; العربي "المتصهين".. في ميزان الولاء والبراء | مجلة المجتمع

العنوان العربي "المتصهين".. في ميزان الولاء والبراء

الكاتب د. مسعود صبري

تاريخ النشر الاثنين 01-سبتمبر-2014

مشاهدات 64

نشر في العدد 2075

نشر في الصفحة 23

الاثنين 01-سبتمبر-2014

 بعد ما كانت دولة الخلافة الإسلامية حاضنة لجميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها، وبعد سقوط الخلافة العثمانية، آخر خلافة قامت للمسلمين، تم احتلال الدول الإسلامية من قبل العالم الغربي، وتقسمت بلاد المسلمين، وقبل خروج قوات الاحتلال في بلادنا بعد هزائم عسكرية في ميدان القتال، فكر الغرب في بقائهم ولكن بشكل مختلف، فالبقاء الذي فكروا فيه هو البقاء الفكري والثقافي، أو ما يمكن أن نطلق عليه "الاحتلال الناعم"، والذي تمثل في إيجاد شخصيات تنتمي لدين الإسلام، لكن ولاءها ليس للإسلام، وإنما لمعبودهم الجديد الغرب، وساعدهم في ذلك حالة الضعف التي مر بها العالم الإسلامي، والانبهار بالتقدم العلمي في الغرب.

وبعدما كان ولاء المسلم للإسلام ولرسوله وللمسلمين، أصبح ولاء عدد ممن ينتمون إلى الإسلام اسماً إلى الغرب، بل إلى أعداء الإسلام كالصهاينة وغيرهم.

وخرجت في مجتمعات المسلمين في حقب حديثة ما يعرف بـ"المسلمون الصهاينة"، وهو نوع من الغزو الفكري الذي يسوق للإنسان أن ينتسب إلى دينه، ولكنه في ذات الوقت ينتمي سياسياً وفكرياً إلى اليهود الصهاينة.

ومن يطلق عليهم "المسلمون الصهاينة" هم المؤيدون لدولة "إسرائيل" (الكيان الصهيوني) وحقها في إقامة دولتهم في فلسطين المحتلة.

وقد ظهر هؤلاء في حقب متنوعة، كان أشهرها خلال حرب عام 1948م، حيث قرر العديد من البدو أن يقاتلوا إلى جانب القوات الصهيونية كـ"الهاجاناه" فيما أسموه غزواً من قبل الجيوش العربية.

ومن هؤلاء بدو النقب، وهم أقلية مسلمة تشكل نسبة 12% من عرب "إسرائيل"، ويميلون غالباً إلى تعريف أنفسهم على أنهم "إسرائيليون" مقارنة ببقية العرب في "إسرائيل"، ويخدم العديد من بدو النقب في جيش الدفاع الصهيوني.

وممن يطلق عليهم "الصهاينة المسلمون"، "الشركس" في الكيان الصهيوني، هم ليسوا من العرب لكن غالبيتهم مسلمون سُنة، وكانت لهم علاقات جيدة مع اليهود في الكيان الصهيوني منذ بداية مشروع الاستعمار اليهودي في أرض فلسطين، وساعدت الجالية الشركسية في هجرة اليهود غير الشرعية إلى فلسطين إبان الانتداب البريطاني، وقاتلت إلى جانب الكيان الصهيوني في حربه مع العرب عام 1948م، وعندما قامت دولة الاحتلال الصهيوني، بقوا فيها باعتبارهم مواطنين "إسرائيليين"، ومثلهم طائفة "الدروز" التي يخدم أبناؤها الذكور في جيش الاحتلال منذ عام 1958م.

ولقد كانت دولة الاحتلال الصهيوني تسعى دائماً لجعل صداقات مع عدد من الزعماء العرب؛ لخدمة الكيان الغاشم، وقد أظهرت وثائق وصور علاقات حميمة بين ملك العراق "فيصل الأول" يوم أن كان أميراً مع الزعيم الصهيوني "حاييم وايزمان" في عام 1918م باللباس العربي كدليل على الصداقة.

ويستمر المسلسل الصهيوني داخل بلاد المسلمين؛ حيث هناك عدد غير قليل ممن ينتمون للإسلام يدافعون عن الصهاينة ضد الشعب المسلم في فلسطين، منهم إعلاميون وصحفيون وسياسيون وعسكريون، بل يدعون سلطة الكيان الصهيوني إلى القضاء على المجاهدين المسلمين في فلسطين.

ونسي هؤلاء أن التطبيع مع الكيان الصهيوني يُخرج صاحبه عن الملة، فليس هناك مسلم صهيوني؛ لأن مبادئ الصهيونية تخالف عقيدة الإسلام وتطعن في عقيدة الولاء والبراء عندهم.

وفي حرب غزة الأخيرة، خرج إعلاميون مصريون؛ مثل: توفيق عكاشة، وأحمد موسى، ومظهر شاهين، وبعض الكتَّاب الخليجيين، مثل الكاتب السعودي عبده خال، وطارق الحميد، ومحمد الشيخ، والكاتب الإماراتي حمد المزروعي، وبدر الصقيهي، وفهد الزهراني، وغيرهم، يشنون حملة على حركات المقاومة الإسلامية في فلسطين ضد الصهاينة، بل دعا بعضهم دولة الكيان الصهيوني لسحق حركة "حماس" المسلمة؛ مما جعل وزارة الدفاع الصهيوني تستشهد بأقوالهم وتجعلها حجة لهم للاعتداء على غزة!

ومثل هذا الكلام يخدش عقيدة صاحبه، بل ربما أخرجه عن الملة كما قال بذلك عدد من الفقهاء المعاصرين.

وقد عرَّف الشيخ ابن باز – يرحمه الله تعالى - في "مجموع فتاوى ابن باز" (5/ 246) الولاء والبراء بأنه: محبة المؤمنين وموالاتهم، وبغض الكافرين ومعاداتهم، والبراءة منهم ومن دينهم، هذا هو الولاء والبراء كما قال الله سبحانه في سورة "الممتحنة": (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ) (الممتحنة:4).

يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: "إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي ألا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوادّ إلا لله، ولا يُعادي إلا لله، وأن يحب ما أحبه الله، ويبغض ما أبغضه الله".

ويقول الشيخ حمد بن عتيق، يرحمه الله تعالى: "فأما معاداة الكفار والمشركين؛ فاعلم أن الله سبحانه وتعالى قد أوجب ذلك، وأكد إيجابه، وحرم موالاتهم وشدد فيها، حتى إنه ليس في كتاب الله تعالى حكم فيه من الأدلة أكثر ولا أبين من هذا الحكم بعد وجوب التوحيد وتحريم ضده".

وقد يتصور البعض أن مجرد إقامتهم للصلوات وذهابهم للحج والعمرة كافٍ في بقائهم على عقيدة الإسلام، ولو ظاهروا أعداء الله على المسلمين، وهو خطأ محض، يقول عنه أبو الوفاء بن عقيل، الفقيه الحنبلي: "إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان، فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي، والمعري - عليهما لعائن الله - ينظمان وينثران كفراً، وعاشا سنين، وعُظم قبراهما، واشتُريت تصانيفهما، وهذا يدل على برودة الدين في القلب".

صور موالاة الكافرين

وموالاة الكافرين لها صور وأقسام، أهمها: الرضا بكفر الكافرين، وعدم تكفيرهم، أو الشك في كفرهم، أو تصحيح أي مذهب من مذاهبهم الكافرة، والإيمان ببعض ما هم عليه من الكفر، أو التحاكم إليهم دون كتاب الله تعالى، ومودّتهم، ومحبّتهم، واتخاذهم أولياء، والركون إليهم، ومداهنتهم، ومجاملتهم على حساب الدين، واتخاذهم بطانة من دون المؤمنين، وطاعتهم فيما يأمرون فيما فيه معصية لله ورسوله، ومعاونتهم على ظلمهم ونصرتهم على المسلمين، والتآمر معهم، وتنفيذ مخططاتهم والتجسس لمصلحتهم والقتال في صفوفهم.

وقال الشيخ سليمان العلوان: "وقد حكى غيرُ واحدٍ من العلماء الإجماع على أن مظاهرة الكفار على المسلمين ومعاونتهم بالنفس والمال والذب عنهم بالسنان والبيان كفر وردة عن الإسلام، قال تعالى: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ {51}) (المائدة)، وأي تولٍّ أعظم من مناصرة أعداء الله ومعاونتهم وتهيئة الوسائل والإمكانات لضرب الديار الإسلامية وقتل القادة المخلصين؟".

وقال الشيخ عبدالعزيز بن باز: "أما الكفار الحربيون فلا تجوز مساعدتهم بشيء، بل مساعدتهم على المسلمين من نواقض الإسلام لقول الله عز وجل: (وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ)" (فتاوى إسلامية، الفتوى رقم 6901).

وقال الشيخ صالح بن عبدالعزيز آل الشيخ: "أما مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين، هذا من نواقض الإسلام، كما هو مقرر في كتب فقه الحنابلة، وذكره العلماء ومنهم شيخ الإسلام محمد بن عبدالوهاب يرحمه الله في "النواقض العشر" في الناقض الثامن، وهذا الناقض مبني على أمرين؛ الأول: هو المظاهرة، والثاني: هو الإعانة، قال: مظاهرة المشركين وإعانتهم على المسلمين، والمظاهرة: أن يجعل طائفة من المسلمين – يجعلون - أنفسهم ظهراً للمشركين، يحمونهم فيما لو أراد طائفة من المؤمنين أن يقعوا فيهم، يحمونهم وينصرونهم ويحمون ظهورهم ويحمون بيضتهم، وهذا مظاهرة بمعنى أنه صار ظهراً لهم".

فعلى المسلم أن يقيس أعماله بميزان الولاء لله ولرسوله وللمؤمنين، والبراء من الشرك والكفر والكافرين، وأن يخشى على دينه وأمته، فهذا من تمام الإيمان، ومظاهرة الكافرين من نواقض الإسلام.

الرابط المختصر :