; ملوك الآخرة .. الصفة السادسة عشرة: ترك شهادة الزورم | مجلة المجتمع

العنوان ملوك الآخرة .. الصفة السادسة عشرة: ترك شهادة الزورم

الكاتب د.عبدالحميد البلالي

تاريخ النشر السبت 15-مايو-2010

مشاهدات 72

نشر في العدد 1902

نشر في الصفحة 56

السبت 15-مايو-2010

تناولنا في الحلقة السابقة الصفة الخامسة عشرة، وهي التوبة، حيث بينا فيها شروطها وما يترتب عليها من المستلزمات، والبشارات والتحذيرات، ونتناول في هذه الحلقة الصفة السادسة عشرة، وهي ترك شهادة الزور.

ما شهادة الزور ؟

يقول تعالى استكمالا لسرد صفات عباد الرحمن: ﴿وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزَّورَ وَإِذَا مَرُوا بِالَّلغوِ مَرٌّوا كِرَامَا﴾(الفرقان: الآية 72).

يقول الإمام القرطبي: «أي لا يحضرون الكذب والباطل ولا يشاهدونه، والزور كل باطل زور وزخرف، وأعظمه الشرك وتعظيم الأنداد وقال مجاهد : الغناء. وقال ابن العربي: أما القول بأنه الكذب فصحيح لأن كل ذلك إلى الكذب يرجع» (1).

ويقول الإمام الرازي: «الزور يحتمل إقامة الشهادة الباطلة، ويكون المعنى: أنهم لا يشهدون شهادة الزور، ويحتمل حضور مواضيع الكذب ويحتمل حضور كل موضع يجري فيه ما لا ينبغي، ويدخل فيه أعياد المشركين، ومجامع الفساق؛ لأن من خالط أهل الشر ونظر إلى أفعالهم، وحضر مجالسهم فقد شاركهم في تلك المعصية، لأن الحضور والنظر دليل الرضا به بل هو سبب لوجوده والزيادة فيه؛ لأن الذي حملهم على فعله استحسان النظارة، ورغبتهم في النظر إليه». ثم قال: « واعلم أن كل هذه الوجوه محتملة، ولكن استعماله في الكذب أكثر»(2).

معاني شهادة الزور

ونخلص من هذا بأن معاني شهادة الزور التي ذكرت في الآية تتلخص في الآتي:

1-حضور الكذب والباطل:

 أي أنهم لا . يحضرون، ولا يشاركون ولا يشاهدون كل – مجلس فيه كذب وباطل يغضب رب العالمين – وأعظمه الشرك والكفر، ومن ذلك حضور – الجلسات الدينية لعبدة الشيطان، أو من 1 يعبدون الشمس أو القمر أو الأصنام... وغيرها من الطقوس التي فيها أمور الشرك، ولا يستثنى من ذلك إلا من حضر بنية الإنكار أو النصح، أما الاستماع، أو المشاهدة وتمضية الأوقات فداخل في مجالس الزور، ويلحق بذلك من يحضر بعض مجالس المهرجين الذين يقومون بإضحاك الناس بنكت كاذبة، واستهزاء بالآخرين، أو بالحديث عما يثير الشهوات، والوقوع في أعراض العفيفات، كل ذلك من مجالس الزور.

2- حفلات الغناء : التي فيها إثارة للشهوات وتحريض على فعل المخالف لأوامر الله، ومثله مجالس الشعر التي تحتوي على ذلك فهي من مجالس الزور.

3- الشهادة الباطلة وهي أن يستدعي ليشهد شهادة باطلة، كأن يستدعي ليشهد أن هذا البيت لفلان، وهو يعلم أنه ليس له، أو يشهد بأن هذه السيدة تزاول الزنا، وهو يعلم أنها عفيفة.

أكبر الكبائر

عن أبي بكرة قال: قال النبي ﷺ : ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ (ثلاثًا !)، قالوا: بلى يا رسول الله، قال: «الإشراك بالله، وعقوق الوالدين – وجلس وكان متكنًا فقال: ألا وقول الزور»، قال: «فما زال يكررها حتى قلنا ليته سکت (۳)

جرائم شهادة الزور

شاهد الزور مجرم بكل ما تحتويه هذه الكلمة، ولا يوجد في قلبه خوف من الله تعالى، والشعور برقابته، فهو يقدم على ظلم الآخرين بشهادته الكاذبة، وهو يعلم أنهم . مظلومون، ويعلم ما سيترتب على شهادته من خسائر مادية كبيرة، ومع ذلك يقدم على شهادته بمقابل مادي، وينسى ما يترتب على شهادته الكاذبة من العذاب يوم القيامة، ومن – العقوبة في الدنيا قبل الآخرة.

قال الإمام الذهبي بعد أن ذكر أنها من الكبائر « إن شاهد الزور قد ارتكب عظائم:

أحدهما : الكذب والافتراء

ثانيها: أنه ظلم الذي شهد عليه حتى أخذ 3 بشهادته ماله وعرضه وروحه أحيانًا

ثالثها : أنه ظلم الذي شهد له، بأن ساق إليه المال الحرام، فأخذه بشهادته، فوجبت له النار.

رابعها: أنه أباح ما حرم الله تعالى، وعصمه من المال والدم والعرض (4).

ثياب الزور

هل للزور ثياب ؟ نعم.. فقد جاءت امرأة إلى النبي فقالت له: أقول: إن زوجي أعطاني ما لم يعطني ؟ فقال رسول الله ﷺ: «المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي الزور» (5).

وهنا يحذر النبي ﷺ من نوع آخر من الكذب وسمى من يفعل ذلك كأنه يلبس ثياب الزور وذلك أن بعض النساء تتباهى أمام صاحباتها أو قريباتها بما تملك، أو بما يغدق عليها زوجها وهي تعلم أن ما تقوله كذب وأنه لا يعطيها ما تدعي، وسبب هذا التحذير النبوي، أن هذا النوع من الكذب يبنى عليه الكثير من المفاسد منها إنها تؤذي مشاعر غير القادرات على ذلك من النساء، وتحرض ضعيفات النفوس من النساء للضغط على أزواجهن ليشتروا لهن ما اشترى ذلك الزوج لزوجته، ويترك شيئًا من الغيرة والحسد بين النساء، وغيرها من المفاسد.

عباد الرحمن

وعباد الرحمن بعيدون كل البعد عن جميع هذه الأنواع من شهادة الزور، فهم يتورعون عن حضور أي مجلس فيه الكذب والفساد والغناء الساقط المحرض على الفجور، وتلك المجالس التي يمارس فيها الشرك، وما يغضب الله تعالى.

كما أنهم لا يشهدون كذبًا إذا ما دعوا إلى الشهادة، بل إنهم يبتعدون عن كل مجلس فيه شبهة من الشبهات استبراء لدينهم وعرضهم ..

الهوامش

(1) تفسير القرطبي ٧ / ٤٧٩٦.

(۲) التفسير الكبير – للرازي ١١٣/٢٤.

(۳) رواه البخاري (فتح الباري ٥/٢٦٥٤)، واللفظ له، ومسلم (۸۷)

(٤) الكبائر للذهبي، ص ٧٩.

(٥) رواد البخاري (الفتح ٥٢١٩).

بقلم: عبد الحميد البلالي (*)

Al-belali@ hotmail.com

الرابط المختصر :