; انتبهوا أيها الآباء: الزواج الثاني قد يصبح ضرورة | مجلة المجتمع

العنوان انتبهوا أيها الآباء: الزواج الثاني قد يصبح ضرورة

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 15-ديسمبر-1987

مشاهدات 90

نشر في العدد 847

نشر في الصفحة 34

الثلاثاء 15-ديسمبر-1987

حدة المهور في كثير من المجتمعات العربية تكسرت مع تدهور الوضع الاجتماعي.

إباحة التعدد والقبول به وتطبيقه اجتماعيًّا فيه حل لكثير من المشاكل الاجتماعية المعقدة المعاصرة.

هذا الموضوع من المواضيع الشائكة اجتماعيًّا خاصة في هذا العصر، وقد اعتبر من المواضيع الحساسة التي هوجم الإسلاميون بسببها من قبل الذين يسمون بالتقدميين وأدعياء التحرر ومساواة المرأة. ولكن الواقع يفرض نفسه ويطرح المزيد من التساؤلات في مجتمعاتنا التي تتزايد فيها نسب الطلاق والعنوسة والخيانة الزوجية، وخاصة بارتفاع نسب الإناث مقابل الذكور بشكل كبير في أكثر من بلد وأكثر من دولة.. فهل يصبح الزواج الثاني ضرورة اجتماعية لا مفر منها؟

 التقرير التالي يناقش الموضوع..

منذ الحرب العالمية الثانية وأوروبا والولايات المتحدة تشكو من قلة عدد الرجال وارتفاع نسبة الإناث من عدد السكان، وخاصة بعد الحروب الضروس التي خاضتها في العالميتين الأولى، والثانية. وكذلك كان الحال في اليابان والصين والاتحاد السوفياتي، لكن هل كانت الحرب هي السبب الوحيد في ارتفاع عدد النساء خاصة إذا علمنا أن الحرب مضى عليها الآن زمن طويل؟ ليس هذا هو السبب الوحيد فلقد استمرت نسبة الإناث في الارتفاع مقابل الذكور حتى وصلت إلى (١ ‏مقابل 4) في السويد والولايات المتحدة وإلى (1 ‏مقابل 5) في الاتحاد السوفياتي، وإلى (1 ‏مقابل 6) في اليابان، ولا تزال النسب في ارتفاع مستمر بالرغم من توقف الحروب، فالزيادة تأتي في المواليد! ولم تكن الزيادة خاصة بالعالم الغربي ففي بعض مناطق الصين تصل نسبة الذكور إلى الإناث ) ١‏ إلى 10‏) وقد أجبر هذا الواقع الديموغرافي حكومات البلدان المعنية على تشغيل النساء في كل موقع مهما بلغت خشونته ووضاعته، ففي تايوان تعمل النساء في البناء وجمع القمامة؛ وفي اليابان يعتبر مجال الخدمات خاصًّا بالنساء، أما في الدول الشيوعية فقد تعمل في مصانع الحديد وقيادة سيارات الأجرة.. ولعل هذا الواقع العالمي المعاصر الذي يختص بهذه القضية الاجتماعية الهامة هو تحقيق لنبوءة الرسول- صلى الله عليه وسلم- بأن من علامات الساعة أن يكون الرجل الواحد قيمًا على خمسين امرأة، فالمنطقة العربية من العالم الإسلامي يبلغ عدد النساء فيها ضعف عدد الرجال تقريبًا في هذا العقد وهذه النسبة مرشحة للارتفاع في العقدين القادمين لتصبح أربعة أضعاف.. وهي في بعض بلاد المسلمين تبلغ (١‏ إلى 5) خاصة إفريقيا.

آثار اجتماعية خطيرة

وبوجود النظام الغربي الذي لا يسمح بتعدد الزوجات؛ ويعتبر ذلك جريمة يعاقب عليها القانون: ظهرت آثار اجتماعية مدمرة هي أشد جرمًا وإثمًا من «جريمة التعدد» المزعومة.. فقد ارتفعت نسب الزنا بشكل مخيف بعد أن أصبحت النسوة يعرضن أنفسهن رغبة في الزواج لتظفر برباط الزواج الذي لا تأتي فرصته إلا مرة في العمر أو لإشباع غريزة البقاء المتمثلة في الجنس والأمومة. وكان لهذا التحلل الجنسي آثاره الأخرى في ارتفاع نسب الأمراض الجنسية الفتاكة. ثم الإعراض عن النساء لوفرتهن والاتجاه إلى الشذوذ والذي أثمر «الإيدز» وغيره من الأمراض في نهاية المطاف، كما أن القيود المفروضة على الطلاق في الديانة النصرانية جعلت الكثير من الناس في الغرب يتجه إلى الزواج المدني «العلماني» والذي يسمح بالطلاق ولكنه يفرض مصاريف مادية باهظة ساعة الطلاق يدفعها الزوج للزوجة؛ فابتدع الناس ما يسمى بالانفصال للتحايل على الطلاق بمصاريفه الباهظة. فيترك كل من الزوجين الآخر يعيش حياة إباحية مع من شاء مع بقائهما زوجين في نظر الكنيسة والقانون!

كما ارتفعت نسب العنوسة بشكل مخيف، فقد بلغ عدد العوانس في روسيا مثلًا أكثر من عشرين مليون امرأة عام 1980‏ ومعهن ارتفعت نسب المواليد غير الشرعيين.. لقد كان أحد الآثار للضحكة المبكية لذلك في الولايات المتحدة أن نسب المواليد عامة قد انخفضت حتى صارت معدلات النمو السكاني في أميركا ضئيلة جدًّا في حين انخفضت نسب المواليد الشرعيين من زيجات قانونية؛ نحد أن نسب ولادات الزنا قد ارتفعت، كما ارتفعت نسب الخيانات الزوجية ففي إحصائية أجرتها مجلة بريطانية متخصصة في شؤون النساء (ومنز اون) تكشفت حقائق مذهلة عن الواقع الزوجي للمجتمع البريطاني. إذ تبين أن كثر من 30%‏ من نساء بريطانيا المتزوجات اقترفن الخيانة الزوجية مرة واحدة على الأقل، وأن هناك 33% أخريات يعربن عن استعدادهن للخيانة لو أتيحت لهن الفرصة؛ لاعتقادهن أن أزواجهن يفعلون نفس الشيء!

الوضع في المنطقة العربية

في الخمسينيات والستينيات وحتى أوائل السبعينيات كان الكثير من الآباء يتدلل على العرسان الذين يطلبون أيدي بناتهم ويطلبون مهورًا عالية ويشترطون مؤهلًا عاليًا كالطب والهندسة وغيرها.. هذا الوضع تغير مع بداية الثمانينيات، فقد أصبح في كل عائلة فتاة عانس من كل أربع، وبدا واضحًا لكل أب متبصر أن الفرصة التي تقرع باب ابنته مرة أو اثنتين قد لا تقرع ثلاثًا أبدًا وأن ابنته التي كان يتمنى لها السعادة دومًا قد تظل عانسًا تنتقل من بيت أبيها إلى بيوت إخوتها حتى يوافيها الأجل.

وانكسرت حدة المهور في كثير من المجتمعات العربية؛ وخاصة مع تدهور الوضع الاقتصادي، وصار كثير من الآباء مستعدًا للمساهمة في تغطية جزء من مصاريف الزواج ليضمن سعادة ابنته مع شريك العمر.

لكن النظرة للزواج الثاني بقيت نظرة متخلفة إنسانيًّا وواقعيًّا وخاصة في المجتمعات التي تتلمذت على مناهج الغرب في الفكر والسلوك، وزاد من حدة الرفض العام للزواج الثاني الدور الخطير الذي تلعبه وسائل الإعلام باتهام الزواج الثاني أنه وراء التخلف الاجتماعي والفقر والمشاكل الاجتماعية العديدة وخاصة في القصص والمسلسلات (المصرية بالذات)، دون الإشارة من قريب أو بعيد إلى الواقع الأخلاقي المتدهور نتيجة القيود المفروضة على الزواج الثاني، فقد اتبع المسلمون خطوات الغرب في هذا الأمر كسائر الأمور فلاقوا نفس النتائج! لكن هذه النظرة توشك على الزوال هنا بفضل الله بعد أن أحس أولياء الأمور بحقيقة الواقع الموجود إسلاميًّا وعالميًّا وأن العرض أضعاف الطلب بكثير.

 أيهما أكرم؟

لقد فوجئ الكثير من هؤلاء الآباء المتعنتين في تزويج بناتهم للأكفاء خلقًا ودينًا ‏مع المغالاة في الطلبات المادية أن بناتهم قد تغيرت مسلكياتهن كثيرًا وبالذات في عصر دخل فيه الهاتف والفيديو فيه إلى كل بيت.. فصارت البنت في البيت مصدر قلق وهم للأب والأم و«شرف العائلة». وبدأت تثور التساؤلات: أيهما أكرم؟ زوجة مكرمة في بيت بالحلال وعلى سنة الله ورسوله وإن كانت ثانية وثالثة ‏، أم عشيقة بالسر تعيش بالحرام وتحمل سفاحًا وتلد ابن زنا؟ أيهما أكرم؟ عيش مع شاب مؤمن ذي دين وخلق وإن افتقر حينًا من الدهر ‏إن أحبها أكرمها وإن كرهها لم يظلمها أم حياة مع المترف الغني ولو خلا قلبه من الإيمان فيتركها الأيام الطوال كقطعة من الأثاث في البيت ليمارس النزوات المحرمة مع امرأة أخرى؟ أيهما أكرم؟ أن تعيش في بيت زوجها كزوجة شرعية، لها استقلالها وكرامتها وحريتها ومع زوجها وأولادها أم عانس تنتقل من بيت أبيها إلى بيت أخواتها وإخوانها تعمل في خدمة الآخرين حتى يوافيها الأجل؟ هل نحن نصارى؟ وهل تحول المسلمون إلى نصارى حتى يحرموا ما أحل الله ويستقبحوا ما جعله الله- عز وجل- طيبًا ومباحًا؟

إن تعدد الزوجات في الإسلام ليس مقيدًا ‏كما يزعم المدافعون الضعفاء في وجه الغربيين ‏بأي قيد أو شرط، فلا يشترط لمن يريد الزواج من ثانية أن توافق زوجته الأولى، أو أن تكون مريضة أو عاقرًا أو إلى ما غير ذلك من قيود مصطنعة على طريقة النصارى لتبرير الفراق والطلاق.

ولم يكن أحد من الصحابة يفهمه كذلك؛ فلم يكن فيهم من تزوج واحدة فحسب سوى علي بن أبي طالب- كرم الله وجهه- لشرط رسول الله عليه الذي زوجه ابنته فاطمة- وهو شرط ليس لأحد غير رسول الله- صلى الله عليه وسلم- فلما توفيت تزوج غيرها من النساء، ونص الآية صريح في نكاح ما طاب من النساء مثنى وثلاث ورباع؛ بحيث لا يزيد عدد النساء في ذمة الرجل على أربع في وقت واحد ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ﴾ (النساء: 7).

وهذا هو القيد الوحيد في مسألة تعدد الزوجات، فكيف تحول الحلال المباح إلى كبيرة من الكبائر تحت وطأة الحرب الإعلامية وقسوة الظروف الاقتصادية؟ أم أنه أحد كثير من أمور أخرى أضاع المسلمون فهمها وحسن معناها.. بعد أن أضاعوا ما أضاعوا من فهم دينهم وعقيدتهم وهو كثير.

واحدة فقط بأمر القانون

وكان من القواصم في هذه المسألة ما أصدرته بعض البلاد الإسلامية من تشريعات بشرية يضاهون بها شرع الله وهم أحط من هذا وأدنى؛ فيما يسمى بقوانين الأحوال الشخصية، فقد كان الهدف من هذه القوانين ضرب الإسلام فيما بقي له من معاملات في القوانين العربية المشتقة من القوانين الفرنسية والإنجليزية، ومحاولة إحلال المفاهيم النصرانية في العقيدة الإسلامية عن تعدد الزوجات؛ وهي مؤامرة ترتبط جذورها بمسألة تحديد النسل في بلاد المسلمين والتي يحاول الغرب أن يفرضها بالقوة في بلادنا حتى لا تشكل القوة البشرية الإسلامية خطرًا مستقبليًّا على الحضارة الغربية.. خاصة وأنهم في انقراض مستمر، إذ إن معدلات النماء السكاني قد وصلت إلى الصفر في فرنسا وألمانيا وصارت بالسالب في الدول الإسكندنافية كالنرويج وغيرها! وأميركا تنتظر وضعًا مشابهًا في نهاية القرن الحالي.

ومن عجائب ما عرض على القانون في إحدى الدول العربية التي تطبق هذا القانون الأعوج أن رجلًا حوكم بتهمة تعدد الزوجات، فلما أثبت لعدالة المحكمة (وما أظلمها) أن المرأة الشريكة في التهمة هي عشيقة له وليست زوجة؛ نال البراءة!

معًا في وجه المؤامرة

إن شرع الإسلام هو شرع الله المنزل من السماء من لدن لطيف خبير بعباده ولم يحترم دين قط ولا شرع سماوي أو بشري المرأة كما احترمها وكرمها الإسلام، وتعدد الزوجات هو من أسمى مظاهر التكريم للمرأة، فهو لا يرضى لها أن تكون عشيقة بالحرام بل زوجة بالحلال، ولا يريد لأولادها أن يعيشوا بلا أب في ظل الخطيئة؛ بل أولادًا شرعيين لهم كافة الحقوق الشرعيّة والمادية؛ وهو لا يريد لها إن طلقت أو ترملت أو كبر سنها أو وجدت كفؤا لها لكنه متزوج أن تبقى بلا زواج وتحرم من الفطرة والغريزة البشرية، وأعظم واجب قامت وتقوم به الأنثى في التاريخ الأمومة.

إن التعدد حصانة للرجل والمرأة معًا وأكرم للمرأة وأحفظ لحقوقها وحقوق أولادها‏.. وهو في حقيقته عبء زائد على الرجل، لو جاز لنا أن ننظر إليه من منظور مادي بحت، وهو أكرم للمتزوجة من أن يخونها زوجها كل يوم مع امرأة لا تعرف من هي ولا أين يختلي بها ولا ما ينقل إليها هي من أمراض جنسية مخيفة بسبب علاقاته الآثمة.. فلتكن المرأة الأخرى في حياة زوجها أختًا لها في الله، خير من أن تكون الأخرى امرأة ساقطة تبيع جسدها لمن يدفع الثمن على قارعة الطريق.

إن الواقع الفطري والبشري والديموغرافي، وتطور الوضع الاجتماعي الإسلامي والعالمي يفرض تعدد الزوجات كحل للمشكلة الموجودة، والمتمثلة في ازدياد عدد النساء المطرد مقابل الرجال ويشكل صمام الأمان الأخلاقي في مجتمعاتنا التي تواجه خطر الانحراف الأخلاقي والانجراف إلى العلاقات المحرمة لنصل إلى ما وصل إليه الغرب من نتائج مأساوية عقابًا له على انحرافه عن شرع الله وفطرته التي فطر الناس عليها.

والمؤامرة على التعدد هي مؤامرة على المسلمين!

 ومن المعروف أن بلاد المسلمين، خاصة الجزيرة العربية ودول الخليج (باستثناء البحرين تعاني من قلة كثافة السكان وقلة اليد العاملة) وإذا نحن لم نملأ بلادنا بنسلنا فسيأتي غيرنا ويملأها، فالجزيرة العربية قادرة على استيعاب عشرين ضعفًا من عدد السكان الموجود فيها حاليًّا وهو قريب من خمسة عشر (15) مليون نسمة.

والذي يقف في وجه التعدد لا يريد للغرب والشرق أن يحتلوا أرضنا فحسب، بل هو يشجع على رواج الفاحشة بين المسلمين كذلك.

 وإن إباحة التعدد والقبول به وتطبيقه اجتماعيًّا كما نقبله عقيدة فيه حل لكثير من المشاكل الاجتماعية المعقّدة المعاصرة، لعل أهمها هو غلاء المهور والعنوسة، إن الآباء والأبناء والبنات والأزواج والزوجات؛ مدعوون جميعًا للوقوف في وجه المؤامرة التي تستهدف أمرًا هامًّا وحيويًّا من أوامر الإسلام.. وإن يكن ليس هو وحده الجانب الوحيد في وقت نسي فيه المسلمون دينهم واتبعوا طريق الغرب.. والله يهدي للحق وهو يهدي إلى سواء السبيل. 

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل