العنوان في الخرطوم.. رياح التغيير تهب من جديد
الكاتب أبو بكر يس الشنقيطي
تاريخ النشر الثلاثاء 16-فبراير-1982
مشاهدات 63
نشر في العدد 561
نشر في الصفحة 18
الثلاثاء 16-فبراير-1982
تقرير خاص لمجلة المجتمع أعده مراسلنا في الخرطوم أبوبكر يس الشنقيطي
معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية
جامعة الخرطوم
«إن الأمم تموت لسببين في أغلب الأحيان: الجبن وضعف العزيمة، والبخل وعدم الإنفاق». «الرئيس السوداني جعفر النميري»
وبالفعل، فقد كان الرئيس نميري صادقًا مع نفسه ومع قياداته وهو يخاطبها في جرأة قاسية إبان اللقاء الموسع الذي تم في الأسبوع الثالث من يناير الماضي، إثر أحداث الشغب التي عمت البلاد وراح ضحيتها أكثر من عشرين شخصًا جلهم من طلاب المدارس والجامعات، ودمرت في أثنائها العديد من المباني العامة ومئات المحال التجارية والمساكن في الخرطوم وبور السودان وغيرها من المدن، حدث ذلك في أعقاب قرار بزيادة سعر السكر بنسبة ٦٢.٥% في إطار سياسة الإنعاش الاقتصادي التي أعلنها الرئيس نميري منذ عدة أشهر.
وقد أكد نميري أنه سيتخذ مزيدًا من إجراءات التقشف ورفع الدعم عن السلع التموينية، وانتقد بشدة أجهزة الإعلام والصحف ومنظمات الاتحاد الاشتراكي لفشلها في أحداث التعبئة اللازمة لمثل هذه الإجراءات.
نقد مكثف للاتحاد الاشتراكي
غير أن حملة النقد على التنظيم السياسي لم تكن قاصرة على الرئيس وحده، وإنما اشترك فيها عدد كبير من قيادات العمل الوطني، وكان هنالك إجماع كامل على ضعف التنظيم وعدم قدرته على التصدي لمشكلات الجماهير، وبالتالي عجزه عن كسب ولاء القاعدة العريضة.
والاتحاد الاشتراكي السوداني هو التنظيم السياسي الوحيد في السودان، قد أنشئ عام ۱۹۷۲ على غرار الاتحاد الاشتراكي في مصر، ليكون «إطارًا» لتحالف قوى الشعب العاملة على أساس ميثاق سيطرت عليه الروح والأفكار اليسارية. ويتكون بناؤه الهرمي من المؤتمر العام واللجنة المركزية والمكتب السياسي في القمة نزولًا إلى أجهزة المديريات والمناطق والأقسام والوحدات الأساسية. غير أن كل هذه الأجهزة لم تكن في الواقع ذات فعالية تذكر، مما دعا الكثيرين إلى المطالبة بإعادة النظر في الفلسفة التي يقوم عليها التنظيم وفي أجهزته وقياداته، وأن يتم اختيار هذه القيادات بواسطة انتخابات حرة من القاعدة إلى القمة.
والحق أن الرئيس نميري نفسه قد كان يتصرف على الدوام بمرونة كبيرة فيما يتصل بعملية إصلاح التنظيم السياسي. لقد شهدت الفترة منذ المصالحة الوطنية يونيو ۱۹۷۷ وحتى الآن سلسلة من إجراءات الإصلاح شملت إبعاد عدد كبير من العناصر اليسارية القديمة وإدخال بعض العناصر المعتدلة والإسلامية في سيادة التنظيم «اللجنة المركزية والمكتب السياسي».
أما الاتجاه السائد الآن فهو الاحتفاظ بصيغة تحالف قوى الشعب العاملة أساسًا للانتماء للتنظيم، وتعديل النظام الأساسي بصورة تضمن اختيار القيادات بطريقة شورية سليمة. ومن المرجح أن يكون هناك دعوة قوية لإلغاء فروع العمل وتمثيل نقابات العمال والموظفين والمهنيين واتحادات الطلاب في التنظيم السياسي، كما يرجح أن تكون هنالك دعوة قوية لحل المنظمات الجماهيرية التابعة للاتجاه الاشتراكي «الشباب والمرأة»، وإعادة تشكيلها على نفس الأسس المقترحة للتنظيم الأساسي. وكانت هذه التنظيمات -التي يسيطر عليها اليساريون بصفة عامة- قد تعرضت لهجوم شديد من قبل الكثيرين في اجتماع القيادات.
الترابي: دعوة لتعديل الدستور
وقد كان من أبرز المتحدثين في اجتماع القيادات السياسية والتنفيذية الدكتور حسن الترابي، النائب العام الذي قدم تحليلًا سياسيًّا جريئًا لتجربة النظام بكافة جوانبه الدستورية والسياسية والتنفيذية موضحًا مكامن العلل في التجربة، وداعيًا إلى تعديل الدستور تصحيحًا للخلل واستجابة للحاجات المتجددة لأهل السودان، وداعيًا كذلك إلى إعادة النظر في المواثيق الأساسية للنظام، والتي وضعت أساسًا إبان الهيمنة الماركسية على ثورة مايو.
وقد دعا د. الترابي إلى إعادة النظر في استراتيجية التعليم وربطه بعقيدة الأمة، ونادى بضرورة الحفاظ على استقلال الجامعة وعدم المساس بالحريات السياسية المتاحة للطلاب داخلها. كما نادى بكفالة استقلال القضاء وسن تشريعات جديدة تتوخى مقاصد العدالة بنظام فعال يرد المظالم إلى أهلها ويردع المجرمين بطرق ناجزة.
ثم تطرق إلى البنية الاقتصادية وحدد الثغرات الجوهرية الموجودة في التركيب الاقتصادي للمجتمع، وفي العلاقات الاقتصادية للدولة مع المؤسسات الأجنبية كصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، والتي تتحكم بشروطها القاسية في كافة القرارات الاقتصادية التي تصدرها الحكومة.
تحدث د. الترابي أيضًا عن المعادلة بين الأمن والحرية ودعا إلى مزيد من بسط حرية التعبير والحوار في كافة قطاعات المجتمع؛ من أجل ضمان الاستقرار الأمني والسياسي للمجتمع والدولة على حد سواء. ونادى في هذا الإطار بكفالة حرية الصحافة وانتقد الصحف السودانية وأيد الدعوة إلى إنشاء صحيفة ثالثة تعبر عن «الرأي الآخر».
الجنوب ودعوة التقسيم
وكانت نفس فترة التوتر في الشمال قد شهدت مظاهرات عديدة في جنوب السودان ضد رغبة بعض الساسة الجنوبيين في تقسيم الإقليم الجنوبي إلى ثلاث وحدات سياسية وإدارية أسوة ببقية الأقاليم في الشمال. وقد واجهت حكومة الإقليم الجنوبي منذ إنشائها في أعقاب التوقيع على اتفاقية أديس أبابا في ۱۹۷۲ -التي وضعت حدًّا للحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، وأعطى الجنوب بموجبها الحكم الذاتي الإقليمي- واجهت هذه الحكومة تركة مثقلة من الفقر وسوء الخدمات.
إضافة إلى الصراعات السياسية الداخلية بين القبائل الكبيرة في الجنوب، فقد كشفت التجربة أن قبيلة الدينكا التي تشكل قرابة ٥٠% من حجم السكان في الجنوب تستحوذ تلقاء على معظم المناصب في الجهازين التشريعي والتنفيذي، مما أحدث ردود فعل غاضبة في أوساط العناصر المنحدرة من القبائل الصغيرة الأخرى المتمركزة أساسًا في محافظة الاستوائية.
ورائد دعوة التقسيم للإقليم الجنوبي هو اللواء جوزيف لافو المنحدر من إحدى هذه القبائل الصغيرة. وقائد جيش «الانيانيا» على أيام الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، والشخص الذي وقع اتفاقية أديس أبابا مع نميري ورئيس المجلس التنفيذي العالي للإقليم الجنوبي بين الأعوام ۱۹۷۸- ۱۹۸۰. ويقف في معارضته السيد أبيل أليه رئيس المجلس التنفيذي من ۱۹۷۲- ۱۹۷۸ الذي عاد مرة أخرى للرئاسة في عام ١٩٨٠ بعد انتخابات عامة نتج عنها إبعاد كثير من العناصر السياسية التي لا تنتمي لقبيلة الدينكا، مما أعطى دفعة قوية لدعوى التقسيم خاصة بعد انتشار قصص الفساد السياسي والإداري والمالي في الجهاز الحاكم بالإقليم الجنوبي.
وقد كُونت على أثر دعوة اللواء لافو التي أعقبتها مظاهرات الجنوب لجنة من بعض السياسيين المنحدرين أساسًا من قبيلة الدينكا سميت بـ «لجنة وحدة الجنوب»، وبدأت هذه اللجنة في الاتصال ببعض الدول الأجنبية وبعض الضباط الجنديين في الفرقة الأولى؛ مما دفع أجهزة الأمن إلى اعتقال عدد منهم وازداد بذلك الموقف توترًا في الجنوب. حدث هذا في الفترة نفسها التي كان فيها الشمال يشهد أحداث الشغب الدامية، مما أدى إلى مزيد من التوتر في الموقف السياسي والأمني بصفة عامة.
وإذا لم تهدأ الأحوال بدرجة كافية ولإقامة استفتاء عام حول قرار التقسيم، فمن المرجح أن يتخذ الرئيس نميري قرارًا بمد فترة الحكومة الانتقالية العسكرية التي مُدت لها فترة ستة أشهر تنتهي بعد قرابة شهرين.
غير أن هنالك اتجاهًا لإعطاء محافظة الاستوائية وضعًا إقليميًّا في إطار قانون الحكم الإقليمي منعًا للخلافات السياسية وتقديرًا للظروف الاقتصادية التي يعيشها السكان.
بعد اجتماع القيادات.. قرارات مفاجئة للرئيس
وعلى أثر اللقاء الموسع للقيادات السياسية والتنفيذية الذي ترددت في أعقابه تصريحات نُسبت للرئيس عن رغبته في التخلي عن منصبه بحلول منتصف فبراير «موعد المؤتمر الاستثنائي للاتحاد الاشتراكي»، بدأت سلسلة من القرارات المفاجئة، أولها كان تصريح الرئيس نفسه بأنه باق في موقعه كرئيس للجمهورية، ثم كان اجتماعه المغلق مع كبار ضباط قوات الشعب المسلحة الذي أعقبه القرار المتوقع بحل أجهزة الاتحاد الاشتراكي «المكتب السياسي والأمانة العامة واللجنة المركزية»، وتشكيل لجنة شعبية لإعادة النظر في مواثيق التنظيم ونظامه الأساسي وأجهزته كافة. أعقب ذلك القرار المفاجئ بإعفاء النائب الأول لرئيس الجمهورية الفريق أول عبد الماجد حامد خليل، الذي كان أقوى المرشحين لخلافة نميري في حال الانتقال الطبيعي للسلطة.
وقد أحدث قرار إعفاء النائب الأول أصداء واسعة بالداخل والخارج وأحدث ارتباكًا في الموازنات السياسية بين مختلف القوى العاملة في الساحة السودانية، خاصة وأن إعفاء عبد الماجد قد صحبه إحالة أكثر من عشرين ضابطًا من ذوي الرتب الكبيرة في القوات المسلحة السودانية إلى التقاعد.
وقد عُرف عن عبد الماجد عداؤه الشديد للعناصر اليسارية القديمة بالاتجاه الاشتراكي وتعاطفه مع العناصر التي دخلت التنظيم بعد المصالحة الوطنية في يوليو ۱۹۷۷ «الإسلاميين والأنصار»، كما عُرف بسمعته الطيبة كقيادي داخل الجيش وبدوره في بناء القوات المسلحة من حيث التدريب والتسليح.
أما أقوى المرشحين حتى الآن لمنصب النائب الأول لرئيس الجمهورية، فهو اللواء عمر محمد الطيب رئيس جهاز أمن الدولة، الرجل القوي الذي بدأ اسمه يلمع منذ الأيام الأولى للمصالحة الوطنية حتى أصبح نائبًا لرئيس الجمهورية قبل عدة أشهر. وقد لعب اللواء عمر دورًا رئيسيًّا في التصدي لأحداث الشغب الأخيرة وامتدادها. وهو رجل متدين ذو نزعة تصوفية، ويكنُّ عداءً شديدًا لليساريين بصفة عامة.
السياسة الخارجية.. والموازنة الصعبة
من المسلَّم به أن العاملين الرئيسين في تحديد سياسة السودان الخارجية هما الأمن والاقتصاد، فمن الناحية الأمنية فالسودان مرتبط باتفاقية دفاع مشترك مع مصر تتيح له أن يطلب المساعدة العسكرية في حالة حدوث أي خطر خارجي أو داخلي، أضف إلى ذلك التسهيلات العسكرية الممنوحة لأمريكا لتيسر إمكانية الاستفادة من زمن التدريب المتاحة خلالها، وقد كان آخرها مناورات النجم الساطع التي اشتركت فيها قوات سودانية- مصرية- أمريكية. أما برنامج الدعم العسكري الأمريكي للقوات السودانية فقد شهد تباطؤًا من قبل أمريكا مما دفع السودان إلى الاتجاه نحو الصين غالبًا للتسليح، ومما حدا بالرئيس نميري بمقابلة الرئيس المصري حسني مبارك قبيل سفره إلى أمريكا أملًا أن يضغط على الإدارة الأمريكية لكي تفي بالتزاماتها العسكرية نحو السودان.
أما في المجال الاقتصادي فالسودان يعتمد على المساعدات والقروض الخارجية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي لأمريكا ودول الخليج والسعودية، إضافة إلى الاتفاق بالدفع المتبادل مع مصر. وقد شهدت الفترة الأخيرة فتورًا في العلاقات السودانية السعودية نتيجة للموقف السوداني في مصر- السادات. وقد انعكس هذا الفتور على إمدادات البترول السعودي للسودان، وإذا علمنا أن البترول فقط يستنزف أكثر من ٩٠% من عائد الصادرات السودانية من المحاصيل لاتضحت أهمية العامل الاقتصادي في تحديد السياسة الخارجية للسودان.
إن الموازنة الصعبة بين عاملي الأمن والاقتصاد تتطلب قدرًا كبيرًا من الحركة الدبلوماسية للسودان خاصة في مجال إعادة التضامن العربي. وبالرغم من الزعامة المعتدلة للرئيس حسني مبارك ما يتصل باستعادة العلاقات العربية- المصرية إلا أن هنالك الكثير مما يجب عمله على السودان حتى يخرج من حجري الرحى بأقل الخسائر الممكنة وبأسرع وقت ممكن.
إن مصر بالنسبة للسودان ليست السياج الآمن فقط، ولكنها القبلة التعليمية والثقافية، وقد سجل الثقل المصري على الساحة السودانية -وفيها- حضورًا قويًّا ومتصلًا منذ الحكم الثنائي.
أما دول الخليج والسعودية فتعني بالنسبة للسودان الخروج المؤقت الدائم من حافة الانهيار الاقتصادي.
وبين هذه وتلك يصبح وضع معادلة مقبولة للسياسة الخارجية أمرًا بالغ الدقة والصعوبة.
وفي واقع الأمر فقد وجهت انتقادات عديدة للطريقة التي توضح بها السياسة الخارجية، حيث تقتصر على وزارة واحدة دون إشراك الجهات الأخرى ذات الاختصاص كوزارة المالية والتخطيط الاقتصادي ومجلس الأمن القومي ووزارة التربية والتوجيه.
الإصلاح الديني.. الهاجس الأساسي للرئيس
ركز الرئيس نميري في حديثه أمام القيادات تركيزًا شديدًا على الإصلاح الديني وقال إن ذلك هو هاجسه الأساسي، وقال إن السودانيين يجب أن يعملوا لإصلاح بلادهم ومجتمعهم كمجتمع إسلامي لأن الإسلام هو دين الأغلبية مع احترام بقية الأديان الأخرى.
وقد سرد الرئيس نميري عددًا من الإنجازات التي حققها في مجال الإصلاح الديني، فأشار إلى أن برنامجه للولاية الثانية قد ارتكز على النهج الإسلامي وأنهم قد عملوا على ضرب المثل والقدوة للمواطنين بطرح مبدأ القيادة الرشيدة، كما عملوا على تشجيع دور العبادة ومحاربة الأفكار الهدامة، وعملوا على تشجيع المؤسسات الاقتصادية الإسلامية، وعلى نشر اللغة العربية وأقاموا منافسات تشجيعية في حفظ القرآن، إضافة إلى تشكيل لجان لمراجعة القوانين لتتماشى مع الشريعة الإسلامية.
الفساد.. الفساد
وكان الرئيس نميري قد شن حملة كبيرة على مظاهر الفساد التي استشرت في قيادات كثير من إدارات الدولة ومؤسساتها، الشيء الذي أدى إلى كثير من مظاهر الفشل الملازمة لهذه المؤسسات.
وقد ذكر الرئيس أن الفساد الحقيقي المستشري الآن بالبلاد هو بيع الذمم ومصالح الوطن لتحقيق مصالح ذاتية ضيقة، وأشار إلى المسؤولين الذين يتقدمون باستقالاتهم أو تُنهى خدماتهم فيستغلون أسماء الوزارات والمصالح التي كانوا فيها، وأشار أيضًا إلى الذين تصرف عليهم الدولة في البعثات والكورسات ولا يعودون للوطن.
وقد أكد نميري أن الإجراءات التي سيتخذها من أجل الإصلاح الاقتصادي ستكون «صعبة جدًّا».
وبعد:
إن رياح التغيير السياسي في السودان قد بدأت تهب من جديد، وستشهد الأيام القادمة مزيدًا من القرارات لا محالة -وربما الأحداث أيضًا-، ويرى كثير من المراقبين أن النتائج تعتمد على مدى استخدام الرئيس نميري لحكمته وقدرته المشهودة في البقاء فوق الصراعات السياسية واتخاذ القرارات الحاسمة في مواقيتها الحاسمة.