; سياسة التحجيم والتقليل | مجلة المجتمع

العنوان سياسة التحجيم والتقليل

الكاتب البروفيسور جون أسبوزيتو

تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1993

مشاهدات 69

نشر في العدد 1039

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 23-فبراير-1993

التهديد الإسلامي حقيقة أم خيال؟ (الحلقة 7)

ترجمة وإعداد: المؤسسة المتحدة للدراسات والبحوث- واشنطن

لماذا اعترفنا في اللحظات الأخيرة فقط بقوة واستمرارية حركة النهضة الإسلامية الحديثة في عدد من الدول الإسلامية وإفرازاتها السياسية؟ في الوقت الذي كان فيه الانبعاث الإسلامي ينمو في مصر وليبيا وباكستان وماليزيا في مطلع السبعينات، لاحظ قليلون تلك الحركة، أو انتبهوا إليها بعض الشيء، وفي عام 1975 قدمت ورقة عن دور الإسلام في التطور السياسي- الاجتماعي وذلك أمام مركز للدراسات الدولية، ولفتت تلك الدراسة اهتمام ستة إلى تسعة أشخاص فقط، واليوم وفي كثير من الاجتماعات المتخصصة نجد نفس ذلك العدد من المهتمين يشاركون في المناقشات.


تجاهل الظاهرة الإسلامية ونموها

إن ما كان يوصف بأنه ظاهرة قد صرف النظر عنه فيما بعد باعتبار أنه موجة عابرة، ومثل هذا الخط من التفكير ظل سائدًا طيلة العقد الماضي، عندما انصرفت أنظارنا، ثم اكتشفنا أو اضطررنا لمواجهة الأحداث في إيران وباكستان ولبنان والخليج، والآن في شمال أفريقيا، وكان كثيرون يقولون بأن حدوث ذلك ممكن في باكستان، ولكن ليس في إيران، أو في إيران وليس في مصر، أو في مصر وليس بكل تأكيد في تونس، وكما بدا أن الإسلام وكأنه بدأ ينحسر عن السياسة في بعض الدول أو المناطق؛ فإنه قد صعد في أماكن أخرى، وعندما وقعت اتفاقية وقف إطلاق النار في الحرب العراقية- الإيرانية عام 1988، قفز كثيرون- وهم غافلون عن المصادر الذاتية لحركة التجديد الإسلامي- إلى نتيجة سريعة، وهي أن هذه الحرب إيذان بنهاية الحركة الخمينية، وضربة قاتلة للموجة الأصولية.


أسباب القصور في تحليل الحركات الإسلامية

وكثيرًا ما كان ينظر إلى الحركات الإسلامية كحركة واحدة، ويتم التوصل إلى نتائج وخلاصات سريعة مبنية على النظرة النمطية والتوقعات، أكثر من الاعتماد على النتائج البحثية العميقة، وأن هذه المشكلة تعزى في بعض الحالات إلى الطبيعة السرية للأفراد والمنظمات، أكثر من ارتباطها بعوامل عدم الاهتمام بالجوانب الروحية:

1- قلة المفكرين الباحثين في دراسات شؤون الشرق الأوسط عمومًا- والدراسات الإسلامية على وجه التحديد- تعني أن معظم المفكرين يغطون في دراساتهم مناطق جغرافية شاسعة ومسائل متعددة في السياسة والقانون والتاريخ والمجتمع والنفط.

2- لما كان معظم المفكرين ذوي خلفية أكاديمية علمانية منحازة، ومعلومات محدودة عن الإسلام والبعد الإسلامي للمجتمعات الإسلامية، فإن هناك ميلًا نحو التعميم، أو التوصل إلى نتائج متيسرة نابعة من مسلماتهم العلمانية، ومنطلقاتهم الذاتية.

3- إن المفكرين الإسلاميين يتم تدريبهم وصقلهم للعمل في الدراسات المتعلقة بالماضي.

4- معظم الخبراء لديهم القليل من التدريب والرغبة، والقليل من الاتصالات المباشرة والخبرات المتصلة بالحركات والحركيين الإسلاميين.


الحاجة إلى منهجية بحثية عميقة

إن التحليلات الخاصة بالحركات الإسلامية والمنظمات الإسلامية تحتاج إلى أكثر من الأعمال التخمينية والافتراضية والتعميم، والاعتماد الكلي على التقارير الصحفية، أو الوثائق التي تصدرها المنظمات والحركات المعنية، والأحداث المعزولة، أو التقارير الحكومية.

إن الملاحظة المباشرة والتفاعل والدراسة تعتبر أشياء بالغة الأهمية، خاصة وأن معظم الحركيين الإسلاميين كتاباتهم قليلة نسبيًا، كما أن كتاباتهم دائمًا ذات منطلقات أيديولوجية، أو للدعاية والإعلام، إن ما يكتبونه أو يصرحون به يجب أن يوضع في إطار ما يقومون به من أفعال.

وبسبب عدم احتكاك المفكرين الغربيين المباشر أو عدم اهتمامهم، وميلهم نحو الاستجابة لاهتمامات الحكومة وأجهزة الإعلام ومتطلباتها «العناوين البارزة للأحداث» فإن المحتوى العام وطبيعة ونشاطات الأغلبية المعتدلة في المنظمات المعاصرة، تمر نسبيًا دون أن يلاحظها الكثيرون.


التنوع والتغيير داخل المنظومة الإسلامية

التنوع والتغيير

إن تجربة العقد الماضي تنبهنا إلى أن نكون أكثر انتباهًا للتنوع وراء ما يبدو كوحدة إسلامية، ولتقدير وتحليل كل من ظاهرتي الوحدة والتنوع في الإسلام، وفي الشؤون الإسلامية بصورة جيدة، وفي الماضي كانت الوحدانية في الإسلام «الله والرسول والقرآن» وراء قيام العديد من الحركات والاجتهادات والتفسيرات، كالسنة والشيعة والخوارج والوهابية، ومدارس عديدة في الفقه والمذاهب الدينية والروحانيات.

كذلك نجد اليوم أطرًا مختلفة قد أفرزت دولًا ذات مذاهب إسلامية متنوعة، وقادة ومنظمات، إن تنوع الحكومات من دولة الجماهير في ليبيا، والجمهورية الدينية للخميني في إيران، والحكومات العسكرية لضياء الحق في باكستان وجعفر محمد نميري، والآن عمر البشير في السودان، وعلاقات هذه الدول المختلفة والمتباينة مع الغرب، وتنوع الحركات الإسلامية وغيرها قد ابتسرت وشوهت بسبب النظرة المحدودة والقاصرة لمصطلح «الأصولية الإسلامية».

وخلف الإشارة العامة للبديل الإسلامي والمبادئ الأيديولوجية العامة، هناك مستويات عديدة للخطاب الإسلامي من خلال نظرتنا لتلك المنظومة الكبيرة من الحكومات والمجتمعات، والمنظمات الإسلامية، وهناك اختلافات كثيرة ومتشابهات كثيرة أيضًا في التفسيرات الإسلامية لطبيعة الدولة والقانون الإسلامي ووضع النساء والأقليات، كما أن هناك اختلافات حادة حول الأساليب «صناديق الاقتراع، مراكز الخدمات الاجتماعية، ومواجهة العنف» التي يجب اتباعها لتحقيق نظام حكم إسلامي.

إن الفهم الرومانسي للتاريخ الإسلامي القديم قد جعل العديد من المسلمين ينسون ديناميكية ودرجة التغيير التي حدثت في الماضي، وكذلك في السنوات الأخيرة؛ فإن محاولة العلمانية الغربية غرس نواة التغيير العصري مقابل التقاليد الجامدة، قد غطت على درجات الاختلاف والتغيير في الإسلام المعاصر والمجتمعات الإسلامية الحديثة، وهنا أيضًا فشل المفكرون العلمانيون والإسلاميون على حد سواء في الاعتراف بأن المعتقدات الدينية والقوانين الوضعية هي في الواقع تفسيرات بشرية وتطبيقات لتعاليم إلهية.

إن الإسلام الجامد والمتخلف يعتبر خطرًا، ومن المفارقات أن المفكرين من غير الإسلاميين يبدون أحيانًا مثل الملالي، وعندما يواجهون بالتفسيرات الحديثة والتطبيقات الإسلامية الحديثة؛ فإنهم ينتقدون بإيجابية من زاوية المعتقدات والممارسات التقليدية.

فمن ناحية يعتبر الإسلام جامدًا والمسلمون باعتبار أنهم رافضون تمامًا لعملية التغيير، ومن جانب آخر وعندما يحدث التغيير يرفضونه ويعتبرونه خروجًا عن الدين وانتهازية مجردة وتبريرًا لتبني ما يرفضه الإسلام ويعتبره دخيلًا عليه.

إن كل ما نشاهده الآن هو عملية طبيعية لتأكيد المفاهيم من قبل الأفراد والمجتمعات، وهذه مرحلة أخرى من مراحل تحول المفاهيم والتطور الذي تشهده الموروثات الإسلامية، إن إعادة صياغة المفاهيم الإسلامية التقليدية مثل «الشورى» و «الإجماع» تعتبر أمثلة ممتازة لهذه العملية.

إن التغيير يعتبر حقيقة في الإسلام والمجتمعات الإسلامية المعاصرة، ويمكن تلمسه في كل المستويات، وفي أي مكان، وفي كل شرائح الطبقات الاجتماعية المختلفة، إذن فالمسألة ليست مسألة تغيير بقدر ما تتعلق بحجم التغيير ووتيرته واتجاه التغيير.

الحلقة القادمة «الإسلام تحد أم خطر؟»



اقرأ أيضا:

 تحوّلات نظرة الغرب إلى الحركات الإسلامية في العالم العربي - المضامين والمتغيرات



الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل