العنوان حماس والأربعون حرامي
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 19-أغسطس-1997
مشاهدات 68
نشر في العدد 1263
نشر في الصفحة 47
الثلاثاء 19-أغسطس-1997
الفساد الذي أعلن عنه في السلطة الفلسطينية، والإثراء غير المشروع على حساب الجوع والمعاناة للشعب المحروم الذي يسفك دمه كل ساعة، وتصادر ممتلكاته كل يوم، ويحاصر من قبل عدوه كل وقت وحين- شيء يدعو إلى الأسى والحزن، ويصنف بأكثر من الجريمة، ويصل إلى الخيانة العظمى، ويدل دلالة واضحة على أن من يرودون الشعب الفلسطيني اليوم ليسوا على مستوى كفاحه ونضاله، وإنهم ربما اختيروا بعناية بعد أن تعرض المخلصون في قيادته للإبادة وعمليات التصفية من قبل العدو، وبدسائس من رموز العمالة والفساد، ليكونوا واجهة سوداء مهترئة لإجهاض الشعب الفلسطيني، ودفن كفاحه والقضاء على حميته ونخوته وحبه لبلده؛ لأن من يبدد قوت الناس يبدد أرضهم، ومن يسرق عرقهم يسرق كفاحهم، ولا يستطيع أحد أن يتصور أن هذه القطط السمان التي أثرت ثراء فاحشًا على أشلاء الحطام البشري في الأرض المحتلة- تقدر على قيادة كفاح يحتاج إلى بذل الأرواح قبل بذل الأموال، والتضحية بكل مرتخص وغال قبل اقتحام المعارك وخوض الصراع، إن هذه الحيتان البشرية التي تتصدر الساحة اليوم قد أكلت شعبها وتمتص اليوم عظامه، ولم ولن تفكر يومًا أن تولي وجهها نحو عدو أو صوب عمل فاعل؛ لأنها نتاج أنظمة مهزومة أخرجتها ورعتها ونصبتها، ورضيت عنها وقدمتها للعدو كقيادة للتفاوض وكرواد لشعب، وطليعة لأمة، ولم تخرج من صلب الشعب ولا من لحمته وسداه، أو يلدها رحم الأم الرؤوم، أو تحملها أحشاء الأرض الطيبة، وإنما ولدت سفاحًا لأب غير شرعي، ولهذا تراها لا تحمل عاطفة الأبوة، ولا حنان الأمومة، ولهذا نجد أن جميع المحللين في هذه الأيام ينطقون نفس الحقيقة، ويقرون نفس النتيجة، فنرى أحدهم يقول: «الواقع أن تصحيح الأوضاع في السلطة الفلسطينية أمر صعب ومعقد، خصوصًا أن الفساد ناتج هنا عن انعدام الشعور بالمسؤولية لدى المسؤولين القياديين في سلطة وطنية لا تزال تبني ذاتها، وتقيم لعملها تقاليد أخلاقية» وزيادة على ذلك فإنها لا تحترم مشاعر الشعب المعدم والمحتاج، وهو أمر واجب وضروري في الحالة الفلسطينية؛ لأن الشعب الذي بقي في الأرض، وتحمل من عنت اليهود ما تحمل، وصمد وكافح وعانى من جرائم الاحتلال- يحق له في أقل القليل ألا يرى قيادته الآتية من الخارج تمارس مظاهر الثراء الحرام بدون حساب لمشاعره أو اهتمام فاعل بمستقبل معيشته، وهذا -ولا شك- يساهم بشكل صارخ، مع انسداد أفق السلام المزعوم في تقليص فسحة الأمل، وتوسيع رقعة الضيق والإحباط، مع ظواهر أخرى كثيرة ومتعددة أقلها عدم الكفاءة في التصدي للعدو، أو مقاومة شهواته التوسيعية التي تزداد كل يوم على حساب الوطن والمواطن الفلسطيني.
والفلسطينيون مدعون اليوم قبل غيرهم أن يتعلموا من عدوهم الإسرائيلي الحاقد، ومن مسيرته في اغتصاب أرضهم واستغلالها والاستفادة منها، وعدم تبديد المال، والحرص على أن يذهب كل قرش للغاية المحددة له، ولو كان الفساد قد تطرق إلى فصائلهم لما كان قد تهيأ لإسرائيل هذه القوة العسكرية والاقتصادية، ولما استطاعت اجتذاب المهاجرين من كل حدب وصوب حتى بلغوا أضعاف أضعاف أعدادها في مدة وجيزة، ولما كان اقتصادها ودخل الفرد فيها قد بلغ مستوى ينافس أرقى الدول في العالم.
والسؤال المطروح أمام السلطة الفلسطينية اليوم، هل أنتم تريدون إنشاء دولة أم تريدون إنشاء مجتمع من العبيد، الذين يكدون لينعم الأسياد، ويعملون لينهب عملهم ويذهب صنيعهم هباءً منثورًا؟ وهل المراد تكوين حكومة كفاح ونضال ومطالبة بالحقوق، أم عصابات للسطو والنهب وسلطة للسيطرة على الجياع، وتكميم الأفواه وكبت الحريات، وشرطة لخدمة إسرائيل، وسجن للأحرار، وتسليم للمجاهدين المكافحين للمستعمر والمغتصب الجاسم على أنفاس الشعب المسكين؟ فيخرج الشعب المسكين من مصيبة ليجد داهية في انتظاره.
والمستجير بعمروٍ عند كُربته *** كالمستجير من الرمضاء بالنار
وأعتقد أنه لا خلاص إلا بسلطة تنبع من عيون الشعب، وتخرج من رحمه، وتكون ابنة شرعية له تعطي ولا تأخذ، وتضحي ولا تنهب، وتصلح ولا تفسد، وتقف أمام العدو كالطود الشامخ، وليس كالفأر المذعور.
وإذا أردت أن تقارن بين حركة حماس وبين السلطة الفلسطينية، تجد الفرق ما بين السماء والأرض؛ لأن النبع مختلف، والولادة مختلفة، والهوية غير الهوية، ولهذا كان البون شاسعًا بين الاثنين، فحماس تضحي عناصرها بالنفس والدم والمال، وكل مرتخص وغال في سبيل أهداف أمتها، وبغية الحفاظ على الأرض والعقيدة والهوية والشعب، والسلطة تجمع المال وتكدس الأرصدة، وتسمن الكروش، وترهل الأجساد، وتفتح قنوات الضياع مع العد، وتتنازل كل يوم عن حقوق الأمة ومقدساتها.
وليت الأمر قد وقف عند هذه الحدود، ولكنه تجاوزها إلى تعهد السلطة بالحفاظ على سلامة المستعمر وممتلكاته، وكبت المخالفين له بالسجن والتعذيب والقتل إن لزم الأمر، والاعتذار عن كل ما يصيب العدو، مما لم تستطعه السلطة، أو يخرج عن نطاق السيطرة، ولو كان ذلك سبب الاعتداء على المقدسات أو الدماء والحرمات.
رضوا بالأماني وابتلوا بحظوظهم *** وخاضوا بحار الجد دعوى فما ابتلوا
فهم في السرى لم يبرحوا من مكانهم *** وما ظعنوا في السير عنه وقد وكلوا
فهل ترى معي أيها الحبيب أن هؤلاء يستطيعون أن يقودوا كفاحًا، أو يحققوا نصرًا، أو يرفعوا هامة؟ ومن الذي يستطيع إذن ويكون -إن عاجلًا أو آجلًا- مؤهلًا لريادة الكفاح؟ أحماس أم الأربعون حراميًا؟