; واحة الإيمان: تَذَكَّر.. هَادم اللَّذات | مجلة المجتمع

العنوان واحة الإيمان: تَذَكَّر.. هَادم اللَّذات

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر الثلاثاء 07-أبريل-1987

مشاهدات 65

نشر في العدد 812

نشر في الصفحة 41

الثلاثاء 07-أبريل-1987

وهادم اللذات، ومنغصها هو الموت، الذي من أكثر من ذكره تعلق بالآخرة، وزادت خشيته، فبادر بالأعمال قبل إلحاق الموت به، والظل من لذكر الموت، هو القبر الذي يعظ الأحياء بصمت ليذكرهم المال الذي لا بد منه، فيدفعهم ذلك لزيادة الاستعداد ليوم المعاد، هذا أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالإكثار من ذكر الموت عندما قال «أكثروا من ذكر هادم اللذات» «1» ويقول في الحديث الذي أخرجه الترمذي «وقد كنت نهيتكم عن زيارة القبور، فقد أذن لمحمد في زيارة قبر أمه فزوروها، فإنها تذكركم الآخرة» «2»

نعم الدواء -

ويقول المناوي معلقًا على هذا الحديث «ونعم الدواء لمن قسي قلبه ولزمه ذنبه، فإن انتفع بالإكثار منها فذاك وإلا أكثر من مشاهدة المحتضرين فليس الخبر كالعيان» «3»

 ويشعر أبو العتاهية بحاجته لزيارة القبور لكني يتعظ، فيقول مخاطبًا نفسه:

 «نفسي زوري القبور، واعتبريها 

                 حيث فيها لمن يزور عظات 

وانظري كيف حال من حل فيها 

           بعد عز، وهم بها أموات 

حرصوا، أملوا، كحرصك يا نف

 س، ووافاهم الحمام، فماتوا» «4»

 وبعد هذه المحاسبة لنفسه زار القبور، ليستمع لذلك «الواعظ الصامت» والذي لا يعرف لغة الشعر ولا نظمه، وإنما يعرف لغة أشد تأثيرًا من جميع أنواعه.

فيقول: «زرت القبور قبور أهل الملك في الـ 

دنيا، وأهل الرتع في الشهوات

 كانوا ملوك مآكل، ومشارب،

              وملابس، وروائح عطرات

فإذا بأجساد عرين من الكسا،

 وبأوجه في الترب معفرات 

لم تبق منها الأرض غير جماجم

              بیض، تلوح وأعظم نخرات

 إن المقابر ما علمت لمنظر،

                    يفني الشجا، ويهيج العبرات

سبحان من قهر العباد بقدره

               باري السكون، وناثر الحركات» «5»

حوار مع القبر...

والتراب الصامت صوت لا يسمعه إلا من تذكر هادم اللذات وهو أمامه يتأمل، ومحاورته متعة، لا يحوزها إلا من أراد أن يكون من أبناء الآخرة، ومن سنة الإمام علي رضي الله عنه بتطليق الدنيا بثلاث ونحسب أن الرافعي كان أحد أولئك المحاورين الذين يفهمون لغة التراب الصامت فها هو يدفن قريبًا له، ثم يقف أمام قبره يحاوره، ويستمتع بإجاباته، يقول: «سألت القبر أين المال والمتاع؟ وأين الجمال والسحر؟ وأين الصحة والقوة؟ وأين المرض والضعف؟ وأين القدرة والجبروت؟ وأين الخنوع والذلة؟ .. قال: كل هذه صور فكرية لا تجيء إلى هنا، لأنها لا تؤخذ من هنا فلو أنهم أخذوا هدوء القبر لدنياهم، وسلامة لنزاعهم، وسكونه لتعبهم، لسخروا الموت فيما سخروه من نواميس الكون!» «6».

ولقد وقف قبل الرافعي أبو العتاهية على قبر أحدهم، وهو يتذكر الترف الذي كانوا يرفلون فيه، والأجساد الناعمة المنعمة التي كانت تزيدهم حسنًا إلى حسنهم، والعطور التي كانت تفوح من أحدهم، فيسأل القبر ماذا فعل بهم بعده، فيقول: 

«إني سألت القبر ما فعلت

             بعدي وجوه فيك منعفرة؟

فأجابني: صيرت ريحهم

             تؤذيك بعد روائح عطرة

وأكلت أجسادًا منعمة

                 كان النعيم يهزها نظرة 

لم أبق غير جماجم عربت

                  بيض تلوح وأعظم نخرة» «7»

لا يبقى إلا العمل: -

هكذا يتوقف كل شيء هناك، في تلك الحفرة، تتوقف الابتسامات والقهقهات ويتوقف الجدال والصرخات ويتوقف العناد والكبرياء ويتوقف الأمل والجمع، ويتوقف الإخلاص والرياء، ويتوقف العجب بالمنصب والجمال والعشيرة، والجاه والقوة والعقل كما يتوقف ظلم من ظلم، وذلة من استذل. يتحول الوجه الفاتن واليد الظالمة، واللسان الكذوب، والعين الخائنة. والقلب القاسي إلى جماجم وأعظم نخرة، تعبث بها الديدان من كل جهة، ولا يبقى إلا «العمل» الذي قدمه صاحب القبر يسأله عنه منكر ونكير ولا يبقى إلا أسئلتهما يقول مصطفى الرافعي «وأينما يذهب الإنسان تلقته أسئلة كثيرة ما اسمك؟ ما صناعتك؟ كم عمرك؟ كيف حالك؟ ماذا تملك؟ ما مذهبك؟ ما دينك؟ ما رأيك؟... ثم يبطل هذا كله عند القبر كما تبطل اللغات البشرية كلها في الفم الأخرس، وهناك يتحرك اللسان الأزلي بسؤال واحد للإنسان ما أعمالك؟» «8» فإما عملًا يحيل قبره إلى روضة من رياض الجنة، وإما عملًا يحيل قبره إلى حفرة من حفر النار.

«1» حدیث شریف

«2» الترمذي «١٠٥٤» الجنائز - وصححه الألباني ص ج ص ٤٢٥٥.

«3» فيض القدير ٥/5٥

«4» ديوان أبي العتاهية ٩٧

«5» دیوان أبي العتاهية ٧٧

«6» كتاب المساكين ص6٠

«7» دیوان أبي العتاهية ٢٠٤

«8» کتاب المساكين ص ٥٩

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل