العنوان قصة ترحيل راشد الغنوشي من مصر!!
الكاتب مراسلو المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-أكتوبر-1989
مشاهدات 60
نشر في العدد 938
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 24-أكتوبر-1989
●
مسؤول تونسي كبير يتعهد بحماية الغنوشي إذا قرر العودة إلى تونس.
● رئيس الوزراء
المصري لم يعلم بترحيل الغنوشي إلا متأخرًا.
● هل هناك صراع
بين جناح رئيس الوزراء وجناح وزير الداخلية أدى إلى ترحيل الغنوشي من مصر؟
● أحمد بهاء
الدين: الدول المتحضرة لا تتصرف بهذه الطريقة مع الضيوف.
القاهرة: من
مراسل المجتمع
لم يكد الشيخ
يدلف إلى غرفته رقم 2403 بفندق هيلتون رمسيس الكائن على شاطئ النيل مؤملًا في نوم
هادئ يزيل عنه التعب، بعد عناء الحوارات واللقاءات والمقابلات طوال اليوم، حتى
فوجئ بطرقات عنيفة على باب الغرفة.
نظر الشيخ في
ساعته. لقد قاربت الواحدة بعد منتصف الليل. فكر للحظة. ترى من يكون هذا الطارق؟
إنه لم يعطِ أحدًا موعدًا في هذا الوقت المتأخر، ترى هل هو صحفي مزعج أراد أن يجري
معه حوارًا قبل أن يغادر القاهرة؟ ولكن أليس من حق الشيخ أن يستريح؟! لم تعطه
الطرقات العنيفة المتزايدة فرصة للمزيد من التساؤلات. أسرع الشيخ بارتداء ملابسه
وانطلق إلى باب الغرفة. أمسك بالمقبض وأدار المفتاح، وإذا بنحو اثنتي عشرة جثة
آدمية تقتحم عليه الغرفة. كاد الشيخ أن يسقط من شدة اندفاعهم. ماذا جرى؟ من أنتم؟
ماذا تريدون؟! لعلكم عصابة تريد أن تخطفني. لم يعبأ أحد بتساؤلاته الحائرة. وصدرت
له الأوامر من قائد المجموعة - عميد الشرطة - حزم حقائبك وأمتعتك فورًا! ليس هناك
وقت لترتيب الأمتعة.
وفي دقائق كان
«الفتوات» قد ألقوا بالأمتعة داخل الحقائب وأغلقوها وأنزلوها إلى صالة الفندق، حيث
كان الشيخ يدفع حسابات الإقامة وينهي الإجراءات. كانت سيارة البوليس في الانتظار.
إلى أين؟! لا أحد يرد. السيارة تسير إلى ميدان التحرير ومنه إلى قسم شرطة قصر
النيل، كانت الساعة قد جاوزت الثانية صباحًا حينما ألقوا بالشيخ مع اللصوص
والمشردين وتجار المخدرات ومعتادي الإجرام. لم يسأل الشيخ نفسه: ماذا يجري؟ ما هي
الحكاية؟ فقد كانت الأمور واضحة. لقد صدرت الأوامر بترحيل الشيخ راشد الغنوشي من
مصر قبل موعد مغادرته لها بأربع وعشرين ساعة فقط!
وقبل بزوغ شمس
الخامس من أكتوبر، كان الشيخ في طريقه إلى المطار، لقد أعدوا له مكانًا على أول
طائرة تتجه إلى باريس. وفي السابعة صباحًا غادرت الطائرة أرض مطار القاهرة الدولي
إلى مطار العاصمة الفرنسية.
رئيس الوزراء
آخر من يعلم
ما هو السر إذن
وراء هذا السلوك المشين الذي اتخذته الحكومة؟! لقد رددت الأنباء أن حكومة عاطف
صدقي رئيس مجلس الوزراء لم تعلم بقرار ترحيل الشيخ الغنوشي إلا بعد أن تم تنفيذه
فعلًا، وأن صاحب المبادرة ومنفذها هو وزير الداخلية دون الرجوع لأحد من زملائه،
وهذا ما أحدث خلافًا حادًّا داخل مجلس الوزراء، وقد انتقد الدكتور يوسف والي نائب
رئيس الوزراء ووزير الزراعة والأمين العام للحزب الحاكم، قرار الترحيل بشدة، وأكد
أنه يسيء إلى مصر ليس في العالم الإسلامي فقط، وإنما أمام المحافل الدولية
والهيئات العالمية كذلك.
العليمون ببواطن
الأمور في الدوائر المصرية يطرحون أكثر من سبب لإخراج الشيخ راشد بهذه الطريقة
الفجة، مع أنه زار خلال إقامته بالقاهرة التي امتدت 12 يومًا العديد من الشخصيات
الرسمية والشعبية، وعلى رأسها فضيلة الأستاذ محمد حامد أبو النصر المرشد العام
للإخوان المسلمين، والمهندس إبراهيم شكري زعيم المعارضة ورئيس حزب العمل، والأستاذ
فؤاد سراج الدين رئيس حزب الوفد والأستاذ مصطفى كامل مراد رئيس حزب الأحرار،
بالإضافة إلى الأستاذ محمد حسن الزيات، رئيس لجنة الشؤون المصرية بمجلس الشعب
والدكتور محمد عبد الله رئيس لجنة الشؤون الخارجية بالإضافة كذلك إلى الأستاذ محمد
حسنين هيكل الصحفي المعروف.
وكان مقررًا أن
يلتقي يوم الخميس - الذي تم فيه ترحيله - بالدكتور يوسف والي بصفته الأمين العام
للحزب الوطني الديمقراطي، ولأن هناك عداء سافرًا بين جناح الدكتور والي في الوزارة
وبين جناح وزير الداخلية، فقد تصرف وزير الداخلية هكذا ليضع الدكتور والي في موقف
لا يحسد عليه، مؤكدًا للجميع ضعف سلطانه في الوزارة. وطبيعي أن يكون وزير الداخلية
جاهزًا بقائمة «الاتهامات الجاهزة» لتقديمها لرئيس الوزراء حول خطورة زيارة الشيخ
الغنوشي في مصر، إلى حد أن يصف أحد كتبة السلطة محاضرات وندوات ولقاءات الشيخ
بأنها تسعى «لتقويض السياسة المصرية»!!
مسؤول تونسي
يتصل بالغنوشي
وهناك سبب آخر
مطروح لتبرير إخراج الشيخ بهذه الطريقة، وهو أن الحكومة التونسية طلبت من مصر ذلك،
ونحن لا نؤيد هذا السبب لأمرين: أولهما: أن أحد أعضاء حركة الاتجاه الإسلامي التي
يتزعمها الشيخ راشد، وهو ابن مسؤول كبير جدًّا في الحكومة التونسية قد اتصل
هاتفيًّا بالقاهرة ليبلغ الشيخ أن الوضع الآن أفضل في تونس، وأن والده تعهد
بالسماح بدخوله تونس دون أن يمس بأذى، وزيادة في التعهد أعطى الابن سماعة الهاتف
إلى والده المسؤول الكبير في الحكومة التونسية، ليؤكد للشيخ الغنوشي استعداده
وتعهده باستقباله دون أن يمس بأذى، ولكن الأنباء ترددت أن زملاء الشيخ في تونس
يتعرضون للضغوط المستمرة، فكيف يستقيم تعهد المسؤول التونسي الكبير مع مقولة أن
الحكومة التونسية طلبت من مصر طرد الشيخ راشد! الأمر الثاني أن الشيخ قضى نحو 12
يومًا في القاهرة، ما بين المشاركة في الحوارات أو حضور الندوات. فلماذا تركته
الحكومة كل هذه المدة إن كانت تونس قد طلبت إخراجه؟
لقد حضر الشيخ
راشد إلى مصر بدعوة من مركز دراسات الوحدة العربية بلندن للمشاركة في أعمال ندوة
«الحوار القومي الديني» التي أقيمت في القاهرة أيام 26، 27، 28 من سبتمبر الماضي،
وشارك فيها عدد كبير من المفكرين الإسلاميين والمفكرين القوميين، ناقشوا على مدار
12 جلسة أهمية الحوار بين الإسلاميين والقوميين، وضرورة أن يستمر هذا الحوار وأن
يتناول القضايا الرئيسية التي تهم الجانبين مثل تطبيق الشريعة الإسلامية،
والديمقراطية وحقوق الإنسان والتنمية في العالم العربي، وعلاقة العروبة بالإسلام
وبالعلمانية. إلخ.
ناقش المفكرون
في جلسات الندوة وجوه الالتقاء والتباعد بين العروبة والإسلام، وكذلك مبدأ
المواطنة وحقوق الأقليات سواء العرقية أو الدينية وحرية التعبير والاعتقاد، كما
ناقش المفكرون الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية، وهل يتعارض ذلك مع الحداثة أو
المعاصرة، وكذلك ناقشوا الأوضاع السياسية في العالم العربي وما تشمله من مبدأ
التعددية السياسية والحريات ومدى الالتزام بها، وكذلك التيارات والتنظيمات
العروبية والإسلامية، ومدى استيعاب كل منها لوجهة نظر الأخرى. وفي آخر أيام الندوة
اقتصرت المناقشات على موضوع النقد الذاتي من جانب أصحاب كل تيار في نقد تيارهم
الفكري والسياسي، واقتراحاتهم في كيفية تفادي المثالب سواء في نطاق الحركة الفكرية
أو السياسية.
إعجاب بآراء
صريحة
حظيت آراء الشيخ
راشد الغنوشي التي تميزت بالصراحة والوضوح والثقة بالنفس، بالإعجاب من جانب عدد
كبير من المشاركين في الندوة، خاصة عندما انتقد الحركة الإسلامية في بعض الجزئيات
مثل غياب التفكير الاستراتيجي والنظرة التآمرية في تفسير الأحداث.
وفي أعقاب
انتهاء الندوة نظم نادي هيئة تدريس جامعة القاهرة، ندوة جماهيرية تحدث فيها الشيخ
راشد عن «الإسلام والديمقراطية بالمغرب العربي» شرح فيها الأوضاع السياسية
والإسلامية في الشمال الإفريقي، كما أجاب على أسئلة الحاضرين الذين أبدوا إعجابهم
بآراء الشيخ ودقة عباراته. كما التقى الشيخ راشد بباحثي مركز الدراسات السياسية
والاستراتيجية بالأهرام في لقاء مطول. وأعرب الكاتب الصحفي أحمد بهاء الدين عن
دهشته واستهجانه للطريقة التي أخرج بها الشيخ راشد من مصر، ووصفها بأنها تسيء إلى
مصر كثيرًا، وأن الدول المتحضرة لا تتصرف بمثل هذه الطريقة، وأبدى أسفه وندمه لأنه
شارك في إقناع الشيخ راشد بالحضور إلى مصر والمشاركة في أعمال ندوة الحوار القومي
الديني، ودافع بهاء الدين عن حق الداعية في طرح آرائه وأفكاره باعتباره شخصية لها
وزنها الإسلامي والسياسي، فهو زعيم حزب النهضة في تونس ورئيس حركة الاتجاه
الإسلامي وهو أيضًا المفكر المعروف. كما أحدث موقف الحكومة من ترحيل الشيخ ردود
أفعال غاضبة في الأوساط الشعبية والنقابية والطلابية، وأعرب الجميع عن أسفهم لهذا
الموقف غير الكريم والذي يتصف بعدم اللياقة ووصفته صحيفة «الشعب» - صوت التحالف
الإسلامي - بأنه سابقة لم تحدث من قبل ونددت بهذا السلوك المشين، وأعرب المهندس
إبراهيم شكري عن استيائه لموقف السياسة الأمنية وعلى رأسها الوزير من حادث ترحيل
الغنوشي الذي أساء لمصر كل الإساءة.