; رؤية إسلامية.. للنظام الاقتصادي الغربي | مجلة المجتمع

العنوان رؤية إسلامية.. للنظام الاقتصادي الغربي

الكاتب د .أحمد عبدالحميد غراب

تاريخ النشر الثلاثاء 02-ديسمبر-1986

مشاهدات 80

نشر في العدد 794

نشر في الصفحة 36

الثلاثاء 02-ديسمبر-1986

  • النظام الربوي في الغرب أفاد الأغنياء وحول أبناء الطبقات الأخرى إلى شحاتين.

من أهم المعالم الرئيسية للنظام الرأسمالي الغربي أنه يقوم على الملكية الخاصة، ويطلق الحرية لتضخم رؤوس الأموال، وبخاصة عن طريق الربا والاحتكار، كما يطلق للقلة الرأسمالية استخدام الموارد العامة للثروات في عمليات السوق -الحرة، التي تعمل عملها -في الظاهر- بدون تدخل من الدولة، وتخضع -في الظاهر- لقوى العرض والطلب. والواقع -كما سنرى- القلة الرأسمالية تتحكم في النشاط الاقتصادي للمجتمع كله، وذلك عن طريق مؤسساتها العديدة التي تشمل سلطة الدولة نفسها، وحق التشريع والبنوك الربوية، والاحتكارات العالمية، ووسائل الإعلام. 

ومن المعروف أن هذا النظام قد أدى بطبيعته الربوية الاحتكارية إلى تركيز الثروة في أيدي القلة من الأغنياء، ومن ثم إلى خلق هوة واسعة بين هذه القلة من الأغنياء والكثرة من الفقراء. كما أدى هذا النظام إلى الاستعمار، وبالتالي إلى خلق هوة أوسع بين قلة من الدول الغنية في الغرب، وكثرة من الشعوب الفقيرة فيما يسمى بالعالم الثالث وأولى أن يسمى بالعالم الإسلامي لأن معظم سكانه مسلمون.

ومن أخطر مظاهر هذه الهوة تلك الفروق الهائلة في مستوى المعيشة بين الأغنياء والفقراء بوجه عام وبين المجتمعات الصناعية والشعوب التي تسمى نامية بوجه خاص. وفي جانب القلة الغنية نجد الإسراف والترف، وما يصحبهما من فق وفواحش، وتشجيع الصناعات الترف، وإقبال على ثقافة الانحلال الخلقي، والإعلام الهابط، الذي يعتمد على الإثارة وبخاصة إثارة الغرائز الجنسية. 

وفي جانب الكثرة نجد الفقر وما يصحبه من أمية وجهل ومرض بل ومجاعات يموت فيها الآلاف من الفقراء جوعًا.

وفي عالم بني هيكله الاقتصادي والاجتماعي على الظلم والبغي، وعلى المادية والإلحاد، كما بني عالمنا المعاصر لا بد أن يعاني الملايين من البشر الفقر والجوع. وذلك لعدة أسباب: 

منها أن هؤلاء الفقراء الجياع لا يحتاج إليهم في النظام العالمي الحاضر كمنتجين للسلع ومنها الطعام لأن الآلات والتكنولوجيا الحديثة تغني عنهم بل ولا يحتاج إليهم كمستهلكين، لأن الرأسماليين يبيعون سلعهم «ومنها الطعام» لمن يستطيعون دفع الثمن الذي يحددونه وهؤلاء الفقراء الجياع لا يستطيعون، ولهذا يتضورون أو يموتون جوعًا، لا لأن الطعام غير موجود، بل لأنهم لا يملكون ثمنه.

ومنها أن هؤلاء الفقراء الجياع ذوو أعداد كبيرة وهذه الأعداد الكبيرة لا تخدم أطماع القلة الرأسمالية التي تريد دائمًا أعلى ربح بأقل أجر وفي أقصر وقت ومن ثم تستخدم أقل عدد ممكن من الأيدي العاملة مع الاحتفاظ بجيش جرار ودائم من العاطلين: جيش احتياطي هائل وظيفته الأساسية تخويف العاملين من شبح البطالة، حتى يرضوا بالأجور المنخفضة، فالأجر المنخفض على أية حال أفضل من البطالة. 

ومنها أن تشغل الدول الاستعمارية «التي تسمى «متقدمة»!» الشعوب المستضعفة «والتي تسمى «نامية»!» بمشاكل التخلف، ولا سيما مشاكل الفقر والدين حتى تستغرق حياتها وحياة أفرادها في كدح دائم من أجل لقمة العيش، فلا يكاد يجد الناس فيها وقتًا أو وسيلة لمقاومة الظلم والبغي، فضلًا عن تحقيق الهوة والتقدم.

وهذا النوع من الظلم الاجتماعي والسياسي قد نشأ عنه اتجاه مادي واضح في المجتمع الغربي، وفي المجتمعات الإسلامية التي تقلده وتتبنى أنماطه الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، وهو الاتجاه إلى تقويم الإنسان بمقاييس مادية خالصة، أي بمقدار ما يملك من المال أو ما يقوم بالمال.

مفهوم الثروة:

ويتضح هذا التقويم المادي للإنسان في مفاهيم غربية كثيرة منها على سبيل المثال مفهوم التنمية.

ففي معجم من أشهر المعاجم في الاقتصاد الغربي «1» تعرف ثروة الفرد بأنها المجموع الكلي لممتلكاته المحسوسة وغير المحسوسة، إذا كان لهذه الأخيرة قيمة مالية «أي يمكن أن تسوق أو تباع وتشترى وتتبادل» والممتلكات المحسوسة مثل: المنازل والبضائع والأسهم والحسابات المصرفية. والممتلكات غير المحسوسة مثل: المهنة التي يزاولها الفرد وعلاقاته المهنية ومهاراته في مهنته أو في غيرها «إذا كانت هذه المهارات تقوم، أو يمكن أن تقوم بالمال أو يمكن أن تسوق: أي تباع وتشترى وتتبادل»

وهذه الممتلكات غير المحسوسة تسمى أحيانًا: الثروة البشرية، أو رأس المال البشري.

وهناك عمليات تدريب وتأهيل تنتج رأس المال البشري، كما تنتج آلات المصانع رأس المال المادي.

ومن الخصائص الرئيسية للثروة -بهذا المفهوم- أنها وسيلة لإنتاج الدخل ويترتب على هذا أن قيمة الثروة تتحدد برأس المال مضافًا إليه القيمة المالية الراهنة أي في الوقت الحاضر للدخل الذي تنتجه تلك الثروة.

وبما أن الربا يلعب دورًا أساسيًا في الاقتصاد الرأسمالي الغربي فإن رأس المال يودع غالبًا في البنوك الربوية في حساب الودائع ACCOUNT‏ ‏DEPOSIT وتقدر ثروة الفرد في هذه الحالة برأس ماله المودع مضافًا إليه ما «ينتجه» من الفوائد الربوية.

مفهوم التنمية:

ويتصل بهذا المفهوم المادي للثروة مفهوم مادي آخر وهو مفهوم التنمية. يقرر الأستاذ هاريسون «‏HARRISO» -وهو أحد أكبر الباحثين المختصين في شؤون التنمية في العالم الثالث «2»- أن آراء الأغلبية من مفكري الغرب، والأغلبية من الصفوة المثقفة في العالم الثالث «وهي «الصفوة» التي تتشبه بالغرب وتقلده في الفكر والسلوك» تجعل مفهوم التنمية مساويًا لمفهوم العصرية، وتجعل العصرية مساوية لانتصار المادية الغربية.

AND MODERNIZATION EQUALS THE EQUALS MODERNIZATION

DEVELOPMENT

TRUIMPH OF WESTERN MATERIALISM

وهذا يعني الإنتاج بالجملة، وتضخم رؤوس الأموال في عمليات ربوية، وظهور المجتمع الاستهلاكي الذي يتميز بعادات استهلاكية نتجه عادة نحو الإسراف والترف، وتتسع فيه الهوة بين الأغنياء والفقراء، وتستخدم فيه التكنولوجيا الحديثة لتقليل نفقات الإنتاج، وتخفيض الأجور، والاستغناء عن كثير من العاملين، وبذلك تنتشر البطالة، ويزداد عدد الفقراء الجياع. 

هذا بالإضافة إلى استخدام التكنولوجيا الحديثة في صناعات الترف التي تحقق ثراء سريعًا، وفي صناعة الأسلحة التي تحقق ثراء أسرع «ولا سيما عن طريق بيعها للمسلمين لقتل بعضهم بعضًا، وبهذا تستنزف دماءهم وثرواتهم في آن واحد». 

وتستعمل التنمية بهذا المفهوم المادي في العالم الثالث ستارًا لتحقيق نوع جديد من التبعية للغرب، وتحقيق مزيد من سيطرته الاقتصادية والسياسية على الشعوب الأخرى، وذلك بفتح أسواقها للمنتجات الغربية، وفتح أبوابها المشروعات «التنمية» التي تستثمر فيها رؤوس الأموال الغربية من ناحية، وتثقل كواهل الشعوب بالديون الربوية من ناحية أخرى.

ويقرر الأستاذ هاريسون كذلك «3» أنه في الأولى «لاستقلال» العالم الثالث، وإلى نهاية العقد الأول للتنمية سنة 1970م – كان هناك نموذج واحد يسود تفكير معظم الدول النامية، ووكالات التنمية والمساعدات الدولية. وذلك النموذج يتلخص في إتباع خطوات الغرب في التنمية، للوصول إلى مجتمع التصنيع والاستهلاك كل الدول النامية يجب أن تبذل قصار جهودها الخلق مجتمع ناطحات السحاب، وأجهزة التلفزيون في كل بيت والسيارات في كل جاراج، والمدن الكبيرة المكتظة بالسكان. 

ومن الواضح أن الغرب ما زال يبذل قصارى جهده أيضًا ليظل هذا النموذج للتنمية سائدًا في العالم الثالث حتى الآن. 

ومن الواضح كذلك أن التنمية بهذا النموذج العنصري إنما تعني التغريب. تعني أن يفرض على كل المجتمعات أن تمر بنفس المراحل التي يمر بها الغرب في تطوره من مجتمع الصيد إلى مجتمع الزراعة إلى مجتمع الصناعة، وأخيرًا إلى مجتمع ما بعد الصناعة: مجتمع التكنولوجيا المتقدمة، والاستهلاك بالجملة وأوقات الفراغ. ومن ثم فعلى اقتصاد العالم الثالث أن يمر بمراحل ثابتة من التطور من المراحل البدائية والزراعية إلى مرحلة الانطلاق «أو الإقلاع) إلى النمو OF STAGE

THE TAKE

وعند هذه المرحلة تنهار كل المعوقات والعادات والقيم والأخلاق التي تمثل المقاومة الاجتماعية لهذا النوع من النمو أي لهذا التغريب لينفسح المجال أخيرًا أمام مرحلة النمو الاقتصادي المتقدم له، وظهور مجتمع التصنيع والاستهلاك بالجملة. وهذه وصفها الاقتصادي الأمريكي المشهور والت روستو في كتابه: مراحل النمو الاقتصادي «4». وهذا الوصف يشبه إلى حد كبير وصف کارل ماركس لتطور المجتمعات من بدائية إلى إقطاعية إلى رأسمالية، وأخيرًا إلى شيوعية، مما يدل على أن كلا النظامين الرأسمالي والشيوعي ينطلق من منطلق واحد وهو المادية، ويهدف إلى غاية واحدة، وهي خلق مجتمع الترف والفسق أو مجتمع المادية والإلحاد.

ولتشجيع انتشار النموذج الغربي للتنمية أخذت الدول الغربية تقدم «المساعدات» لمن يتبع هذا النموذج من دول العالم الثالث وأخذت معظم هذه الدول تقلد النموذج الغربي للتنمية: فتبنى «مصانع» حديثة، ومنازل على الطراز الأوروبي والأمريكي «للأغنياء، وتتبنى النظم الغربية في السياسة والاقتصاد والتربية والتعليم، وأخذت تفتح أبوابها «للخبراء» الغربيين في كل المجالات.

وقضت مشروعات الإنتاج والاستهلاك بالجملة على كثير من صغار التجار والحرفيين، وأهملت الأراضي الزراعية، وزادت هجرة الأيدي العاملة من الريف إلى المدن الكبيرة التي اكتظت بالسكان، الذين انتشرت بينهم البطالة والفقر، وسكن كثير منهم الأكواخ وبيوت الصفيح، بل وسكن بعضهم المقابر!.

وأدى الاقتصاد الرأسمالي الربوي إلى أن تزداد قلة من الأغنياء غنى، وكثرة من الفقراء عددًا وفقرًا. 

ففي سنة 1976م أجرى مكتب العمل الدولي إحصائية عن عدد الفقراء خلال عشرين عامًا من مشروعات التنمية في العالم الثالث. وتبين من الإحصائية إنه خلال العشر سنوات من 1963 - 1973 زاد عدد الفقراء حوالي 119 مليونا، فبلغ عددهم 1210 ملايين «أكثر من بليون» أي حوالي ثلثي سكان العالم الثالث ومن بين هؤلاء 700 مليون من المعدمين «تحت مستوى الفقر» أي حوالي 2/5 سكان العالم الثالث.

وهذه ليست حصيلة مشرفة لعقدين كاملين من عقود التنمية. وكذلك زادت الديون الربوية على العالم الثالث.

ففي سنة 1970م كان مجموع ديون العالم الثالث 74 بليون دولار. وفي سنة 1979 بلغ مجموع ديونه 366 بليون دولار!

وما زالت هذه الديون وفوائدها الربوية تتراكم وتهدد اقتصاد بعض الدول بالإفلاس، كما تؤدي إلى تخفيض العملات والأجور، وإلى التضخم وارتفاع الأسعار، وبخاصة أسعار الطعام، مما يهدد ملايين الفقراء بالمجاعات والأوبئة. هذا بالإضافة إلى أضعاف الصناعات المحلية، وفتح الأسواق أمام الاحتكارات العالمية، لتستنزف المزيد من ثروات الشعوب المغلوبة على أمرها.

تلك هي بعض نتائج «التنمية» في البلاد «النامية» «5».

الرابط المختصر :