي المسيحي «مايكل فارس» كلامًا خطيرًا عن تصاعد معدلات الهجرة القبطية من مصر.. وكان عنوان المقال: (۷۰۰) ألف قبطي تقدموا بطلبات الرحيل: الكنائس تحولت إلى مراكز للهجرة، تتلقى طلبات الشباب وتعلمهم اللغات بأسعار رمزية»!
وتحدث هذا الكاتب عن وجود مركز في كل كنيسة مهمته تلقي طلبات الهجرة بأجر رمزي، أو دون مقابل للشباب، ويتزايد الإقبال خلال الشهور من أكتوبر وحتى ديسمبر من كل عام، وتأتي أستراليا وكندا في مقدمة الدول المستهدفة، ولقد أرجع الشباب -الراغبون في الهجرة- تقدمهم بطلبات عن طريق الكنائس لثقتهم في المؤسسة الدينية وصورتها المقبولة في الخارج، خاصة بعد أحداث 11 سبتمبر سنة ٢٠٠١م (7)!!
لقد تحولت الكنائس إلى «جيتو» -مقبول الصورة في الخارج بعد 11 سبتمبر سنة ۲۰۰۱م.. ويوشك هذا «الجيتو» أن يصبح «سمسار» الهجرة للمسيحيين الشرقيين إلى خارج أوطانهم الشرقية.. لقد صنعوا المأساة -أو على الأقل أسهموا إسهامًا كبيرًا في صنعها- ثم أخذوا يشكون منها- عن طريق الفاتيكان.
وإذا كان ۷۰۰,۰۰۰ «سبعمائة ألف» قبطي ٧٠% منهم من الشباب قد تقدموا عن طريق الكنائس -للهجرة في عام واحد- وهذا العدد يقترب من ربع المسيحيين المصريين- فإننا ندرك حجم الفاجعة والمأساة التي تصدر هذه الكفاءات إلى الخارج.. بعد أن حبستها- بالطائفية.. وتآكل الانتماء الحضاري -في «جيتو» الكنيسة، وفرضت عليهم العزلة والاغتراب واليأس والقنوط!!
ثم إن هذه الوثيقة الفاتيكانية تضلل المسيحيين الشرقيين، عندما تتحدث.. في البند ٤٤ -عن أن «الحالة الاقتصادية هي أحد أسباب الهجرة المسيحية»... متجاهلة أن الأقليات المسيحية في الشرق تمتلك –أحيانًا- النسبة الأكبر من ثروات القطاع الخاص -في كثير من البلاد العربية- وأنها في الجملة، لا تعاني ما تعانيه جماهير الأغلبيات المسلمة من أزمات ومشكلات الفقر والبطالة والأمية.. والسكن.. والعجز عن الزواج... إلخ... إلخ.
وتنسى هذه الوثيقة المخططات الغربية الاستعمارية -القديمة.. والجديدة- الحريصة على تركيز الثراء في جانب الأقليات.. والحرمان في جانب الأغلبيات- ليس حبًا في عيون الأقليات، وإنما لإحداث القلق وإذكاء الصراعات الداخلية في بلادنا.. صنعت ذلك في لبنان.. ويصنعه الأمريكان الآن بمصر.
ففي سنة ٢٠٠٧م اعتمد «الكونجرس الأمريكي» -بالقانون ٢٧٦٤- 50% من المعونات الأمريكية غير العسكرية- المخصصة لمصر وذلك لتمويل وتقوية المنظمات القبطية وعددها 40 منظمة.
وكذلك لمساعدة القرى المصرية التي تسكنها نسبة عالية من الأقباط، بدعوى «تطوير جالية الأقباط المسيحيين!!... وتوجيه أغلب المعونات الأمريكية التي تقدم للقطاع الخاص المصري لتكوين «جيل من شباب الأعمال الأقباط»!!
ولقد كتبت صحيفة «الأهرام» الرسمية... الوقورة -عن هذه «الجريمة الأمريكية» أربع مقالات- في أغسطس ۲۰۰۷م(8).
هكذا يعمل الاستعمار على تكوين –كما يقول- «جيل من شباب الأعمال المسيحيين» ليكون منهم كبار الأثرياء.. الذين تسير استثماراتهم في ركاب جيوش الغزو الأمريكي للعالم الإسلامي.. والذين يذكي ثراؤهم -الفاحش أحيانًا- مشاعر الحقد الاجتماعي والصراع الطبقي في المجتمعات الشرقية.. ثم تأتي الوثيقة الفاتيكانية لتضحكنا بالحديث عن أن المسيحيين يهاجرون لأنهم فقراء!!
ثم تذهب هذه الوثيقة -التي تردد كثيرًا مصطلح «العدالة»- إلى حيث تدافع -في البند ٤٩- عن حقوق «مئات الآلاف من المهاجرين المسيحيين -الأفارقة والآسيويين- الذين يتدفقون إلى بلدان الشرق الأوسط، كوافدين للعمل.. ضد المظالم الاجتماعية التي يتعرضون لها.. «فهذه الهجرة الوافدة تشكل نداء لكنائسنا، إذ تقع على كنائسنا مسؤولية رعوية لمرافقة هؤلاء الأشخاص، سواء على الصعيد الديني أو على الصعيد الاجتماعي».
وتنسى هذه الوثيقة أن المجتمعات الشرقية التي تعاني من البطالة الحادة، إنما تنظر إلى هذه الهجرات المسيحية الوافدة التي ترعاها الكنائس، في إطار المخططات الرامية لتغيير «الديموجرافية المدنية» بالبلاد!!
كما أن موقف الوثيقة الفاتيكانية من الدفاع عن حقوق هؤلاء المهاجرين المسيحيين إلى الشرق.. وموقفها –كذلك- في البند ٤٨ -الداعي إلى «تشجيع المهاجرين المسيحيين من الشرق إلى الغرب على اقتناء ممتلكات عقارية في أوطانهم الأصلية»!
إن هذا الموقف الفاتيكاني -الداعي «للعدالة»- لا نجد له أثرًا في تحريك ضمير الفاتيكان إزاء المهاجرين المسلمين –العرب، والأفارقة -إلى أوروبا.. والذين يعانون من العنصرية و«الإسلاموفوبيا». الذي يشارك فيه الفاتيكان. كما يعانون من الأعمال الشاقة... والحقيرة والأجور المتدنية.. ومن شبح الترحيل إلى بلادهم.. التي امتص الاستعمار خيراتها على امتداد خمسة قرون.. ثم أسلمها إلى «النخب الفاسدة» التي رباها في مدارس إرساليات التنصير.
بل إن قساوسة الكنائس الغربية، يذهبون إلى هؤلاء المهاجرين المسلمين- في معسكرات الاحتجاز للترحيل- فيساومونهم على ترك إسلامهم، والتحول إلى المسيحية، مقابل «حق الإقامة» و «فرصة العمل» في تلك البلاد.
فأين هو ضمير الفاتيكان؟ وأين هي «العدالة» في التعامل مع هؤلاء البؤساء من المهاجرين المسلمين؟!.. أم أنهم كاللاجئين المسلمين.. لا نصيب لهم في «عدالة» الفاتيكان؟!
- وإذا كان شهيرًا حماس الكنائس الشرقية –ورعايتها- لتنظيم- وحتى تحديد -نسل المسلمين، فإن هذه الوثيقة تدعو الأسر المسيحية إلى عكس ذلك.. وتجعل زيادة نسل المسلمين رسالة للكنيسة.. فتقول في البند ۲۹:
«تعمل الكنيسة في المقام الأول على تنمية الأسرة.. وفي الإطار الديموجرافي «السكاني» الحالي، تشجع الكنيسة العائلات الكثيرة العدد»!
وهكذا تكون «العدالة الفاتيكانية»- في هذه الوثيقة، موضوع هذا الحوار.
الهوامش
(۱) ميشيل عفلق: «في سبيل البعث»، ج ٤، ص ۱۷۳، ۱۷، طبعة بيروت، سنة ١٩٧٤م.
(۲) صحيفة «وطني»، عدد:30/ 7/ 2000.
(۳) من محاضرة للأنبا توماس، بمعهد «هديسون» في واشنطن، بتاريخ 18/ 7/ 2008م، انظر صحف: «الدستور» و«المصري اليوم»، و«البديل»، في 13/ 8/ 2008م.. وانظر كتابنا: «الفتنة الطائفية متى وكيف ولماذا؟»، طبعة مكتبة الشروق الدولية -القاهرة سنة ٢٠٠٩م.
(٤) انظر في هذه الإحصاءات: صحيفة «الحياة»، لندن، في 11/ 6/ 2008م، دراسة: أحمد دياب، بعنوان: «هل يخلو الشرق الأوسط من مسيحيه؟»، وانظر كذلك: د. رضوان السيد: الصحيفة نفسها في 18/ 3/ 2008م.
(٥) صحيفة «المصري اليوم»، عدد 12/ 5/ 2003م.
(٦) «نيوزويك»، عدد 15/ 1/ 2008م.
(۷) مايكل فارس، صحيفة: «صوت الأمة»، عدد 15/ 1/ 2008م، وانظر كتابنا: «الفتنة الطائفية»، ص ٧٦- 79.
(۸) انظر مقالات صلاح الدين حافظ، الأهرام في ۱، ۸، ۱۵، 29/ 7/ 2007م، عن «المعونة والمعانين والمتعاونين»، و«المعونة الأمريكية والتمييز بين المسلمين والمسيحيين» و«الاستخدام السياسي للمعونات الأجنبية» و«من المسؤول: حكومتنا أم حكومتهم؟».