; الطاقات.. حين تُهجَّر أو تُدان | مجلة المجتمع

العنوان الطاقات.. حين تُهجَّر أو تُدان

الكاتب محمد الحسناوي

تاريخ النشر السبت 19-مايو-2001

مشاهدات 59

نشر في العدد 1451

نشر في الصفحة 39

السبت 19-مايو-2001

ليس المقصود بالطاقات هنا تلك المليارات من الأموال السورية التي أودعت في المصارف الأجنبية أرصدة بأسماء الذين عناهم الخبير الاقتصادي الدكتور عارف دليلة، أولئك الذين لا يتجاوز عددهم ٢ إلى 5%، ويستهلكون 80% من الدخل القومي لسورية، يستفيدون من الأوضاع الشاذة ولا يطولهم القانون. ولا نعني بالطاقات أيضًا الأيدي العاملة ولا سيما المليون ونصف المليون سوري الذين يعملون في الساحة اللبنانية ينافسون عمال لبنان على لقمة عيشهم، بعضهم خريجو جامعات. ولا نعني بالطاقات تلك الآلاف من الأدمغة العلمية التي أغرتها سياسات أجنبية غربية تستقطب الأدمغة من العالم الثالث بطرائق متعددة من دخل مرتفع إلى تقدير لطاقاتهم وتسهيل استثمارها وتطويرها، فكان لهذه الطاقات المهاجرة نوع من الرغبة للاستجابة للضغوط أو المغريات الخارجية. نعني هنا بالطاقات السورية تلك الأدمغة التي أرغمت على الهجرة بسبب الرأي الذي هو حب الوطن والأهل والشعب، لدرجة أن حملهم هذا الحب على رفض المغريات الخارجية أولًا، واحتمال الإهمال أو التخلف العام ثانيًا، وإلى حمل لواء المعارضة والمطالبة بإصلاح أحوال البلاد والعباد ثالثًا، فاضطهدوا ولوحقوا أمنيًّا، وهربوا بجلودهمرابعًا، وهم يعدون أيضًا بالآلاف.هذه الطاقات المضطهدة منذ ثلاثة عقود تقوم بدور واسع متميز في ملاك التدريس الجامعيفي أقطار الخليج العربي، وغيرها من مختبرات علمية وجامعات أوروبية أو أمريكية، أما كيف وكمتعاني من الحنين إلى الأهل والوطن أو شح وثائق السفر والشهادات الأصلية فحدث ولا حرج، لا بالنسبة إليها وحدها، بل بالنسبة إلى الزوجات والأولاد والأمهات والأخوات والإخوة والحفدة أيضًا.

دعونا ندخل إلى الوقائع والتفصيلات من باب التوثيق: في اليوم السادس من أبريل الماضي كانت لجنة جائزة عبد العزيز البابطين في الكويت تقيم احتفالًا لتوزيع جائزتها على الفائزين في مسابقتها لأفضل قصيدتين حول استشهاد الطفل الفلسطيني محمد جمال الدرة، وكان أحد الفائزين بهذه الجائزة المواطن السوري الشاعر عبد الله عيسى السلامة، ومن تقاليد هذا الاحتفال أن يحضر صاحب الجائزة وسفير دولته لاستلام الجائزة التكريمية وهي بآلاف الدولارات، وقيمتها المعنوية أكبر من قيمتها النقدية وحين سلمت الجائزة الأولى للفائز الجزائري كان في رفقته السفير الجزائري، لكن المفاجأة المحيرة التي استدعت كتابة هذه المقالة، أن جائزة المواطن السوري الشاعر السلامة حين تم استلامها كان الذي شاركه في استلامها السفير الأردني في الكويت، وليس السفير السوري، فلماذا؟ قيل في تفسير ذلك: إن الشاعر السوري مقيم حاليًا في القطر الأردني الشقيق، هذا ظاهر الأمر، أما حقيقته، فهي أن الشاعر السوري أحد الأدمغة أو الطاقات المهجرة من سورية قسريًّا، ومع ذلك هل هناك مسوغ لتغيب السفير السوري، وحضور السفير الأردني بديلًا عنه مع شكرنا له وللقطر الأردني المضياف على سد هذه الثغرة، وتكريم طاقة سورية مهجرة مبدعة؟ إن فوز مواطن سوري بجائزة البابطين الشعرية على ١٦٠٠ شاعر متسابق في موضوع عن الانتفاضة، فيه فخر للقطر السوري كله، فلماذا يرفض السفير السوري هذا الشرف؟ ثم هل كان التصرف من اجتهاده الشخصي أم بعد استشارة الجهات العليا؟ أيًّا كان الجواب فالسؤال المطروح: ما جريرة الشاعر السوري حتى يعامله سفير بلده هذه المعاملة؟ جريرته الحقيقية أنه معارض، أي أنه مثقف يطالب بإصلاح الأوضاع العامة، كما يطالب بذلك مثقفو سورية اليوم، لعل جريمة الشاعر أن مطالبه تلك جاءت قبل ربع قرن وحسب.جدير بالذكر أن الشاعر السوري عبد الله عيسى السلامة قد نشر حتى الآن ما لا يقل عن اثني عشر كتابًا في الشعر والقصة والرواية، معظمها كُتِب ونُشر في ديار الغربة. وقديمًا قيل: من حسن حظ الأدب العربي أن الشاعر أبا فراس الحمداني وقع في أسر الرومان وطال أسره، فكان ذلك سببًا في إبداع أبي فراس حين نظم قصائده الرائعة «الروميات»، وهي معظم ديوانه الشعري، وهي لون متميز في تاريخ الشعر العربي. كما أن سياسة التتريك في أواخر العهد العثماني ألجأت الكثيرين من شباب سورية ولبنان إلى الهجرة إلى الأمريكتين الشمالية والجنوبية، وكانت النتيجة ظهور الأدب المهجري في أدبنا العربي الحديث واشتهار مدرستين أدبيتين هما: «الرابطة القلمية» في أمريكا الشمالية، و«العصبة الأندلسية» في أمريكا الجنوبية، وأنا أزعم أن نتاج المهاجرين السوريين في العقود الثلاثة الأخيرة من شعر ونثر كاف لتشكيل مدرسة أدبية مهجرية جديدة تثري الأدب العربي، وهذه مزية تضاف للمرحلة السورية السابقة التي وضعوا خطًّا أحمر عليها ومنعوا تداولها! وليس استطرادًا أن نكشف أدبيًّا عن سبب مهم من أسباب تفوق شاعرنا عبد الله عيسى السلامة في مسابقة البابطين الشعرية، تدرون ما هذا السبب؟ إنه المعاناة؛ هل يمكن لأديب أو لشاعر حقيقي أن يبدع من غير معاناة؟ فلو لم يعانِ شاعرنا مثل ما عانى الشهيد محمد الدرة وتألم كما تألم، لما استطاع أن يستبطن تجربته أو مأساته، ولا أن يتفوق على كل هذا الحشد من شعراء العرب المعاصرين التي ملأت قصائدهم المختارة ثلاثة مجلدات ضخمة من إصدرات مؤسسة البابطين. من عجائب الأقدار أن شاعرنا السلامة من منطقة «منبج» في شمال مدينة حلب، وهي المدينة التي كان يسكنها الشاعر أبو فراس الحمداني وقلده عليها سيف الدولة أميرًا، قال المؤرخ الذهبي: كانت لأبي فراس «منبج» وتملك حمص، وسار ليتملك «حلب» فقتل في «تدمر»، ونحن نقول: كم في «تدمر» من سجناء وشهداء بالآلاف، شعراء وغير شعراء! 

استكمالًا للصورة: ما حال الثقافة والأدب في سورية بعد هجرة هذه الأدمغة والطاقات؟ نذكر واقعة أمست معلنة وهي الحملة التي يشنها النظام على المثقفين ومنتديات الحوار الوطني، ثم واقعة غير معلنة هي اختلال المسار الأكاديمي اختلالًا يجرح الوحدة الوطنية، ويهبط بالمستوى العلمي، فملاك جامعة تشرين في اللاذقية مؤلف من ٦٢ مدرسًا، ٥٤ منهم من شريحة اجتماعية معينة محسوب عليها النظام بأسره! فما أثقل التركة التي يتصدى لحملها الرئيس الجديد ويتصدى لتغييرها سلميًّا المثقفون السوريون المدانون!

الرابط المختصر :