العنوان مقترحات تينيت الصهيونية .. مرفوضة
الكاتب محمود الخطيب
تاريخ النشر السبت 23-يونيو-2001
مشاهدات 62
نشر في العدد 1456
نشر في الصفحة 24
السبت 23-يونيو-2001
لن يكتب لوقف إطلاق النار النجاح مادامت العقلية الصهيونية هي التي صاغته بينما السلطة غير قادرة على تطبيقه.
تلاحقت الأحداث في الأراضي الفلسطينية المحتلة لاحتواء الانتفاضة التي اندلعت في أواخر سبتمبر الماضي ودخلت الإدارة الأمريكية من خلال وكالة الاستخبارات المركزية «سي أي إيه» طرفًا أساسيًّا في محاولة فرض وقف ما أسمته إطلاق النار بين الفلسطينيين وجيش الاحتلال على الرغم من تعهدات سابقة قطعتها إدارة الرئيس بوش لتل أبيب بعدم التدخل. وكان بقاء الإدارة الأمريكية في معزل عما يجري في الأراضي المحتلة مطلبًا أساسيًّا قدمة رئيس حكومة العدو السابق باراك وأكده شارون من بعده ظنًّا منهما أن ذلك قد يحررهما، من الالتزامات تجاه السلطة الفلسطينية والاتفاقات الموقعة معها وخصوصًا في مسألة التوسع الاستيطاني.
لكن التصعيد العملياتي الذي حدث وانكشاف زيف تعهدات شارون لناخبيه بتحقيق الأمن ووقف الانتفاضة الفلسطينية خلال المائة يوم الأولى من حكمه اضطره إلى طلب نجدة الأمريكان وهو ما استجابت له واشنطن بسرعة.
وركز مدير «سيه أي إيه» «جورج تينيت» يهودي عينه الرئيس السابق «كلينتون» كل جهوده على فرض المطالب الصهيونية كما صاغتها حكومة شارون فكان ما يعرف بوثيقة تينيت وهي نسخة عبرية لمجموعة من المطالب الأمنية لوقف الانتفاضة وتعزيز الأمن الصهيوني على حساب حقوق الفلسطينيين السياسية والأمنية والمعيشية.
وقد نشرت الصحف العبرية ما قالت إنه النقاط الرئيسة لوثيقة تينيت وشملت:
- يتعهد الفلسطينيون بما يلي:
توقيف واستجواب وسجن أعضاء المنظمات الفلسطينية الراديكالية الذين تتهمهم «إسرائيل» بالتحضير لعمليات إرهابية والتي سلمت لائحة تتضمن عشرات من أسمائهم إلى السلطة الفلسطينية.
- تقديم أسماء الأشخاص الموقوفين إلى لجنة أمنية مشتركة.
- مصادرة مدافع الهاون والأسلحة الأخرى التي يحوزها فلسطينيون بطريقة غير شرعية في انتهاك لاتفاق أوسلو ۱۹۹۳م ..
- إغلاق ورشات صنع قنابل الهاون!.
- تسليم «إسرائيل» جميع المعلومات الخاصة بالتخطيط لهجمات.
* منع تهريب الأسلحة.
* وضع حد للحض الرسمي «من جانب السلطة على العنف والهجمات ضد «إسرائيل» والمستوطنات اليهودية.
- تتعهد «إسرائيل» بما يلي:
- الامتناع عن مهاجمة المؤسسات المدنية أو العسكرية التابعة للسلطة الفلسطينية.
- الامتناع عن استخدام الأسلحة القاتلة لتفريق المتظاهرين.
- اتخاذ التدابير اللازمة ضد مواطنيها المسؤولين عن عمليات انتقام أو حض على العنف ضد الفلسطينيين.
- التحقيق في مقتل الفلسطينيين الذين لم يتورطوا في «أعمال إرهابية» والذين قتلوا أثناء مواجهات مع الجيش.
- الإفراج عن الموقوفين الفلسطينيين الذين لم يشاركوا في «أعمال إرهابية» وخصوصًا المتظاهرين الذين رشقوا الحجارة.
- إعادة نشر القوات الإسرائيلية في مواقعها السابقة لبدء الانتفاضة في ٢٨ أيلول / سبتمبر الماضي.
- رفع الإغلاق المفروض على الأراضي الفلسطينية والحصار الداخلي على المدن الفلسطينية.
- يتعهد الطرفان بما يلي:
- منع الأفراد والمجموعات من استخدام القطاعات التي تخضع لسيطرتهما كقواعد للقيام بأعمال عنف أو كملاذ بعد القيام بمثل هذه الأعمال.
- الالتقاء مرة في الأسبوع واتخاذ تدابير ملموسة للعودة إلى التنسيق الأمني.
- إعادة تنشيط مكاتب الاتصال الإسرائيلية الفلسطينية.
- التشاور بانتظام على المستوى الأمني في مؤتمرات تعقد عبر أجهزة فيديو بواسطة معدات تقدمها الولايات المتحدة!.
وما لم تشر إليه وسائل الإعلام العبرية هو تبني تينيت لمطالب شارون بإقامة مناطق عازلة بين الخط الأخضر والمستوطنات اليهودية من جهة والمناطق الخاضعة لإدارة السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وقطاع غزة من جهة أخرى.
وقد وافقت السلطة الفلسطينية على ما جاء في وثيقة تينيت على الرغم من الحرج الذي وقعت فيه مع شعبها، ومن الأزمة التي يمكن أن تتفجر داخل حركة فتح التنظيم الرئيس في السلطة الفلسطينية، فقائمة المطلوب اعتقالهم من جانب السلطة التي قيل إنها تضم أكثر من ٣٠٠ ناشط «الصهاينة يقولون إنهم ۱۲۰ فقط» لا تضم أعضاء في حركتي حماس والجهاد الإسلامي فحسب، وإنما أيضًا أعدادًا كبيرة من حركة فتح الذين تدعي تل أبيب بأنهم شاركوا في عمليات أو هجمات على أهداف صهيونية ومن شأن اعتقال هؤلاء الناشطين اصطفاف السلطة إلى جانب العدو في قمع الانتفاضة التي تدعي السلطة في كل المنابر أنها هي التي تقودها!.
وقد برز خلاف واضح داخل فتح بين القيادة الرسمية ممثلة بالرئيس عرفات واللجنة المركزية لحركة فتح وبين القيادة الميدانية لفتح وخصوصًا في الضفة الغربية «ففتح غزة أقرب إلى السلطة وعرفات من فتح الضفة الغربية».
وفي أعنف هجوم يشنه مسؤول محلي في فتح على السلطة هاجم حسام خضر وهو عضو المجلس التشريعي الفلسطيني السلطة بسبب موافقتها على خطة مدير الاستخبارات المركزية الأمريكية وقال في حديث لوكالة قدس برس أنه توقع موافقة السلطة على خطة تينيت منذ اللحظة الأولى التي حط فيها مدير المخابرات الأمريكية قدميه على الأرض الفلسطينية!.
وقال خضر إنه لا يمكن أخذ التحفظات الفلسطينية على مقترحات تينيت بعين الاعتبار، مثل رفض المناطق العازلة، أو وقف الاستيطان أو غيره، مؤكدًا أن تنازلات سياسية فلسطينية خطيرة وكبيرة جدًّا قد حصلت.
وأرجع خضر ذلك إلى حرص القائمين على الوضع الفلسطيني على حياتهم الشخصية ومصالحهم الاقتصادية، التي ارتبطت منذ اللحظة الأولى في المفاوضات السرية في أوسلو بالاحتلال، وتفضيلها على المصالح الوطنية الفلسطينية كما قال.
وأوضح المسؤول الفتحاوي أن القبول بالعودة إلى الأوضاع التي كانت قبل ۲۸ أيلول/ سبتمبر الماضي هزيمة جديدة لقيادة السلطة، التي قال إنها «مازالت تتراجع في كل جولة مفاوضات بشروطنا الوطنية وسقفنا التفاوضي» ونسب خضر إلى «رعنان جيسين»، المتحدث باسم الإرهابي شارون أن المفاوضين الفلسطينيين وقعوا في فخ أمريكي- إسرائيلي وقال إن ذلك حاصل ولا يحتمل التأويل.
وحذر خضر إذا كانت السنوات السبع الماضية قد سجلت- بكل ما في الكلمة من معنى عار اعتقال نشطاء وبسطاء من حماس والجهاد والمعارضة، فإن المرحلة القادمة تحمل في مضامينها اعتقالات حماس والجهاد وفتح وكل من قد يشارك في مسيرة احتجاج سلمية، فيما سوف تستمر سياسة القمع الصهيوني على ما هي عليه الآن من قتل وتجويع وحصار وإغلاق ومصادرة أراض وتنفيذ عمليات نوعية والتحكم في كافة مظاهر حياتنا.
الفصائل الوطنية والإسلامية في الأراضي المحتلة ومن خلال لجنة التنسيق الفصائلي أكدت إصرارها على مواصلة الانتفاضة حتى دحر الاحتلال، وشددت على الرفض الجماهيري القاطع للمبادرات الساعية إلى إنقاذ شارون وعودة الأمور إلى ما قبل انتفاضة الأقصى، وكان خطباء المساجد في الضفة الغربية وقطاع غزة قد حذروا من خطورة القبول بخطة تينت واعتبروا ذلك طعنة في ظهر الشعب الفلسطيني، وقال أحد خطباء الجمعة إن وقف الانتفاضة «تنكر لدماء الشهداء وتضحيات الجرحى وإقرار بأننا إرهابيون نمارس العنف».
شارون والمائة يوم
ها قد انتهت المائة يوم الأولى من حكم شارون دون أن تلوح في الأفق بوادر على قدرة شارون على حل الأزمة الأمنية وما حدث هو العكس، فمجيء شارون كان نذير شؤم على الصهاينة إذ في عهده وقعت أكثر العمليات الاستشهادية قوة وعنفًا، وفي عهده تدهورت معنويات قومه إلى الحضيض، ولم تنفع سابقة شارون في استخدام طائرات إف ١٦ في ضرب الفلسطينيين بتحقيق حلمه في أن يحقق حلم الصهاينة بالأمن.
التقارير العبرية تشير إلى انهيار معنويات الصهاينة والمستوطنين وإلى زيادة أعداد الذين يقبلون منهم على بلع المهدئات ومضادات الاكتئاب وزيارة العيادات النفسية عما كان الأمر عليه قبل انتفاضة الأقصى، ويقول متحدث باسم إحدى شركات الأدوية: إن هذا الوضع أصبح ظاهرة ملموسة في صيدلياتنا التي سجلت زيادة كبيرة في المبيعات حتى إننا نعجز أحيانًا عن تلبية الطلبات على المهدئات، وقال إن شركته سجلت في القدس زيادة بنسبة ١٠٠% في مبيعات المهدئات بالنسبة للعام الماضي في حين تراوحت هذه الزيادة في المناطق الأخرى ما بين ٣٥ و٥٠ بالمئة.
وتصاعدت وتيرة الانتفاضة إلى الحد الذي دفع رئيس الوزراء الصهيوني الأسبق نتنياهو إلى المطالبة بالقضاء على البنية الأساسية الإعلامية للسلطة الفلسطينية بدعوى أنها تحرض على العنف ضد اليهود، وهو أيضًا أحد المطالب التي تضمنتها وثيقة تينيت.
وأوردت صحيفة معاريف العبرية تصريحًا لنتنياهو خلال مؤتمر عقد في مستوطنة شوهام، قال فيه أول الأشياء التي كنت سأفعلها وقف البث الإذاعي عبر أجهزة الإعلام الفلسطينية، وأضاف كنت سأمنعهم من استيراد ورق للصحف بحيث يفقدون القدرة على إصدار الصحف، وكنت سأضرب كامل البنية التحتية الإعلامية ووسائل الاتصال الخاصة بهم. وادعى نتنياهو أن ما سماه سياسة «ضبط النفس» التي تلوح بها حكومة شارون ما هي إلا خطوة تكتيكية تصلح ليوم أو يومين ولكنها لا تشكل استراتيجية للمدى البعيد.
وقف إطلاق النار الذي أعلنه تينيت والذي بدأ رسميًّا ظهر يوم ١٣ يونيو/ حزيران لم يكتب له النجاح والحياة ولن يكتب ما دامت العقلية الصهيونية والشارونية هي التي صاغته والسلطة الفلسطينية غير قادرة على فرض هذا الأمر على أتباعها، ناهيك عن تنظيمات المعارضة الرئيسة وخصوصًا حماس والجهاد اللتين رفضتا وقف إطلاق النار المزعوم وقد صرح وزير الإعلام الفلسطيني ياسر عبد ربه وأكثر من مسؤول فلسطيني آخر بأن السلطة لا يمكن أن تقبل بأن تلعب دور الشرطي الإسرائيل، في اعتقال أبنائها، كما أن شارون لم يظهر حسن نية بالالتزام بوقف إطلاق النار وفي الاستجابة لرفع الحصار المفروض على المناطق الفلسطينية وهي مسألة اعتبرتها السلطة شرطًا للالتزام بمقترحات تينيت .. الصهيونية.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل