; سكرتيرة الكاردينال تفر إلى الله | مجلة المجتمع

العنوان سكرتيرة الكاردينال تفر إلى الله

الكاتب محمد سعيد باه

تاريخ النشر السبت 03-أغسطس-2013

مشاهدات 112

نشر في العدد 2064

نشر في الصفحة 40

السبت 03-أغسطس-2013

«حليمة السعدية فاي» كانت سكرتيرة الكاردينال الكنيسة الكاثوليكية في السنغال والدول المجاورة لها .. ثم قررت الدخول في الإسلام.

كانت إرهاصات الإيمان الصحيح تطفو على سطح حياتها من حين لآخر وتجعلها تطرح تساؤلات كانت تصطدم بها في حياتها

حين قررت إبلاغ أسرتها بإسلامها... بدأت بالوضوء.

«السكرتير» لفظة أجنبية أبسط ترجمة لها «أمين سر» ولأن حياة الكنيسة تقوم على الأسرار عقيدة وتنظيمًا وحياة اجتماعية وأشياء أخرى لا نعلم عنها الكثير(١) فإنه لا بد من التشدد في معايير اختيار من يكون حارس البوابة، كما يقول الإعلاميون؛ وهو ما يجعل مسألة اعتناق سكرتيرة شخصية كنسية بحجم الكاردينال «ياسيئت تشاندوم» الذي تربع على عرش الكنيسة الكاثوليكية في السنغال والدول المجاورة لها طيلة ٤٢ عامًا، مسألة غاية في الخطورة ولا يمكن أن تمر مرور الكرام، وهو البعد الذي يعطي لهذه القصة وزنها الخاص وطعمها المميز كذلك.

ثم إن الانخراط في الدائرة الضيقة من المحيطين برأس الكنيسة المحلية في منطقة مهمة وحساسة مثل السنغال، تعتبر حظوة كبيرة لا ينالها كل من يتمناها، بل لا بد من شروط صارمة وظروف مساعدة تتيح لشخص ما الترشح لهذا الشرف الكبير، وكانت وظيفة سكرتيرة الكاردينال في قلب هذه الدائرة الحساسة التي ينظر إليها كثيرون من أتباع الكنيسة بقدر كبير من الهيبة الممزوجة بالغبطة.

أسرة مسيحية متعلقة بالكنيسة:

ولدت هذه الشابة في أسرة مسيحية، ليست فقط عميقة التدين، بل شديدة التعلق بالكنيسة وبرموزها؛ وهو الأمر الذي يسر لبنتها أن تختار لتولي وظيفة بهذه الحساسية الشديدة، حيث كانت في موقع يمكنها من الاطلاع على أخطر الأسرار التي يجب أن تظل حبيسة وراء الجدر العالية حسًا ومعنى.

تقول «حليمة السعدية فاي»، الاسم الذي حملته بعد أن أعلنت تخليها عن عقيدة التثليث والانضمام طواعية إلى موكب التوحيد الخالص حيث لا مجال للأقانيم ولا الجوقة من الآلهة المركبة، تقول في إحدى سلاسل المحاضرات التي ألقتها بعد أن أشهرت إسلامها: «كنت منعمة، وكنت أعيش في هناء وراحة بال، ولم أكن في حاجة إلى شيء إلى اليوم الذي قررت فيه أن أدخل في الإسلام»

إرهاصات الإيمان

كانت إرهاصات الإيمان الصحيح تطفو على سطح حياتها من حين لآخر، وتجعلها تطرح كثيرًا من التساؤلات التي كانت تصطدم بها في حياتها الدينية، وفي تلك الأجواء المغلقة التي كانت تعيش فيها داخل الكنيسة، من مقررات وتقاليد راسخة لا يجرؤ أحد على مجرد التساؤل حولها بل التشكيك فيها.

ومع هذا النزوع إلى إرواء العطش الإيماني في روحها الحائرة، فإن الواقع المحكم الإغلاق الذي كانت تعيشه فرض عليها أن تستمر في محاولة كتم ما كان يثور في نفسها من العواطف لتتحول إلى صراع نفسي يمزقها تمزيقًا؛ لأن البوح بذلك كان يعني ببساطة أن تفتح على نفسها أبواب الجحيم؛ لأنها كانت تعرف أكثر من غيرها السنة المتبعة للتعاطي مع مثل هذه الحالة التي تصنف على أنها ضمن المصالح العليا لدولة الكنيسة العتيدة، فضلًا عن مدى الحساسية المفرطة التي كانت القيادة الكنسية تتعامل بها مع القضايا التي لها تعلق بالإسلام.

قبل السفر للفاتيكان

والأغرب في القصة أن لحظة التحول إلى دائرة الإسلام جاءت قبل ثلاثة أيام من سفرها إلى الفاتيكان لتقيم فيه سبعة أعوام في إطار انتداب لها إلى عاصمة «الكثلكة» حيث ستكون على مقربة من البابا؛ الأمر الذي يعتبر حظًا سعيدًا نادرًا ما يحظى به مسيحي، أما أسرة حليمة فقد ضاعفت هذه الملابسات من مرارة الهزيمة التي منيت بها، قررت المضي في خوض هذا الصراع المميت وهي عزلاء من أي سلاح، مجردة من أي إسناد إلا إيمانها الراسخ بأن العناية الإلهية لن تتخلى أبدًا عن شخص يتجه إلى الله بصدق وإنابة، وقد هون عليها ذلك ما لقيته من العنت في سبيل التمسك بقوة بعقيدتها مهما كفها ذلك من ثمن.

الهداية في رمضان

ومن جميل تقدير الله لهذه الشابة التي قررت خوض هذه التجربة التي ستتحول بها حياتها تحولًا كليًا سيكون لها لما بعدها من النتائج، أن أنوار هداية الله لها قد انقدحت في أقطار قلبها، والناس تعيش في ظلال شهر رمضان الفيحاء، وهو ما ضاعف من الأثر النفسي لديها، كما أعطاها فرصة ذهبية لتتبلور هويتها الإيمانية الجديدة بعد أن تقصم كل العرى التي كانت تربطها بذلك العالم المترع بالصور والأخيلة والروايات المستمدة من الخرافات ومن الأساطير الموغلة في عالم نسج من ترسبات الوثنية المقننة. 

تقول حليمة: إنها حين قررت الانتقال إلى دائرة الدين الحق لم تكن ردود الكنيسة تهمها بقدر ما كانت تتوجس من الزوبعة التي ستهب داخل أسرتها حين يطلعون على قرارها الخطير، الذي سيكون بمثابة صدمة حادة تدفعها لاتخاذ موقف متطرف تجاهها بدافع شدة تعلقها بالكنيسة، وما كانت تعتبره خدشًا لشرف كونها سكرتيرة خاصة لرئيس الكنيسة؛ وهناك ما ستتعرض له الأسرة جراء ما تعتبره المهانة بل السبة التي ستلحق بها وما سيجلبه ذلك عليها بفعل سلوك بنتها الشائن.

تقول حليمة عن هذه اللحظة الحرجة: «كنت أعرف مسبقًا ما كان ينتظرني من قبل أسرتي تجاه تحولي إلى دين الإسلام، ولذلك قررت ألا يكون ذلك عن طريق الكلام، بل اخترت أن يكون بطريقة عملية، وهنا انتهزت فرصة شهر رمضان، ونظرًا لأنني كنت أعرف أن أبي يخرج مبكرًا كل صباح حيث يقف وسط البيت بعد طلوع الفجر يتأمل الأشجار، في هذه اللحظة شرعت في الوضوء، وفي البداية ظن والدي أنني أغسل أطرافي فقط، لكن لما لاحظ أنني استنشق واستنثر بادر إلى طرح السؤال الذي كنت انتظره: أتتوضئين؟ فأجبت بنعم..».

بهذه الطريقة الذكية والمفعمة بروح التحدي تعبيرًا عن مدى تغلغل حقائق الإيمان بالله الواحد الصمد في تضاعيف روح هذه الشابة، دشنت رحلتها إلى الله، وقد صدق حدسها لما ثارت ثائرة أبيها بل اندلعت ثورة عارمة في نفسه بعد أن أبلغ أسرته النبأ الذي وقع عليها وقع الصاعقة، ثم طار الخبر الجسيم وانتشر انتشار النار في الهشيم في كل الأوساط التي كانت على اتصال بالعائلة، وبالتالي قررت الأسرة بسرعة العمل لاحتواء الموقف.

تهديدات وتعذيب

فحين لم تجد التهديدات الأولية لثنيها عن المضي في طريق الهلاك، كما كانوا يرون، التي أخذت تسير فيها، أخذوا يتفننون في تعذيبها نفسيًا وجسديًا على أمل أن يفت ذلك من عزيمتها، لكن خاب ظنهم، ومن ثم قرروا نقلها إلى دكار حيث تعرضت لمزيد من التعذيب بما في ذلك حبسها ومنعها من الاتصال بأي شخص، مع الاستعانة بالكنيسة التي وظفت هي الأخرى طرائقها الخاصة التي غالبًا ما تلجأ إليها لمواجهة مثل هذه الحالات التي تعتبرها ضربة قاضية ومسًا بكبريائها.

من الطريف أن والدها لجأ إلى القانون؛ حيث رفع دعوى قضائية بدعوى أنها كانت قاصرًا من الناحية القانونية، ولكن المحاكم لم تسعفه حيث خذلته عقيدة متهافتة لم تستطيع الصمود أمام حقائق الإيمان المتجاوب مع مسلمات العقل ومع المنطق البسيط الذي فطر الله عليه عباده ليهتدوا إليه في كل مرة تزاح الحواجب الكثيفة وتذلل العقبات المصطنعة.

ولما فشلت المحاولات جميعًا سعوا إلى التفاهم معها والوصول إلى حل وسط يحفظ لهم ماء وجوههم؛ فطلبوا منها التخلي عن اللباس الشرعي الذي استبدلت به ما كانت ترتديه قبل أن يمن الله عليها بالهداية، والوصول إلى ذلك الشاطئ الآمن أو منزل الهناء الذي رأته مرارًا وتكرارًا في منامها، فيقول لها الرسول الكريم ﷺ: «إذا كنت تريدين امتلاك هذا المنزل هناك يكفيك أن تنطقي بالشهادتين».

أصبحت داعية

أسلمت فصدقت الله في إيمانها، وحسن إسلامها فتعلمت وفهمت حقائق دينها، ثم مضت تشق طريق الهداية داعية ومحاضرة في أوساط المسلمين ممن ولد أجدادهم في ظل الإسلام، كما وظفت تجربتها الشخصية لتجلي جمال الإسلام وما يهبه الإيمان الصحيح لمن يعتنقه حين يستقر في أعماق القلب.

مضت في طريق الدعوة إلى الله تدعو أخواتها المؤمنات إلى تحقيق معنى الشهادتين في سلوكهن اليومي، والتخلي عما عليهن من البعد عن منهج الله القويم الذي هو الوحيد القادر على منح الناس السعادة الحقيقية في الدنيا والفوز في الآخرة.

الهامش

(١) يراجع في هذا الصدد كتاب «أسرار الفاتيكان» من تأليف «ليوبولد ليدل» وتعريب وترجمة تحسين حجازي، دار التضامن للطباعة والنشر والتوزيع

الرابط المختصر :