; أساسيات في علاج النفسيات | مجلة المجتمع

العنوان أساسيات في علاج النفسيات

الكاتب جاسم المسلم

تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1980

مشاهدات 81

نشر في العدد508

نشر في الصفحة 38

الثلاثاء 23-ديسمبر-1980

من النفسيات الغريبة التي يواجهها الدعاة في حياتهم التربوية صنف يتعب الداعية ويجلب له المشاكل والمشقة النفسية ويستنفذ منه طاقة كبيرة ... تلك هي النفسيات الحساسة العاطفية، السريعة التأثر، هذه النفسيات صعبة، ويزداد الأمر صعوبة وسوءًا حين تمر في فترات عصيبة تنغلق فيها نفس صاحبها، وتبدأ الأزمات الواحدة تلو الأخرى، حتى تبلغ الذروة لدى صاحبها إلى أن تصل إلى حالة الانفجار، وأصحاب هذه النوعية من النفسيات لابد أن تأتي عليه مثل هذه الفترات، خصوصًا في أوقات المراهقة التي تأخذ طابع الأزمة عندهم، والمربي هنا عليه أن يواجه قدرًا لا بد أن يستسلم له ويعلم أن هذا هو ضريبة الدعوة والعمل، ومن ثم فعليه أن يشمر عن ساعدي الجد لعلاج أخيه في هذه الفترة، ولانتشاله مما هو فيه من ضيق، ولا شك أنه سيتعب، وسيتأثر نفسيًّا، وقد لا ينام يومًا... بل أيامًا، هذا الأمر لا محالة منه، وهو من صميم مهمة المربي في هذه الفترة، وهذا يحتاج منه إلى جلد وصبر وسعة صدر، وطاقة نفسية تتقبل كل هذه الأزمات والاضطرابات وسيفرح الداعية كل الفرح يوم أن يأتي أوان قطف الثمرة، حين تكون ناضجة تسر الناظرين.

هذا الظرف النفسي الذي أشرنا إليه نجده عند الكثير من الشباب مع اختلاف في طبيعته وحدته، لتباين في الصفات الشخصية لدى كل منهم، وإنما طبيعتها العامة واحدة في أن الشاب تمر عليه فترات ضيق نفسية أحيانًا لا مبرر لها في نفسه، أو لسبب ما يمر به في فترة المراهقة من نمو جسمي وجنسي، أو بسبب حساسيته النفسية، فقد يكون سمع كلمة من أحدهم أولها تأويلًا خاطئًا، أو مر بموقف تضايق منه ... فالأسباب والمبررات لهذا الضيق كثيرة يمكن تلمح آثارها على وجهه وفي نبرات صوته، وهذا الارتفاع والهبوط في نفسيته سيؤثر بلا شك على عمله ودراسته، وسيكون عائقًا أمام تقدمه التربوي، وعلى الأخ المربي أن يعلم أن هذه الفترة غمة وتزول ... وأزمة وتنفرج، وذلك على يديه إن صبر وتحمل واستعمل الدواء الناجع والأسلوب الحكيم.

* الدور الذ على المربي أمام هذه الظاهرة يتلخص في الأمور التالية:

1- توثيق علاقته بأخيه المدعو لدرجة يستطيع معها أن يصل إلى أعماق نفسه، فيبوح له الشاب بكل ما في نفسه من خطرات ... وهذا له دوره في تفريغ الكبت النفسي لدى الشاب مما يلاقيه خلال حياته اليومية وما يتأثر به من تصرفات، إلى جانب ذلك على الأخ المربي أن ينتبه إلى أن الشاب في مثل هذه الفترة يبدأ يخفي أشياء كثيرة في نفسه، ومهمته هي التنقيب عنها واستخراجها من أعماق النفس ... وتلمسها من تصرفاته وما يخرجه من كلمات تدل عليها والدافع لدى الشاب لإخفاء أشياء في نفسه يختلف ويتعدد: 

أ- فقد يكون سبب ذلك أنه يجب أن تكون له أشياء يحتفظ بها لنفسه ولا يطلع عليها الآخرون ولو كان موجهه.

ب- وقد يكون الدافع هو حياؤه من اطلاع الناس عليها لسخفها أو لعدم أهميتها فيخفيها عن موجهه.

ج- خوفه من الانتقادات التي توجه إليه على هذه التصرفات أو على هذه الحالة النفسية التي يمر بها فيحاول أن يخفي ما في نفسه.

وقد تكون لأسباب أخرى خفية في نفس الشخص حسب الظرف الذي يمر به؛ لكن على المربي أن يعلم أن مهمته هي استخراج ما في نفسه بالأسلوب الحكيم الواعي.

2- بعد عملية استخراج مكنون ما في النفس يكون المربي قد شخص المرض وعرف مواطن الداء وأسبابه وطبيعة الأزمة النفسية التي يمر بها أخوه، فيبدأ باتباع الأسلوب العلاجي والذي يعتمد بصورة أساسية على النواحي الروحية، فيعمل على تركيز بعض المعاني الإيمانية الأساسية في نفسه خلال هذه الفترة، فحين نلاحظ أسباب الضيق النفسي والأزمات النفسية التي يمر بها الشاب في هذه الفترة نرى تأثره السريع بالأجواء من حوله، وتعلقه بحركات وسكنات البشر فيغضب أو يفرح لها ويتأثر بها ومن هذا المنطلق فالمعاني التي يركز على غرسها هي:

(أ) ذكر الله: فلا يكون قلبه متعلقًا بتصرفات البشر، إنما متصلًا بالله – عزَّ وجل – يبغي رضاه.

فليتك تحول والحياة مريرة

وليتك ترضى والأنام غضاب 

وليت الذي بيني وبينك عامر

وبيني وبين العالمين خراب

إذا صح منك الود فالكل هين

وكل الذي فوق التراب تراب 

 فيعيش الأخ مع نفسه في أجواء علوية بعيدة عن تصرفات وتصورات البشر فتسمو روحه ونفسه إلى عليين، فلا تعود تتأثر بما عند البشر.

(ب) وللآخرة خير وأبقى: والدنيا لا تساوي عند الله جناح بعوضة، وهي أهون على الله من الجدي الميت الآسك المقطوعة أذناه، فيزهد في الدنيا وما فيها فلا يفرح بمجيئها ولا يحزن بذهابها، إنما حزنه وفرحه للآخرة، ويربط بالجنة والنار والموت وفناء الدنيا وزوالها وبقاء الآخرة، هذه المعاني الإيمانية تُحي نفسه وترفع روحه فيرتفع عن التفكير والشعور والإحساس بمثل تلك الأحاسيس.

(ج) الزهد في النفس: وهو ذبحها من غير سكين كما يقول ابن القيم – رحمه الله – فيميت نفسه لله، فلا يبقى لها حظ، وتكون هينة عليه أمام أمر الله وهذه منزلة صعبة يتخلى فيها المرء عن رغبات نفسه شحها، فكثير من النفوس تأبى إلا الانتصار لذاتها وتأنف أن تمس بقصد أو بغير قصد، حتى وإن كان في الحق، مثل هذه النفوس في خطر ... لكن المؤمن يبيع نفسه لله، فلا يكون لها حظ عنده وهو المفلح ﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (الحشر: 9).

(د) هذا أمر ينافي المراتب العالية: وليعلم الأخ علمًا يقينيًا يستقر في نفسه أنه لا يليق بمسلم وهب نفسه لله – عزًّ وجل – ولدعوة الله، أن يجعل همه منصرفًا إلى سفاسف الأمور وحقيرها، فالداعية العالي الهمة لا يغبن نفسه فيصرف همها إلى الأمور الدنيا ويربأ بنفسه أن يكون كذلك، إنما همته أعلى وأسمى ... يبذلها لدعوة الله ولدين الله ... فليخجل من نفسه حين يشغلها بمثل هذه الترهات؛ فأولى به أن يشغلها بدعوة فرد ... أو تفكير في أمر من أمور الدعوة من أن يجعل همه ينصرف نحو أمور بسيطة تافهة والراضي بالدون دني، وقد أدرك سلفنا الصالح – رضوان الله عليهم – هذا المعنى فغرسوه في قلوب تلاميذهم، وتربى عليه الإمام ابن القيم – رحمه الله – على يد شيخه ابن تيمية، حين قاله له في شيء من المباحات هذا أمر ينافي المراتب العالية ... هذا في الأمور المباحة فكيف بأمور تضعف صلة المؤمن بربه وتعيقه عن دعوته.

(ه) ففروا إلى الله: أما إذا مرَّ الأخ في حالات ضيق شديدة حتى لكأن الدنيا لا تكاد تسعه، وتتأزم نفسه ويصل الضيق إلى ذروته، هنا لا ملجأ إلا إلى الله – عزَّ وجل – ولا راحة إلا بالركون إليه وما أحلاها من معاني يعيشها الأخ في حالات الضيق التي تمر عليه بين فينة وأخرى، فيفر بنفسه إلى الله؛ يجد عنده الملاذ والملجأ فتسكن نفسه إليه وتطمئن، ويذهب ما بها من ضيق ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ (الرعد: 28).

وبالإجمال فإن هذه المعاني وغيرها التي تركز في نفس الشاب الذي يمر في هذه الظروف النفسية؛ تؤكد بصورة رئيسية على الالتجاء إلى الله، وعدم التعلق بالبشر وبتصرفاتهم، وحين تستقر هذه المعاني في نفسه تزول تلك الأزمة النفسية، فلا داعي لأن يتضايق من تصرفات البشر وكلامهم وسلوكهم، فقلبه أبعد من أن يتأثر بذلك، فهو مع الله، وقلبه متصل بالله لا يمكن أن يداخله شيء من هذا، وفي الوقت الذي يرتبط فيه القلب بالله، ويكون متصلًا به اتصالًا وثيقًا بحيث لا تتسرب إليه الهموم، هنالك نكون قد نجحنا في انتشال هذا الأخ من كدر الجاهلية ... وكدر الأوضاع السيئة ... والتعلق بالماديات.

3- دور مهم آخر منوط بالمربي يعتمد على سعة صدره ورحابته، وصبره على ما قد يظهر من أخيه المدعو من ضيق أو تأزم نفسي، فدور المربي هنا هو تقبل كل ما يصدر منه، وامتصاصه فيسمع منه كل شيء ... ولا يناقشه في كل ما يقول، إنما يسمع ويسمع إلى أن يفرغ أخوه كل ما في نفسه، وعندئذٍ ... حين يخرج الشاب كل ما في سريرته يهدأ وترتاح نفسه.

فالشاب في هذه الفترة يريد من يتجاوب معه ويفتح له صدره، ويشعر أنه معه متقبل لكل ما يقول ... أما حين يجد من موجهه انصرافًا عنه أو يشعر أنه متضايق ... أو غير متقبل لكل ما يقول، فإن ذلك يزيد ما في نفسه من ضيق ... فينغلق على نفسه خاليًا بهمومه ... فتزداد المشكلة سوءًا وتأزمًا.

هذه بعض النقاط العلاجية لظاهرة يعيشها الكثير من الدعاة مع إخوانهم ... ولا أدَّعي أن هذه المعالجة قد حوت كل أساليب العلاج ... إنما ما ذكرته نقاط خطرت بالذهن، ولعل لدى إخواني المربين الكثير منها والأكثر جودة ... وعسى أن يوفق الله الجميع في دورهم التربوي الذي هو عصب حياة العمل الإسلامي، وإنما هي منارة رفعت لنا نهتدي بهداها ونحمل من استطعنا حمله لكي يصل معنا.

والحمد لله رب العالمين

تقويم اللسان

الشيخ/ يونس حمدان

* ومن الأخطاء التي تتردد على ألسنة المتحدثين وأقلام الكاتبين، قولهم «اعتد فلان بنفسه»، وهذا لا يوافق الفصيح الصحيح المعروف من كلام العرب، والصحيح أن يقال: «اعتز بنفسه»، أما كلمة «اعتد» فإن لها معاني أخرى، ليس فيه معنى «الاعتزاز»، فمن معانيها:

(1) «اعتدت المرأة»: إذا دخلت في عدة الطلاق أو الوفاة، ومنه قوله تعالى ﴿فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ (الأحزاب: 49).

(2) ومنها صار معدودًا في الأشياء.

(3) ومنها اعتد الشيء هيأه وأحضره، ومنه قوله تعالى ﴿هَذَا مَا لَدَيَّ عَتِيدٌ﴾ (ق: 23) أي حاضر مهيأ.

(4) ومنها بمعنى الحسبان والظن «اعتد الأمر في سبيل الله»، أي حسبه وظنه.

* ويقول بعضهم: «لا يكترث بالأمر»، وهذا لا يصح، والصحيح أن يقال: «لا يكترث للأمر»، وذلك لأن الفعل «اكترث» لا يعدى إلا باللام، وقد خطأ العلماء، من عداه بالباء، وقالوا إنه غفلة من قائله، ومما يجدر بيانه ها هنا، أن الفعل اكترث، يستعمل مسبوقًا بالنفي في الأغلب، وقد شذ استعماله مثبتًا، وأنت خبير بأن الشاذ يُحفظ ولا يُقاس عليه.

* ومن أخطائهم قول بعضهم: «فأما إن تكرمت بالسؤال عني» أو «تكرم علي بأن أعطاني عطية أو وهب لي هبة» فهذا لا يوافق الفصيح الصحيح ولا المنقول الصريح من كلام العرب، والصحيح أن يقال: «جاد عليه بعطية» أو «أفضل علي» أو نحوها من الصيغ، وذلك لأن تكرم، تعني تكلف الكرم وتصنعه، ومنها قول الشاعر:

تكرم لتعتاد الجميل، فلن ترى

 

أخًا كرم إلا بأن يتكرما

وأما «تكرم عن الشيء»، فإنها تعني «تجنبه وتنزه منه»، ومنها قول الشاعر الأموي الهيثم بن الربيع النميري:

ألم تعلمي أني إذا النفس أشرفت

 

على طمع، لم أنس أن أتكرما

* ومما يقع فيه بعضهم قوله «امتثلت للأمر»، وهذا لا يصح، والصحيح أن يقال: «امتثلت الأمر» بغير لام، ولـ «امتثل» عدة معانٍ منها:

(1) امتثل القوم: ضربهم مثلًا.

(2) امتثلت أمره: إذا أعطته ولم أتردد في تنفيذه.

(3) امتثله غرضًا: أي جعل منه هدفًا ينال منه.

(4) امتثلت من الرجل أو الظالم: اقتصصت منه.

(5) امتثلت الفكرة: تصورتها.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 493

76

الثلاثاء 12-أغسطس-1980

تقويم اللسان  (العدد493)

نشر في العدد 502

81

الثلاثاء 28-أكتوبر-1980

معَادلة للدعَاة

نشر في العدد 504

70

الثلاثاء 11-نوفمبر-1980

الجمال في كل شيء