; الإسلام هو مستقبل البشرية | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام هو مستقبل البشرية

الكاتب د. عبد الله عزام

تاريخ النشر الثلاثاء 11-نوفمبر-1980

مشاهدات 76

نشر في العدد 504

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 11-نوفمبر-1980

يشير كثير من المؤشرات، ويوحي كثير من الومضات، إلى أن هذه العقيدة هي المرشحة الآن لإنقاذ البشرية، ولتأخذ على عاتقها تخليص الإنسانية من وهدة الشقاء التي لم تعد تجد منها مهربًا، وكاد الإنسان ييأس من النجاة بعد أن عانى ما عانى من ويلات الجاهلية، ضياعًا في متاهاتها وشقاء يمزق الأعماق، وحيرة تأخذ بالألباب، واضطرابًا يفتت الأكباد.

وعاد كل ذي لب يحسب بهذه النتيجة التي آلت إليها البشرية، وأصبح كل مبصر يدرك أن هذا الدين الذي ارتضاه الله للبشرية رحمة وشفاء قد جاء دوره، وأن له أن يتقدم ليريح هذا الإنسان الضائع الحائر.

عاد المسلم يلمس -أو يكاد- أن هذا الدين مقبل من بعيد ليأخذ بيد الإنسان الشرقي والغربي على السواء.

وهناك عدة أسباب تجعلنا نؤكد - بإذن الله - أن المستقبل لهذا الدين أهمها:

1- هذا الدين هو الذي يوافق الإنسان ويتناسق مع الفطرة.

2- انهيار الحضارة الغربية.

3- المبشرات النصية من (الكتاب والسنة).

4- المبشرات الواقعية في الأرض وعودة الإنسان إلى الله.

هذه الأسباب طليعة الأسباب التي تجعلنا نؤكد بإذن الله أن هذه العقيدة هي الواحة التي سترتاح في ظلالها البشرية، وسأحاول أن أشرح بإيجاز كل نقطة من هذه النقاط الأربع:

(1) المبرر الأول: الإسلام دين الإنسان (دين الفطرة):

إن الإنسان مخلوق بيدي العزيز الحكيم، وهذا الدين هو الروح الذي أنزله الله ليريح هذا الإنسان وقد وضح الله U أن سعادة الإنسان مرتبطة بمنهاج الرحمن من اللحظة الأولى فور مغادرة الإنسان الجنة إلى الأرض فخاطبه قائلًا: ﴿قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ (طه: 123-124).

إن أنعم إنسان في الأرض إذا جاعت معدته وأخذت تتلوى من ألم الجوع فلن يسكتها القناطير الذهبية، ولا الهتافات الشعبية، ولا العمارات الشاهقة، ولا السيارات الفارهة، لن يشبعها إلا قليل من الطعام يدخلها فيسكن الألم الذي يعتصرها، وذلك لأن منهاج ربها في إشباعها هو الطعام.

وكذلك الروح الجائعة لن تشبعها الدنيا بكاملها لو عزمت عليها، لأن منهاج ربها في الإشباع هو العبادة والذكر.

إن الراحة النفسية التي يؤمّنها المنهج الإلهي للنفس البشرية لا توصف، ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ وَلِلَّهِ جُنُودُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا﴾ (الفتح: 4).

فكأن السكينة جندي من جنود الله يأمرها الله بأن تعمر القلوب المؤمنة فتسعد وترغد، وأن تغادر القلوب الفاجرة فتشقى. يقول ابن تيمية: «ماذا يصنع بي أعدائي؟ إن جنتي وبستاني في صدري لا تفارقني، إن قتلي شهادة، ونفيي سياحة، وسجني خلوة» وقال: «إن في الدنيا جنة من لا يدخلها لا يدخل جنة الآخرة».

فبستانه ومحيط مستراحه في الداخل لا يأتي من الخارج من دنيا الحكام الذين غضبوا عليه فخاطبهم بهذا القول، وقال بعضهم معبرًا عن سعادته الغامرة: «لو علم الملوك ما نحن فيه لجالدونا عليه بالسيوف».

(2) المبرر الثاني: انهيار الحضارة الغربية:

لقد انهارت الحضارة الغربية لأنها أرادت أن تطير بجناح واحد «الجناح المادي»، وأرادت أن تتعامى عن طبيعة الإنسان، فما استطاعت أن تقوم على رجل واحدة.

لقد تسلم الرجل الغربي قيادة البشرية بعد أن خاض معركة شرسة مع الكنيسة، وبعد أن دفع ثمنًا غاليًا ليحطم القيود الوثيقة التي كبلته بها، ورأى أمام عينه زهرة أبناء مجتمعات أوروبا تحرق في الشوارع العامة على يد محاكم التفتيش الكنسية، ولذا سخط على الكنيسة وإلهها، ونفض عن كاهله غبار القرون المتراكم، وانطلق لا يلوي على شيء، لا يقبل وصاية من دين ولا من حزب ولا يريد أن يؤمن بشيء، يغل يده ويحجر على عقله، وحارب التفكير الديني والطابع الغيبي.

ولكن الجوعة الروحية التي كانت تشبع -نوعًا ما- من خلال تردده على الكنيسة وإيمانه بالآخرة ولقائه برجال الدين، هذه الجوعة لم يعد يشبعها شيء، فحصل الفراغ الروحي الهائل، وسبب انهيار الحضارة الغربية واضح بسيط: هو أنها قامت بلا دين، اتخذت ربها وراءها ظهريًا.

﴿وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ (33) لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآَخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ (الرعد: 33-34).

يقول برجسون الفيلسوف الفرنسي: «إن فصل الدين عن العلم هو فناء محتوم للاثنين».

ويقول برنارد شو: «كنت أعرف دائمًا أن الحضارة تحتاج إلى دين، وأن حياتها أو موتها يتوقفان على ذلك».

فأوربا فشلت في أن تتعامل مع الروح؛ لأنها لا تقاس بالأمتار ولا توزن بالجرام، ولا تخضع للبارومتر الزئبقي، ولذا حصل الشقاء للإنسان الحضاري المادي الغربي، بل الحضارة العربية زادت في شقائه وحيرته.

يقول ألكسيس كاريل «الإنسان ذلك المجهول»: «إن القلق والهموم التي يعاني منها سكان المدن العصرية تتولد عن نظمهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية، فإن البيئة التي أوجدها العلم للإنسان لا تلائمه لأنها أنشئت دون اعتبار ذات الإنسان». ويضيف برتراند رسل«الفيلسوف الإنجليزي» شقاء الإنسان فيقول:

«إن حيوانات عالمنا يغمرها السرور والفرح، على حين كان الناس أجدر من الحيوان بهذه السعادة، ولكنهم محرومون من نعمتها في العالم الحديث، واليوم أصبح من المستحيل الحصول على هذه النعمة والسعادة».

 

ويقول ماكنيل:

«إن الحضارة الغربية في الطور الأخير من أطوار حياتها الأشبه بالوحش الذي بلغت شراسته النهاية في انتهاكه لكل ما هو معنوي، وبلغ اعتداؤه على تراث السلف وعلى كل مقدس ومحرم قمته، ثم أغاص مخالبه في أمعائه فانتزعها وأخذ يمزقها ويلوكها بين فكيه بمنتهى الغيظ والتشفي».

إن الخواء الروحي، والفراغ في حياة الغرب وعدم وجود غاية كبرى يهدف إليها الإنسان والجحود بالإله الذي تفزع إليه وقت الشدة والحزن، كل هذه أوصلت الغرب إلى المصير المؤلم والنهاية الأسيفة المحزنة. إنه الشقاء، والتمزق الداخلي، والتوتر العصبي والفزع وشبح هول الحرب المسيطر على الأخيلة، إنه الهروب من الحياة إلى الكحول ثم المخدرات، وأخيرًا لا بد من وضع حدٍّ لهذه الحياة البيئية التعيسة بالانتحار الذي هو إعلان عام أن الشقاء في النفس لم يعد يحتمل كما فعل جاكوب سارينو، وأرنست هنغواي، ونيتشه وغيرهم.

لقد عقدت جامعة هارفارد في سنة 1979م مؤتمرًا لكبار الأساتذة والمفكرين وعلماء النفس والاجتماع، وجميع مجالات العلوم الإنسانية، وطُرح على المؤتمر سؤالان:

1- ما معنى الحياة في أمريكا؟

2- ما فلسفة التعليم وهدفه في أمريكا؟

والذي لفت نظر الأستاذ الذي حضر لهذا المؤتمر هو رسالة دكتوراه تحت عنوان «عدد الحمير في العالم» قدمت للجامعة فاستغرب كيف تنفق حياة البشرية في هذه الأمور التافهة فرتب لهذا المؤتمر.

وتصور معي الضياع الذي تعاني منه بلد كأمريكا التي مضى على استقلالها مئتا عام ولا تحدد معنى الحياة بعد، ولم ترسم لتعليمها فلسفة ولا هدفًا.

لقد لخص شوبنهار حياة الغرب في كلمات فقال: «إن الحياة تتأرجح من اليمين إلى اليسار، من الألم إلى الملل، وليستغث هذا الغرب المسكين إلهه إذا شاء، إنه سيظل فريسة مصيره، فالقدر لا يرحم».

لقد خنقت مداخن المصانع الروح الإنسانية في الغرب.

لقد قتلت الإله صانعها ومهندسها.

لقد تكدست أكوام الإنتاج والآلات على المجتمع الغربي فسحقته.

لقد تكومت أكداس النقود على القلب الغربي فخنقته.

لقد انطلق إشعاع الذرة فأباد الرحمة والخلق في أعماق الإنسان.

إن الإنتاج البشري الهائل في عالم المادة يحتاج إلى ضوابط خلقية لتحميه من التدمير، لا بد من صمام أمان للطاقة الجبارة التي تحملها اليد الغربية، وهذا الصمام يتمثل في الاتصال بالله، والخوف من حساب الآخرة، والرحمة بعباد الله، والغنى النفسي الذي لا يوفره سوى الإيمان بالله، والرضى بقضائه، والصبر على بلائه.

الرابط المختصر :