العنوان شعاع من القلب.. أخطاء حركية تحتاج إلى إصلاح
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 10-أكتوبر-2000
مشاهدات 99
نشر في العدد 1421
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 10-أكتوبر-2000
إن صلح القلب صلحت الجوارح والأعمال، وسلمت الحياة من العطب، فالقلب موضع نظر الرحمن، وهو العضو الذي ينبغي أن يوجه إليه كل اهتمام، وإذا التقت القلوب على أمر واتفقت عليه قامت بينها موجات أثيرية تكشف الطريق أمام جموع المؤمنين وجماهير الموحدين.
ليس كل ناقد للحركة ناقمًا عليها – وبخاصة إن كان أحد أبنائها – أو متعاليًا على نظامها، أو خارجًا عن أوامر قادتها، لأنه جزء من الحركة لا يبغي غير صلاحها، فنقده نقد للذات وإصلاح للنفس قبل أن يكون نقدًا لغيره من أبناء الحركة والصحوة، ولعل هذا النقد يكون وقفة متأنية متأملة، يدرك من خلالها قادة المشروع الإسلامي أن عملية التجديد تقتضي تغييرًا في الآليات تستدعيه طبيعة العصر وظروف الناس، فما يصلح مع شخص معين في زمن مضى، قد لا يصبح صالحاً بعد حين مع شخص آخر أو مع الشخص نفسه، ورصد عمليات التغير في البيئة المحيطة وفي الأفراد الذين يتولون قيادة العمل عملية يقوم بها الآن في الدول الكبرى مراكز دراسات مختلفة، ويستفيد منها مستشارون يستخلصون منها ما يعين ساسة الدولة أو ما يساعد في تطوير مؤسسة من المؤسسات أو جماعة من الجماعات لها أهدافها وخططها وبرامجها.
لا عجب إذن في أن ينقد أحد أبناء الحركة بعض ما يراه فيها من أوجه القصور التي إن لم تعق حركتها حتى الآن فإنها قد تعوق حركتها في المستقبل.
ومن أهم أوجه القصور في تربية الأفراد، أنهم في بعض الحركات يربون على:
١- التلقي لا على التفكير، وعلى السمع والطاعة التامة، لا على المشاورة التي يمكن أن يستخلص منها أحسن الآراء، مع أن المشاورة مبدأ إسلامي عظيم طبقه رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده حتى إن عمر – رضي الله عنه – كان يستشير أولي الأحلام والعقول، ويستشير الشباب الصغار، وكان يستشير الرجال ويسأل النساء عما يخصهن ولا يقضي بأمر إلا بعد أن يلم بجوانبه، ويعرف رأي الناس فيه، ومع هذا فإن بعض العاملين في الساحة الدعوية، قد يضيق إن سمع رأياً مخالفاً، وقد لا يطيق أن يخالف أحد له أمرًا، وكان شأن الناس معه أن يقولوا إذا أصدر إليهم أمرًا سمعنا وأطعنا فإن خالفوا أمره وناقشوا فكره ضاق بهم صدراً، ولم يسمع منهم قولاً، مع أننا نسمع في كل حين الدعوة إلى الشورى، وحين نأتي إلى التطبيق الفعلي يحدث الخلل ويظهر عوار النفس، وصداع الرأس الذي لا يسكن إلا بسكوت المخالفين.
٢- استطاعت الحركات الإسلامية أن تربي أبناءها تربية حسنة، وفي بعض الأحيان تربية ممتازة ولكن تدريبهم على العمل الجماعي، واشتراكهم مع غيرهم في برامج مشتركة لم يكن على المستوى العالي نفسه من التربية، ولذا ظهرت المشكلات بينهم، لقد ظل بعض الحركات الإسلامية يقوده أفراد معدودون لسنوات عدة، بدلاً من فرق عمل جماعية، ولعل بعض الظروف السياسية هو الذي فرض مثل هذا الأسلوب القيادي الذي يمكن أن يتوقف بتوقف الفرد القائد لأي سبب من الأسباب، وهذا الأسلوب لم يقتصر على الحركات الإسلامية – وحدها – أو على بعضها بالأصح، وإنما انتقل إلى مؤسسات أخرى كثيرة، بل إنه انتقل كذلك إلى المؤسسة الحاكمة في بعض البلاد، وأذكر أن عبد الناصر عندما مات ظن الناس أن أجهزة الدولة كلها ستصاب بالتوقف بل بالشلل لا لشيء إلا لأن هيمنة الفرد القائد استحوذت على الأفكار، حتى ذهبت في وهمها إلى ما ذهبت إليه.
وهذا نموذج القيادة الفردية في كل مؤسسة، والحركات الإسلامية أحوج من غيرها للقيادة الجماعية التي تعمل بروح الفريق دون ضعف أو توقف عند غياب أي عضو من أعضاء الفريق. وهذا ما نشاهده في الساحة العالمية في أوروبا وأمريكا واليابان، بل إن اليابان تفوقت على أوروبا وأمريكا بأمرين: التمسك بروح الفريق، والولاء التام للتقاليد والمعتقدات الدينية التي لم تقف مانعًا ولا حائلاً دون أخذ اليابان بالعلوم العصرية وسبقها فيها.
والعمل الجماعي بروح الفريق يمكن أن تتولد عنه مؤسسات فاعلة مؤثرة تقوم على التخطيط المدروس، وتنتج النتيجة المرجوة، ولذلك فإن بعض الحركات الإسلامية لم تستطع أن تجسد أهدافها من خلال بعض المؤسسات التي كانت موجودة، بل إن بعض هذه المؤسسات - حين وجدت - كانت عبئًا على الحركة، بدلاً من أن تكون عونًا لها، ولذا فإن صياغة فقه المؤسسات في لغة وتصورات عصرية وتطبيق هذا الفقه عمليًا يساعد كثيرًا في التغلب على معوقات تواجه الحركة من داخلها ومن خارجها.
وما أحوج الأمة كلها اليوم إلى أن تحذو حذو اليابان فتتمسك بالأصول والثوابت، ولا تتخلى عن التقنيات العصرية، وتمارس العمل بالروح الجماعية، روح الفريق التي تتوافر أمامها البدائل والخيارات حتى عند غياب بعض القيادات.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل