العنوان قراءة في مقولة: الغرب جاحد كافر ولكنه قوي متحضر ممكن في الأرض
الكاتب أحمد إبراهيم خضر
تاريخ النشر السبت 15-يناير-2011
مشاهدات 64
نشر في العدد 1935
نشر في الصفحة 38
السبت 15-يناير-2011
ألكسندر سولز هنستاين الغرب: يتعرض للتآكل واختفاء القيم.
دومينيك مويسي: الحقبة الطويلة التي ساد فيها الغرب على العالم في طريقها إلى الانتهاء بسبب سلوكياته غير المسؤولة.
وليم بينيت وزير التعليم الأمريكي الأسبق: منذ الستينيات تزايد عدد سكان أمريكا بنسبة 41% وتضاعف الدخل القومي ثلاث مرات ولكن جرائم العنف زادت بنسبة 560% والمواليد غير الشرعيين بنسبة 419% وزاد انحراف الشباب بنسبة 200%.
«هاهي ذي أوروبا كافرة جاحدة، ومع ذلك فهي قوية متحضرة ممكنة في الأرض، وهي رغم عدم تدينها ذات أخلاق بينما نحن أصحاب دين، ولكننا ضعاف متخلفون، وفضلا عن ذلك فنحن أمة بلا أخلاق! فلنترك هذا الدين إذن، ولنفعل كما فعلت أوروبا حين انسلخت من دينها لتتقدم وتتحضر«.. هذه المقولة هي التي اقتنع بها المثقفون المفتونون بالثقافة الغربية، ثم نقلوها للناس وجروهم وراءهم
وولكر بيرسي: أخشى أن أرى أمريكا.. هذه القوة العظمى بجمالها وبقيم الحرية التي تسودها تغوص في مستنقع من العفن والتسوس
يفند الأستاذ محمد قطب هذه المقولة ويرد عليها على النحو التالي:
أولًا: أوروبا جاحدة كافرة نعم وهي تجمع في أيديها كل أسباب القوة، ولكن كفرها وجحودها ليس عديم الأثر في حياتها كما توهم المثقفون لأول وهلة، إنما له تأثيران عميقان في كيانها كله، أحدهما قريب صاحب هذه «الحضارة» منذ مولدها، ويزداد معها على الدوام، والآخر ينتظرها في نهاية المطاف.
فأما التأثير الأول: فهو «القلق» النفسي والعصبي والفكري، لأن الله -الذي فتح عليهم أبواب كل شيء لما نسوا ما ذكروا به إجراء لسنة من سننه تعالى- قد أنذر البشرية من قديم، أنها إن عدت عن أمر ربها فقد يغرقها في المتاع الأرضي إلى حين -استدراجًا لها- ولكنه لا يمنحها البركة ولا طمأنينة القلب، فهما من حصيلة الإيمان، لا يمنحهما الله إلا للمتوجهين إليه الذاكرين له المقرين بالوهيته القائمين بعبادته:
﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَىٰ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَٰكِن كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ (سورة الأعراف: 96)
﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (سورة الرعد : 28)
و«القلق» هو السمة الغالبة على هذه الحضارة منذ يومها الأول، ولكن حصيلته تزداد وضوحا يوما بعد يوم، وتقول إحصاءاتهم دائماً : إنه أخذ في الازدياد، سواء في صورة أمراض نفسية وعصبية أو جنون وانتحار أو إدمان على الخمر والمخدرات، أو جنوح إلى الجريمة، أو تمزق في علاقات الأسرة وعلاقات المجتمع.. إلخ.
وأما التأثير الثاني الذي ينتظر الحضارة في نهاية المطاف فهو الانهيار الذي تنبأ به كثير من عقلاء، تلك الحضارة أنفسهم، وإن كانوا لم يملكوا لأنفسهم الفكاك لأنهم ينذرون غيرهم بالخطر وهم أنفسهم في داخل الكيان المنهار.
ثانيًا: لن تنهار الحضارة الغربية المسيطرة اليوم على البشرية بالسرعة التي يتخيلها بعض الناس حين تتكلم عن الانهيار، لأنها تحمل من أسباب القوة والإيجابية ما يؤخر الانهيار المحتوم تحمل قوة العلم، وقوة الصبر والجلد على العمل، وقوة التنظيم، وقوة الروح العملية في دراسة المشكلات والبحث لها عن حلول.. ولكنها كلها لا تستطيع أن تحول دون النهاية المحتومة لأنها من سنة الله.
ثالثًا: بالنسبة لقضية الأخلاق، نجد أن الأخلاق الغربية أخلاق »نفعية«، لا أخلاق حقيقية جميلة المظهر، نعم.. ولكنها عديمة الجذور، لأنها منبتة الصلة بالمعين الحقيقي للأخلاق -وهو الدين- ولذلك أخذت تذوي وخرج بعد الحرب العالمية الثانية جيل ينسلخ تدريجيًا من تلك الأخلاق، وينزلق إما إلى الجريمة، وإما إلى الفوضوية وانعدام المبالاة والنسبة آخذة في الازدياد.
رابعًا: أن الذي حل بالمسلمين لم يكن نتيجة أنهم مسلمون إنما كان بسبب الخواء التدريجي الذي حل بكل مفاهيم الإسلام الرئيسة نتيجة خط الانحراف الطويل، الذي فرغ لا إله إلا الله من مدلولها الحقيقي، وحول الإسلام كله إلى تقاليد خاوية من الروح.
خامسًا: إن وضوح هذه الحقيقة بالنسبة للحضارة الغربية من جهة، وبالنسبة لواقع المسلمين في القرون الأخيرة من جهة أخرى له تأثيره ولا شك في الصحوة الإسلامية فهو رافد يمدها على الدوام بمدد جديد من الأجيال الناشئة يتزايد باستمرار، كلما بدا عوار الجاهلية المعاصرة واضحًا للأعين أدرك الناس حقيقة الإسلام كما هي في كتاب الله وسنة رسوله، وكما كانت مطبقة في حياة السلف الصالح رضوان الله عليهم، وأدركوا إلى جانب ذلك مدى بعد الأمة في وقتها الحاضر عن حقيقة الدين.
ويؤيد الكتاب والمفكرون الغربيون صحة ما وصل إليه الأستاذ محمد قطب عن حقيقة انحدار الحضارة الغربية، نختار منهم اثنين: أولًا: في 10 فبراير 2010م كتب »دومينيك مويسي«، الأستاذ الزائر في جامعة هارفارد مقالة بعنوان »الانحدار النهائي للغرب« يقول فيها: «إن الحقبة الطويلة من الزمن التي ساد فيها الغرب على العالم في طريقها إلى الانتهاء، والسبب في ذلك هو أخطاء الغرب وسلوكياته غير المسؤولة نحن الآن ندخل في دورة تاريخية جديدة تتميز بقلة الغربيين وكثرة الأفارقة والشرق أوسطيين مع العديد من الآسيويين من ذوي القوة الاقتصادية والإستراتيجية.
على الأمريكيين والأوروبيين أن يسلكوا سلوكيات تتسم أكثر وأكثر بالمسؤولية لمواجهة التحديات الاقتصادية والديموجرافية الثورية، فبدلًا من »تجاهل الآخرة« »على الطريقة الأمريكية«، أو »الأنا المجروح«، »على الطريقة الأوروبية« عليهم جميعًا أن يواجهوا التحديات المشتركة الناجمة عن سياسة العولمة التي من غير المتوقع أن تصمد طويلًا..«
ثانيًا: قامت مؤسسة »تمكين أمريكا« بالتعاون مع مؤسسة «هيريتاج« بإجراء تحليلات للظروف الاجتماعية والقيم السلوكية والحضارية للمجتمع الأمريكي الحديث في الفترة من 1960م وحتى أكثر من ثلاثين سنة بعدها، اعتمدت هذه التحليلات على قاعدة بيانات إحصائية ومقاييس دقيقة، ظهرت نتائج هذه الدراسة في مقالة كتبها »وليم بينيت« وزير التعليم الأمريكي الأسبق بعنوان »قياس الانحدار الأمريكي«، يقول فيها: «ربما لا يندهش القارئ إذا علم أن البيانات التي ظهرت قد أوضحت لنا أن الوضع الثقافي في أمريكا بعيد عن أن يكون صحيًا، ولكن الذي يصدمنا حقيقة هو قدر هذا الانحدار الذي وصل إليه مجتمعنا في الثلاثين سنة الماضية على الرغم من كل الجهود الحكومية الضخمة التي بذلت من أجل تحسينه.
تزايد عدد السكان منذ الستينيات بنسبة 41%، تضاعف ناتج الدخل القومي ثلاث مرات تزايد الإنفاق الاجتماعي الحكومي من 143 بليون دولار إلى أكثر من 787 بليون دولار ولكن خلال هذه الفترة كانت هناك زيادة في جرائم العنف بنسبة 560%، وزيادة في نسبة المواليد غير الشرعيين قدرها 419%، معدلات الطلاق زادت أربعة أضعاف، كما تضاعفت ثلاث مرات نسبة الأطفال الذين يعيشون في أسر ذات العائل الواحد، وزادت نسبة انحراف الشباب 200%.
استشهد »بينيت«، في دراسته بآراء العديد من المفكرين والكتاب الأمريكيين في بيان الحالة التي وصل إليها المجتمع الأمريكي وسجل شهادتهم على النحو التالي:
1. يقول العالم الاجتماعي، »جيمس ويلسون« إن أخلاقيات قيم التعبير عن الذات قد فاقت أخلاقيات ضبط الذات وخاصة بين الشباب بمعنى أن الشباب لم يعد يضع ضوابط يكبح بها هوى نفسه، وذلك بسبب ضعف القوة الاجتماعية التي تضع قيودا على وسائل التعبير عن الذات.
2. يقول »دانييل يانكلوفيتش»: »إن مجتمعنا لا يعطي الآن قدرًا من الاحترام المسائل الالتزام الأخلاقي، ولا لقيم التضحية ولا للقيم التي تقيد إشباع لذة الجسد وممارسة الجنس«.
3. سئل »وولكر بيرسي«، وهو أحد الكتاب الأمريكيين البارزين عما يقلقه بالنسبة لمستقبل أمريكا فقال: «إني أخشى من أن أرى أمريكا هذه القوة العظمى بجمالها وبقيم الحرية التي تسودها تغوص بالتدريج في مستنقع من التسوس والعفن الذي يؤدي حتما إلى هزيمتها، ليس من خارجها ولكن من داخلها هي مع انتشار القيم السلبية والعجز في مواجهة مشكلاتها الكبرى«
4. يقول »الكسندر سولز هنستاین» إن الغرب يتعرض الآن للتأكل واختفاء القيم والمثاليات والأخلاقيات العليا، لقد بهت فيه المحور الروحي في الحياة«
5. يقول »جون أبدايك»: »إن الحقيقة هي أننا إذا قارنا أنفسنا بالروس أو حتى بالأفارقة فإننا لا تستطيع حتى أن تسكن الألم الذي نعانيه من الشعور بأننا لم نعد نعش طويلًا بأخلاق ونبالة«
المصادر
1. عادل سليمان جمال جمهرة مقالات الأستاذ محمود محمد شاكر، الجزء الأول، مكتبة الخانجي، القاهرة، ص 94
2. محمد قطب، واقعنا المعاصر، دار الشروق 1997م، ص 513-515.
3. Dominique Moïsi. The final decline of the West. European voice.com
4. William J. Bennett. Quantifying America's Decline. April 1993. www. ashbrook.org/publicat/ onprin/.../bennett.html