العنوان (مصر)جريمة الصمت على المحاكم العسكرية
الكاتب د. عصام العريان
تاريخ النشر السبت 08-ديسمبر-2007
مشاهدات 75
نشر في العدد 1780
نشر في الصفحة 20
السبت 08-ديسمبر-2007
استمرار هذه المحاكمة الظالمة جريمة والسكوت عن إدانتها جريمة أشد. والصمت عن فضحها والتوقف عن كشف المستور منها جريمة أشد نكرًا
ليس أقسى من الإحساس بظلم الحبيس إلا الإحساس بافتقاد العدالة أمام القاضي الطبيعي الذي يستطيع النطق بالبراءة دون رقيب أو حسيب وليس أشد من ظلم المحاكمة أمام محكمة عسكرية استثنائية تفتقد أبسط وأهم ضمانات العدالة اللهم إلا الشعور بجريمة الصمت المطبق أمام هذا الظلم وسكوت الكافة عن إدانة الظالم وخفوت الصوت المطالب برفع الظلم عن الشرفاء والأبرياء.
لم يكسر حاجز الصمت الرهيب إلا بضعة أصوات شريفة ارتفعت على استحياء في كلمات معبرة عن الإدانة التامة لهذه المحاكمة المربية التي تتم في الظلام بعيداً عن مراقبة الرأي العام وفي الثكنات العسكرية حيث يتم منع مراقبي حقوق الإنسان وكل كاميرات الإعلام، سواء أكانت تلفزيونية أم صحفية، بل إن مراسلي الصحف لا يسمح لهم بالحضور وكأننا أمام جريمة قتل منظمة لكل حقوق الإنسان لقد دفع هذا التعتيم الشديد تسع منظمات الحقوق الإنسان لأن تصدر بيان إدانة لهذا الأسلوب الذي ينتهك مبدأ قانونيًا دستوريًا هو علانية المحكمة.. لأن الأحكام تصدر باسم الشعب. فكيف يتم محاكمة شرفاء ورجال أعمال وأساتذة جامعات بعيدًا عن رقابة الشعب الذي تصدر الأحكام باسمه وهو منها براء لأنه طالما أعطى ثقته وتأييده لهؤلاء الشرفاء في كل المناسبات لقد مر على حبس هؤلاء الأبرياء الذين قضت المحاكم الطبيعية العادية بإطلاق سراحهم عدة مرات.
سنة كاملة خلف الأسوار يمر عليهم اليوم بعد اليوم والشهر بعد الشهر في معاناة لا يعلمها إلا من عاشها وقاسى الأمها، بعيدًا عن الأهل والأحباب وبعيداً عن الزوجات والأولاد وبعيدًا عن الأعمال والمسؤوليات يموت الوالد أو الأم فلا تجد ابنها بجوارها في لحظاتها الأخيرة، وتعرض الزوجة أو الأولاد، فلا تشعر بحنان الزوج أو الأب الذي يصحبهم إلى الطبيب ويناولهم الدواء ويسهر على راحتهم وتنهار المؤسسات والشركات وتقلس بسبب غياب الراعي والمؤسس فيتشرد عشرات ومئات الموظفين والعمال وتعاني عشرات البيوت والأسر لا يخفف من هول هذه المعاناة إلا الإيمان بالله الحنان المنان القوي المتين المنتقم الجبار، سبحانه وتعالى هو الذي يخفف ويهون من الإحساس بالظلم والقهر؛ فتنزل رحماته على النفوس وعلى البيوت، وعلى الجميع بردًا وسكينة ولطفًا ومنة، فسبحانه من إله حكيم خبير! وتستمر جلسات المحاكمة وتطول إلى أكثر من ثلاثين جلسة.
وقد تصل إلى الخمسين في جدل عقيم المناقشة تقارير يثبت أنها غير سليمة، وتهدر الأوقات بعد الأوقات ولا يتم الاستجابة لطلبات الدفاع، المعقولة وتظهر. رغم كل ذلك. تهافت الاتهامات تتساقط واحدة بعد واحدة كأوراق الخريف الهشة. فلا يثبت منها أي تهمة في حق الشرفاء وفي مقدمتها همة الإرهاب وهم بعيدون عنه كل البعد وهم الذين دانوا في حياتهم كل عنف، بل لم يمارسوا أي قسوة شبهة عنف بل كانوا الهداة الثقاة الذين يرشدون الشباب والطلاب إلى سبيل العمل السلمي الإسلامي لخدمة أوطانهم ومجتمعاتهم، ويشهد لهم الجميع بذلك حتى خصومهم ومنافسيهم.
وتظهر الحقيقة أمام الاتهام الظالم بغسيل الأموال تلك التهمة التي طنطنت لها الجرائد الحكومية والإعلام الحكومي، فلم نجد في الأوراق تلك المليارات الوهمية التي نسبتها أجهزة الأمن لهؤلاء الشرفاء ولم تجد ذلك التمويل الأجنبي الذي ادعاء حملة الأقلام المسمومة بدم الشرفاء وسارعوا في ترويجها ضدهم، ولم نجد أي شبهة في كسب حرام أو تهرب من الضرائب أو امتناع عن دفع أي رسوم بل كانوا شرفاء في عملهم التجاري، وفي سعيهم لتنمية بلدهم ووطنهم وفتح أبواب الرزق أمام المئات من العمال الذين شردتهم تلك القضية الوهمية لقد دفع ذلك الأخ المهندس خيرت الشاطر إلى المطالبة بإعفاء المتهمين من الحضور والمشاركة فيما سماه المسرحية الهزلية.. وهي ويا للحسرة مسرحية بلا جمهور يحكم على أداء المشاركين فيها.
وذكرني ذلك بيوم وقفت أنادي باسم زملائي وإخواني في قضيتنا عام ١٩٩٥ م أمام محكمة عسكرية بإعفائنا من تجشم مشقة الحضور بعد أن ظهرت دلائل تهافت الاتهامات وانحياز الضباط العظام الذين يقومون بدور القضاة وقررت هيئة الدفاع الانسحاب، فما كان من اللواء رئيس الجلسة إلا أن قضى بندب عدة محامين لاستكمال شكل الدفاع وحبس عشرين من إخواننا كانوا يحضرون الجلسات وهم مطلقو السراح ثم كانت الأحكام بعد بضعة جلسات مباشرة لتوزع على الإخوان بين ٢ إلى ٥ سنوات سجنًا مع الأشغال الشاقة على تهمة الانتماء للإخوان المسلمين وكان من بيننا من قضى سنوات طويلة على التهمة نفسها في العهود السابقة ولم يتبق في قائمة الاتهام إلا الانتماء إلى الإخوان المسلمين وحيازة مطبوعات تدعو لفكر الإخوان ويا للقدر.
فقد توافقت تلك الأحداث مع إصدار لجنة مجمع البحوث الإسلامية تقريرها منذ أيام حول بعض هذه المطبوعات لتقول بأعلى صوتها: إن هذه المطبوعات تعبر عن فكر إسلامي معتدل مستنير ويا للظلم البين عندما تتم محاكمة هؤلاء على غير جريمة أو معاقبة بعضهم على اتهام واحد ظالم عدة مرات مثل المهندس خيرت الشاطر والمهندس. د محمد على بشر اللذين قضيا سنوات طوالًا خلف الأسوار على التهمة نفسها. وأمام المحاكم العسكرية نفسها وهو ما يتنافى مع أبسط قواعد العدالة إن الصمت على هذه المحاكمة العسكرية جريمة.
وإن السكوت على هذا الظلم البين جريمة، فيرفع الشرفاء من كل الاتجاهات أصواتهم إدانة لهذا الظلم ولذلك التعتيم المقصود على جريمة ترتكب في الظلام من وراء الشعب وعلى كل رجال الإعلام وأصحاب الأفلام أن يساهموا في تخفيف المعاناة عن هؤلاء الأبرياء، وأن يشاركوا في فضح تلك الممارسات القمعية ضد الإخوان الذين لا ذنب لهم إلا أنهم مصممون على الاستمرار في المشاركة السلمية من أجل بناء وطن حر مستقل، ورفع الصوت عالياً ضد الظلم والفساد والقهر والاستبداد إن استمرار هذه المحاكمة الظالمة جريمة والسكوت عن إدانتها جريمة أشد. والصمت عن فضحها والتوقف عن كشف المستور منها جريمة أشد نكرًا
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل