; في عين الشمس: المأساة أكبر من بلقيس | مجلة المجتمع

العنوان في عين الشمس: المأساة أكبر من بلقيس

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 23-فبراير-1982

مشاهدات 68

نشر في العدد 562

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 23-فبراير-1982

وأخيرًا أحس نزار القباني أن هذا الوجود مسكون بالمجرمين القتلة، ومملوء بآباء اللهب، والجهل، والرغال، وأنه ليس امرأة جميلة معطرة وتافهة الأفكار والعواطف فقط.

  • وحتى إحساسه هذا جاء متأخرًا وبالغ الهشاشة من خلال رثائه لزوجه بلقيس، التي قتلت تحت ركام السفارة العراقية في بيروت، ولقد نشرت القصيدة في صحف مختلفة، ونظنها وصلت إلى قاعدة عريضة من القراء، ولذلك سنكتفي هنا ببعض الإشارات من خلالها إلى خصائص نزار الفنية والفكرية، مع سوالبه التي تعرفنا إليها سابقًا.

  • أن مفتاح الدخول إلى هذه القصيدة ما صرح به نزار للمعزين وذكرته مجلة «ألف باء» العراقية في ٣/ ٢/ ٨٢ قال:

«كيف أستطيع أن أنسى أنها ها هنا معششة، في خلايا جسدي؟ إنها في كل زاوية في البيت الذي أسسناه معًا في غرفة النوم، والجلوس، والطعام، ها هنا مرآتها، وهنا ملاقط شعرها، وهذا قلم حمرتها، وتلك بودرتها، وهذا مقص أظافرها، ووراء هذه الخزانة ملابسها قطعة قطعة، وبصمات أصابعها الرقيقة فوق الكؤوس وفناجين القهوة والمرايا والزجاج والمقاعد، بلقيس في كل مكان، هي ذهبت، فقدت الحس ومات، أما أنا، أما أنا. ويصمت الشاعر باكًيا».

  • لقد آثرنا نقل هذا التصريح كاملًا؛ لأنه وثيقة نفسية واضحة الدلالة والبيان على حالة زوج فقد زوجه، ولكنه ماذا فقد فيها؟ إنه فقد المرأة بأشيائها الصغيرة الخاصة، بدليل ذكره لهذه الأشياء في القصيدة، يقول وننقل قوله بخطه:

     بلقيس: تذهب التفاصيل الصغيرة في علاقتنا، وتجلد في الدقائق والثواني، فلكل دبوس صغير قصة، ولكل عقد من عقودك قصتان، حتى ملاقط شعرك الذهبي تغمرني كعادتها بأمطار الحنان، ومن المرايا تطلعيني، من الشموع، من الكؤوس، من النبيذ الأرجواني.

     بلقيس: أين زجاجة (الغيرلان)، والولاعة الزرقاء؟، أين سيجارة الـ (كنت) التي ما فارقت شفتيك؟ أين (الهاشمي) مغنيًا فوق القوام المهرجان، تذكر الأمشاط ما حنيها، فيكرح دمعُها، هل يا ترى الأمشاط من أشواقها أيضًا ً تُعاني؟

  • والإشارات إلى الصفات الخارجية والأشياء المادية كثيرة في القصيدة، بينما يفتقد الناقد البصير تلك الإشارات إلى (المعاني والقيم) في المرأة؛ فنقع على مثل هذه التعابير:

«أجمل الملكات، أطول النخلات، نينوى الخضراء، والغجرية الشقراء، العصفورة الأحلى، والأيقونة الأغلى، الفراشة، العطر، الغزالة الكنز الخرافي، الرمح العراقي» وهذا الكلام من عشرة مقاطع فقط من قصيدة بلقيس الثلاثين مقطعًا على عدد أيام الشهر.

  • وليت الأمر وقف عند هذا، بل تعداه إلى ذكر أشياء تافهة وحتى محرمة (النبيذ الأرجواني! وزجاجة الغيرلان! وسيجارة الكنت! والولاعة الزرقاء، والأمشاط والضفائر، «والخواتم» والأساور، والمرايا، واللعب).

  • كل هذا ولم يبخل عليها بأوصاف غريبة أخرى، مثل: (الصفصافة، والزرافة، والغرس، والغزالة، والعصفورة، والبلبل، والقمر، والفراشة، والنخلة، والجزيرة، والمنارة، وأخيرًا لم يبق إلا الرسولة).

  • تبقى عدة ملاحظات على هذا الرثاء، منها:

    • ظهور النرجسية بالإسقاط على فردية الفقيدة ودليلها العبارات التالية: بلقيس كانت أجمل الملكات في تاريخ بابل، يا فرسي الجميلة، يا معشوقتي حتى الثمالة، الشمس بعدك لا تضيء على السواحل، الشعر بعدك مستحيل، والأنوثة مستحيلة، ومنها نظرته إلى المرأة جسدًا، لا قيمًا نبيلة (هل تعرفون حبيبتي بلقيس، فهي أهم ما كتبوه في كتب الغرام!!

كانت مزيجًا رائعًا بين القطيفة والرخام

     وفي إطار هذه النظرة لم يستح أن يتهم النساء جميعًا بالزنى، ويجلد وجوه الناس بقوله: (لا طفل يولد عندنا إلا وزارت أمه يومًا فراش أبي لهب).

     وهو هنا يرمز بأبي لهب إلى كل من قتل زوجه؛ فهو رمز عام، مدلوله مطاطي، كما هي الملاحظة الدائمة على تعبيرات القباني.

  • ومنها ميوعة الموقف التي يدفع إليها جبن متأصل في النفس، وهرب من الواقع إلى برج عاجي معزول عن الجمهور، ولكن الصدمة هذه التي دخلت بيته رغم أنفه جذبته من الخلف ليلتفت قليلًا إلى الوراء حيث تضج آلاف الصرخات المكتومة في سجون الطغيان المنداحة على ساحة الوطن الإسلامي المقهور صحيح أنه قال: إن قضاءنا العربي أن يغتالنا عرب، ويأكل لحمنا عرب، وأنه قال: لا سجن يفتح دون رأي أبي لهب، لا رأس يقطع دون أمر أبي لهب -لعله أمريكا مثلًا- أو الصهيونية، والإمبريالية العالمية، ربما!

     ولكنه لم يجرؤ أن يقول لنا من هو أبو لهب هذا، فإذا كانت هذه الحادثة الرهيبة بكل عنفها لم تستطع دفعه إلى قول الحقيقة؛ فأي حادثة أخرى ستدفعه؟

     إنه -كما توقعنا في المقالات السابقة- لم يستطع نزار حتى في حزنه المفترض أنه أكثر صدقًا وحرارة وإحساسًا أن يتخلص من قيود شبكته التي وقع فيها أسيرًا، وهكذا أكدت هذه القصيدة صدق رأينا فيه وفي خصائصه البارزة: المادية، والنرجسية، وعقدة الجنس، وفراغ المضمون، وهشاشته، ومطاطية الألفاظ، وزنبقية التعابير، كما أظهرت الفرق الواسع البعيد بين موقف المؤمن الصادق تجاه قضية الموت، وبين موقف غيره من الماديين والوجوديين، ولقد قلنا من قبل: إننا نحترم عاطفة الحزن، ولا نريد جرح الإحساس بها، ولكن المسألة أبعد من التشفي؛ إنها مسألة الحقيقة الخالدة، حقيقة الصراع بين الحق والباطل، وعليه فإن ضجيج الألفاظ، ورنين الكلمات هنا لن يخدعانا عن ضعف المضمون الفكري وهشاشة البناء النفسي للشاعر والفقيدة معًا.

     وكلمة أخيرة كنا نود المقارنة بين هذا الرثاء وبين رثاء آخر كريم لشاعر قديم هو جرير الأموي، أو شاعر آخر قريب العهد هو عزيز أباظة -رحمه الله- من خلال ديوانه «أنات حائرة» لنرى الفرق الواسع بين طريقتي التناول، ولكن المقام لم يساعد، وعسى يقوم بذلك أخ آخر، وسوف يرى فيه موضوعًا طريفًا، وهكذا نستطيع القول: إن المأساة أكبر من بلقيس، وهي أسبق من مصرعها بكثير جدًا.

ناقد عابر.

 

  • الطغاة:

كم ظالم كم طاغية                  هم والذئاب سواسية 

حكموا البلاد بغلظة                      وبقسوة متناهية

فرعون سار طريقهم                 ظلم العباد علانية

وبقوله أنا ربكم                       دعواه كانت واهية

في اليم ضاعوا كلهم              غرقوا معًا في ثانية

كل الطغاة وجندهم                   لم تبق منهم باقية

تبت أياديهم فقد                        سفكت دماء غالية

أين العتاة وأين من             سكنوا القصور العالية؟

ذهبوا وأبقوها بلا                 أحد وأضحت خالية

فعليهمو غضب الإله                    ولعنة متوالية

أبو حافظ- فلسطين

الرابط المختصر :