العنوان بعد عودة «الطيور» المهاجرة إلى «عشها» الفسيح.. انطباعات تونسي يزور وطنه بعد ٢٢ عامًا من المنع
الكاتب د. محمد الغمقي
تاريخ النشر السبت 12-مارس-2011
مشاهدات 74
نشر في العدد 1943
نشر في الصفحة 40
السبت 12-مارس-2011
- أصبح يوم ١٤ يناير الذي هرب فيه «بن علي» يومًا تاريخيًا، ليس للشعب التونسي فحسب بل لكل الشعوب المضطهدة.
- شعرت بسعادة كبرى وأنا أرى الابتسامة تعود إلى وجوه كانت لوقت قريب عابسة تقرأ فيها علامات الحزن والكآبة.
- اكتشفت حرص الشباب على التمسك بالهوية الإسلامية والدفاع عنها، وقد انتشر الحجاب بشكل لافت ولاسيما بين الفتيات.
- أضحى النقاش السياسي سيد الموقف في ظل الديمقراطية التي حذفت من القاموس الشعبي خلال عهد الهارب «بن علي».
- انطلقت ألسنة الناس بالحديث عن الماضي قائلين: لقد تجرعنا الصمت، وأن الأوان للكلام بحرية بعد استعادة كرامتنا.
- كان الشعب يعيش حالة من الرعب بسبب القبضة الأمنية الحديدية، حتى قيل في الشارع: إن الجدران لها آذان تتنصت إلى الحديث الدائر حتى في البيوت!
- وكان يحز في نفوسنا ونحن في الغربة أن نرى بلدنا يتراجع إلى الوراء على جميع المستويات، خاصة ما يتعلق بوضع الحريات.
- حجم الآلة البوليسية للنظام الدكتاتوري البائد بلغ أكثر من ١٠٠ ألف رجل أمن مقابل نحو ٤٠ ألف جندي في بلد لا يتجاوز سكانه ١١ مليون نسمة!
أعود اليوم إلى الكتابة من جديد في مجلة «المجتمع»، التي تشرفت بمراسلتها من «باريس» على مدى سنوات عديدة، لكن هموم الغربة المفروضة شغلتني عن الكتابة رغم حرصي الشديد على ذلك، وليس الهدف من هذا المقال الحديث عن وضع شخصي بقدر ما هو صورة تعبر عن معاناة شعب ذاق ويلات الظلم والكبت جراء «طغمة» فاسدة أهلكت الحرث والنسل.
لقد طال الظلم أبناء الشعب التونسي في الداخل والخارج، ولم يكن نظام «بن علي» المخلوع ليترك الفرصة للتنفس، فهو يمثل الصورة «النموذجية» للدكتاتورية في أشد عتوها وجبروتها؛ حيث كان الشعب يعيش حالة من الرعب بسبب القبضة الأمنية الحديدية، إلى درجة أصبح شائعًا في الشارع التونسي أن «الجدران لها آذان تتنصت إلى الحديث الدائر حتى في البيوت»!
فكل أبواب التعبير الحر موصدة إلا أبواق النظام التي كانت تنعق صباح مساء مدحًا وتقديسًا للصنم وعائلته، وتزين الباطل وتقلبه حقا، وتصور تونس «بن علي» جنة من الحرية وواحة للسلام والديمقراطية تفوق أعرق الديمقراطيات في العالم.
وتكفي الإشارة إلى أن حجم الآلة البوليسية التي تحكمت في رقاب الناس بلغ ما يزيد على ١٠٠ ألف رجل أمن مقابل حوالي ٤٠ ألف جندي في بلد لا يتجاوز سكانه ۱۱ مليون نسمة.
كما شهدت تونس في تسعينيات القرن الماضي أعنف هجمة على المعارضة الوطنية والإسلامية تحديدا، في بلد جامع «الزيتونة»، ومدينة القيروان»، وعقبة بن نافع، وأسد بن الفرات، والشيخ الطاهر بن عاشور، وغيرهم كثير، كل ذلك على مرأى ومسمع من القوى العالمية العارفة ببواطن الأمور، لكن «مبادئها» -عفوًا مصالحها- أبت إلا تقديم المساندة غير المتناهية للأنظمة الدكتاتورية؛ حيث ساهمت في التعتيم على هذا الوضع والتغطية على مساوئ هذه الأنظمة، ولم تصغ لنداءات القوى الوطنية والمنظمات المستقلة المطالبة بالضغط في اتجاه احترام سيادة الشعوب وإرادتها.
كبت مطلق
وكنا في الغربة، نتابع يوما بيوم تطورات الأحداث في تونس وفي المنطقة عمومًا، فكل ما يمس إخواننا في بلد الإسلام وخارجها يمسنا، وكان يحز في نفوسنا -ونحن نعيش في بلد الغربة المفروضة علينا- أن نرى بلدنا تونس يتراجع إلى الوراء على كل المستويات، خاصة ما يتعلق بوضع الحريات بسبب الكبت السياسي المطلق، رغم وجود معارضة شكلية زائفة يوظفها النظام لتلميع صورته، يُضاف إليه الوضع الاجتماعي الذي ازداد تدهورًا بسبب غلاء المعيشة وانتشار ظاهرتي الرشوة والاحتكار وتغوّل «مافيا» العائلات الحاكمة وتسلطها على مقاليد الدولة وثروة الشعب.
ومما يزيد النفس حرقة أن ترى قوى خارجية تدعي الدفاع عن حقوق الإنسان واحترام كرامته تقف إلى جانب هذا الظلم وتدعمه بشكل مباشر وغير مباشر، ومن بين أشكال الدعم تشجيع السياحة إلى تونس؛ حيث ترى المعلقات الدعائية الكبرى ترغب في السفر إلى «بلد البحر والشمس» بأثمان بخسة، في حين يُحرم عدد من أبنائها المنفيين من مجرد زيارتها.
ولعل بعض الرموز السياسية الغربية لم تتوان عن القيام بزيارات سياحية خاصة إلى هذا البلد في ضيافة رسمية حتى بعد انطلاق الثورة، من بين هؤلاء وزيرة الخارجية الفرنسية السابقة «أليو ماري»، التي اقترحت تقديم الخبرة الأمنية الفرنسية لقمع المظاهرات بحجة «الحفاظ على الاستقرار»!
يمهل ولا يهمل
بيد أن مشيئة الله سبحانه وتعالى أقوى وأشد حيث تحققت سنن الله في البشر، ومن بينها هلاك الظالم ونصرة المستضعف وإن طال الزمن، ذلك أن الله يمهل ولا يهمل ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنقَلَبٍ يَنقَلِبُونَ﴾ (الشعراء: 227).
والحمد لله أن قامت الثورة في تونس على دماء الشهداء، الذين نسأل الله تعالى أن يرحمهم رحمة واسعة، وأن يرزق أهلهم الصبر والسلوان، وألا يحرمنا أجرهم.
وكان يوم ١٤ يناير -الذي هرب فيه بن علي- يومًا تاريخيًا ليس للشعب التونسي فحسب بل لكل الشعوب المضطهدة، وتسارعت الأحداث، وكان من تداعياتها رفع الغمة عن شعب عانى الكبت والحرمان، والحمد لله، فقد تمكن العديد من المغتربين من العودة إلى بلدهم وزيارة أهلهم.
وكنت من بين العائدين بعد غياب طويل دام ۲۲ عامًا، علمًا بأنني كنت أعيش وضعًا خاصًا، ذلك أنني لم أكن لاجئًا سياسيًا، ولم أحصل بعد على الجنسية الفرنسية، وكنت حاصلًا فقط على بطاقة الإقامة في فرنسا لمدة عشر سنوات تنتهي صلاحيتها هذه السنة.
جواز السفر
وخلال إقامتي في فرنسا انتهت صلاحية جواز السفر التونسي منذ عام ۲۰۰۰م، وقدمت طلبًا بتجديد جواز سفري لدى القنصلية التونسية في «باريس»، لكن تم رفض هذا الطلب بدون ذكر الأسباب!
وفهمت من خلال الاستجوابات مع مسؤولي القنصلية التونسية أنني وضعت على القائمة السوداء؛ بسبب شدة تحرز النظام من المثقفين المعارضين، خاصة وأنني حاصل على درجة الدكتوراه في العلوم السياسية من الجامعة الفرنسية، وأعمل في المجال التعليمي كأستاذ جامعي إضافة إلى المجال الصحفي.
ونتيجة لذلك، حرمت من جواز السفر «هذه الوثيقة الأساسية للتنقل» مدة أحد عشر عامًا، ولم أحصل عليه إلا بعد الثورة في تونس؛ حيث يسر لي الله الحصول عليه في نفس اليوم الذي طلبته من القنصلية التونسية، مع ملاحظة أن صورة «بن علي» قد نزعت من هذه المؤسسة، واستبدلت بعبارة «مرحبا بأبناء تونس».
عودة الابتسامة
أما عن أجواء الزيارة للوطن، فلا يمكن وصف تلك اللحظات التاريخية التي تم فيها اللقاء مع الأهل والأحباب، وبدون شك، فإن الصدمة الأولى تتمثل في اكتشاف جيل جديد من الأهل والأقارب بعد عقدين من الزمن وتغير ملامح الجيل القديم بسبب تقدم السن، وأيضًا بسبب المعاناة التي رسمت خيوطها على جبين أمهات وآباء تجرعوا مرارة الغبن والكبت والخنق في أرزاقهم.
لكني شعرت بسعادة كبرى وأنا أرى الابتسامة ترجع إلى وجوه، كانت لوقت قريب عابسة تقرأ فيها علامات الحزن والكآبة حسرة على ما آلت إليه البلاد بسبب الظلم والقهر، وقد صدمت خلال زيارتي للوطن بعد غياب تجاوز العقدين لمدى حجم المأساة التي عاشها الشعب التونسي.
ويتجلى ذلك خصوصًا في التفاوت التنموي الصارخ بين المدن الساحلية؛ مثل «المنستير» و«سوسة» وجزيرة جربة»، وبالطبع العاصمة «تونس» التي لقيت عناية خاصة مقابل إهمال يكاد يكون تامًا للمدن على طول الشريط الساحلي الجنوبي بداية من ولاية «صفاقس»، وفي المناطق الداخلية والغربية التي تشهد انهيار البنية التحتية وغياب الصيانة والخدمات.
إذا ظهرت الابتسامة على وجوه التونسيين بعودة تنسم أجواء الحرية، وانطلقت الألسنة في الحديث عن الماضي الأليم، وكأن لسان حال أصحابها يقول: «لقد تجرعنا الصمت، وآن الأوان للكلام بكل حرية بعد أن استرجعنا كرامتنا».
وتحولت مجالس الناس في الأندية والمقاهي والبيوت إلى حديث في السياسة؛ حيث أعطت الثورة زخمًا من الوعي السياسي وكل فرد صغيرًا كان أو كبيرًا يريد أن يقدم لك قراءته للوضع حسب رؤيته، وأن يروي لك قصة عجيبة مع الأجهزة الأمنية وعن أشكال الفساد الذي استشرى في المجتمع، وأصبح النقاش السياسي سيد الموقف بخلفية ممارسة التعددية أو الديمقراطية التي أقصيت من القاموس الشعبي خلال الفترة الحالكة التي مرت بها تونس في عهد «بن علي».
شعبٍ واعٍ وناضج
والمتأمل في طبيعة الحديث يستنتج مدى وعي الشعب التونسي وقدرته على التكيف مع المستجدات، وهو أمر تؤكده تقارير الخبراء التي تشير إلى النضج السياسي لدى هذا الشعب بسبب عوامل عدة تاريخية وحديثة، حيث تعد تونس ملتقى للحضارات بحكم موقعها الجغرافي السياسي الاستراتيجي بين المشرق والمغرب على مستوى المنطقة الإسلامية، وبين الشمال والجنوب على مستوى العلاقات العربية الأفريقية من جهة، والأوروبية الغربية من جهة أخرى عبر البعد المتوسطي.
يُضاف إلى ذلك السياسة التعليمية التي انتهجها الرئيس الأسبق «الحبيب بورقيبة»، الذي نشر التعليم لكل فئات المجتمع بهدف تكوين جيل علماني متذبذب الشخصية بين المرجعيتين الإسلامية والغربية، ولكن مشيئة الله أرادت أن يخرج من رحم هذه السياسة جيل متشبث بهويته الإسلامية، رغم التشويهات التي حصلت لنسبة من المثقفين الذين يجمعهم تيار يتراوح بين العداء للدين والانبهار بالنموذج العلماني الغربي، تحت شعار فصل الدين عن الدولة وعن الحياة عمومًا.
وسيذكر التاريخ مدى مساهمة المتشددين داخل هذا التيار العلماني في تعقيد الأزمة الخطيرة التي شهدتها تونس؛ بسبب دعمهم بل دفعهم النظام بكل الوسائل إلى التمسك بسياسة الاستئصال؛ الإقصاء التيار الإسلامي ممثلا في حركة «النهضة» من الوجود على الساحة التونسية، في كل مكوناتها النقابية والاجتماعية والثقافية والسياسية، وانتهاج سياسة كبت سياسي مطلق بحجة «غلق أي باب للتنفيس تستغله الأصولية الدينية».
بل إنهم ساهموا في تضليل الرأي العام عبر السيطرة الكاملة على وسائل الإعلام ومنابر التأثير الثقافية والمؤسسات التعليمية، ومحاولة إجهاض الهوية الدينية الإسلامية للشعب التونسي عبر تمييعه وتغريبه، خاصة الشريحة الشبابية منه.
شباب يقظ وواعد
وعلى ذكر الشريحة الشبابية التونسية، فقد أصيب عدد من المهتمين بالشأن التونسي بالذهول وهم يشاهدون الجيل الذي تربى في عهد «بن علي» يقود ثورة أسقطت نظامًا دكتاتوريًا كان يدعي أنه أحدث تغييرًا في البلاد معتمدًا على الشباب.
والعارفون بالواقع لم تكن لتضللهم ادعاءات النظام، فقد ساهمت القنوات الفضائية والعولمة في تمييع جانب من الشباب عبر الهائه بنجوم الفن والرياضة، لكن نسبة كبرى منهم كانوا يلجؤون إلى مثل هذه الاهتمامات هروبًا من الواقع ومن الأوضاع المعيشية المزرية التي كانوا يعيشونها هم وأسرهم.
وليس خافيًا على أحد نسبة البطالة المرتفعة في صفوف المثقفين، واتساع ظاهرة البحث عن حل في الهجرة غير الشرعية، ولو تطلب الأمر المغامرة بأنفسهم بركوب قوارب متواضعة ومحاولة عبور البحر المتوسط في اتجاه الضفة الشمالية نحو البلدان الأوروبية.
وأمام حالة الاحتقان، لجأ عدد كبير منهم إلى استعمال الإنترنت وتكنولوجيا شبكات الاتصال للتعبير عن مأساتهم، الأمر الذي يفسر قدرة هذا الشباب على التكيف مع أدوات العصر الحديث في التعبير عن الرأي في أجواء مغلقة من منع الحريات، وهو بلا شك أحد عوامل نجاح الثورة في تونس وبلاد أخرى.
صحوة إسلامية
وقد اكتشفت خلال زيارتي الأخيرة إلى تونس شبابًا يملؤه الطموح والأمل في التغيير نحو الأفضل، كما اكتشفت مدى حرص شريحة كبرى من الشعب التونسي والشباب منه على وجه الخصوص على التمسك بالهوية الإسلامية والدفاع عنها، فالحجاب قد انتشر بشكل يثير الانتباه، خاصة في صفوف الفتيات، ورغم أن بعضهم يفسر ذلك كظاهرة تعبر عن رد فعل على سياسة منع الحجاب التي انتهجها نظام «بن علي»، إلا أن الحديث مع هؤلاء الشباب يثبت أن الأمر أعمق بكثير من مجرد سحابة عابرة.
والشيء نفسه يقال عن ظاهرة الإقبال على حلقات تحفيظ القرآن وعلى المساجد التي تغص بالمصلين شيبًا وشبابًا نساءً ورجالًا، كما يتجلى ذلك خاصة في صلاة الجمعة، وتحرر الأئمة من ضغط السلطة التي فرضت خطابًا قوامه شبه تأليه للصنم و«إنجازاته العظيمة»، إلى جانب حالة الرعب في المساجد التي بثتها الجهات الأمنية في عهد «بن علي» عن طريق الرقابة المستمرة والتقارير المفصلة عن رواد المساجد وما يدور فيها!
وقد من المصلون هذا الخطاب وهذا الوضع الأمني، وسارعوا إلى تغيير عدد من الأئمة الذين يعتبرونهم «أئمة السلطة»، ولم يقف الأمر عند تغيير الأئمة، بل تعدى إلى عملية تغيير في المناصب التي كان يتحكم فيها أعضاء ومسؤولون في الحزب الحاكم السابق «التجمع الدستوري الديمقراطي»؛ مثل رؤساء البلديات «المحافظات»، وغيرهم.
تحديات مستقبلية
التحدي الأول: اجتماعي اقتصادي، ونقصد به مسألة التفاوت التنموي، وعمق المأساة الاجتماعية التي ساهمت في انتشار مناطق الظل وأحزمة الفقر في البلاد، وهذا التحدي يحتاج إلى جهود تنموية جبار وتوزيع عادل لثروات البلاد، ووضع حد العقلية الاحتكار والأنانية.
ويرتبط بهذا الموضوع مسألة الحساسيات «الجهوية» التي ترسخت على مدى نصف قرن منذ عهد «بورقيبة» وتداعياتها على الوحدة الوطنية، لكن يمكن تجاوزها عن طريق برامج التوعية في التعليم والإعلام والخطاب المسجدي.
التحدي الثاني: سياسي أيديولوجي، ونقصد به بالدرجة الأولى إصرار فئة قليلة ولكنها نشطة، من المتشددين في التيار العلماني من ذوي المواقف المتطرفة، على رفض القبول بالأمر الواقع ورفض فكرة التعددية خارج إطار الأيديولوجية العلمانية.
وقد ارتفعت أصوات أصحاب هذه الفئة بعد الثورة للمطالبة بدولة «علمانية» وشعارات قديمة تذكر بخطاب التيارات الشيوعية اليسارية في الجامعة خلال الثمانينات؛ مثل «لا لعودة الرجعية الظلامية»، والمستهدف من وراء هذا الخطاب بدون شك هو التيار الإسلامي المعتدل.
ويمكن رفع هذا التحدي بتكريس مبدأ احترام التعددية، وترسيخ الوعي باحترام الإرادة الشعبية في الاختيار الحر، علمًا بأن التيارات اليسارية العلمانية تمثل أقلية وستبقى محدودة الشعبية، وإن كان تأثيرها في الظاهر واسعًا بسبب استغلالها للظروف السابقة التي شهدت إقصاء التيار الإسلامي للتغلغل في مؤسسات الدولة وأجهزتها.
التحدي الثالث: مرتبط بما سبقه، وهو حرص جهات خارجية على تشجيع التيار العلماني في تونس حتى يبقى هذا البلد مختبرًا للتجربة العلمانية في البلدان الإسلامية، والسعي بكل جهد من أجل قطع الطريق أمام كل نفس ديني يطالب بالتمسك بالهوية الإسلامية لهذا البلد، وإقصاء الأطراف المنافحة عن هذا المطلب الذي أثبت شرعيته وشعبيته.
والحل هو رفع مستوى اليقظة لمنع أي شكل من أشكال التدخل الأجنبي، إذا كان لا يحترم إرادة الشعب وحريته في تحديد مصيره، إضافة إلى دفع القوى الخارجية إلى مراجعة سياستها في التعامل مع المنطقة العربية وقضاياها، في اتجاه التعامل «الندي»، الذي يقوم على الاحترام المتبادل في إطار فلسفة التدافع الحضاري المشروع.