العنوان الكنيسة تخطط لاحتواء الأغلبية في جنوب أفريقيا
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 12-مايو-1987
مشاهدات 53
نشر في العدد 817
نشر في الصفحة 31
الثلاثاء 12-مايو-1987
أين كان رجال الكنيسة أيام أحداث سويتو الرهيبة في عام ۱۹۸٥م؟
لم يسمع العالم كله كلمة احتجاج واحدة من الكنيسة على تجاوزات السلطات العنصرية ضد المواطنين السود.
كل من لديه إلمام بتاريخ الاستعمار في العالم يدرك مدى العلاقة الوثيقة بين الكنيسة والاستعمار، فلم يستعمر المستعمر الغربي بلدًا إلا كانت الكنيسة أول المستفيدين من ذلك الاحتلال الاستعماري، ولم يكن الأمر مختلفًا أبدًا في جنوب أفريقيا عندما أعلنت الأقلية البيضاء- بتأييد من المستعمر التقليدي- احتلالها لتلك البلاد، واعتبرت أبناء البلد الحقيقيين من الأفارقة غرباء في بلادهم، بل كانت الكنيسة دائمًا تبارك أو تتجاهل الأعمال الوحشية التي تقوم بها تلك الأقلية البيضاء ضد سكان البلد الأصليين على مرأى ومسمع من الكنيسة دون أن تحرك ساكنًا.
لكن الكنيسة الماكرة عندما أدركت في السنوات الأخيرة ما تعرض له نظام بريتوريا العنصري من ضغوط دولية لإجباره على تغيير سياسته العنصرية، رأت الكنيسة هي الأخرى أن تغير من سياستها تجاه جنوب أفريقيا، وتنتقل من تأييدها المطلق للأقلية البيضاء إلى نوع من التعاطف مع الأغلبية السوداء المضطهدة، التي لا بد أن يصير إليها حكم البلاد في يوم من الأيام، فلا بد من كسب هذه الأغلبية إلى جانب الكنيسة قبل فوات الأوان.
فقد بدأت مجموعة من رجال الدين والقساوسة بوضع وتطوير وثيقة كايروس في سويتو في شهر أغسطس ١٩٨٥، ومن هذا الاجتماع الصغير نشأت مجموعات أكبر؛ حتى بلغ عدد الذين شاركوا في أعمال البحث والتحرير وتعديل الوثيقة أكثر من مائة من رجال الكنيسة حتى ظهرت إلى الوجود، ونشرت في الصحف يوم ٢٥ سبتمبر، وقد ثبت أنها من أقوى التصريحات الدينية إثارة للجدل في جنوب أفريقيا.
فكيف حدث ذلك؟ وكيف لقيت هذا القبول الفوري والواسع هنا أو فيما وراء البحار؟ كانت المجموعة الأصلية التي اجتمعت في سويتو تحاول مبدئيا استطلاع النظرة الدينية في المشكلة الحالية التي تمر بها البلاد، وهذه الأزمة السياسية ما هو مغزاها بالنسبة للمسيحيين؟ ما الذي يريدنا الرب أن تفعله لكي نكون عمليًّا قد انتهزنا الفرصة الذهبية التي تحينت لنا؟ لم يكن أحد منهم يجرؤ على القول بأن لديه إجابات شافية، ولكنهم كانوا بالفعل قلقين عما يجري في البلاد، بحيث يتعين عليهم البدء بإجراء البحوث اللازمة، وإشراك آخرين في محاولة البحث عن مشيئة الله فينا في هذه الآونة الخطيرة في جنوب أفريقيا.
وأوضح البحث أن الكثير الكثير من المسيحيين في مدن جنوب أفريقيا بدؤوا يفكرون بطريقة يمكن أن نسميها «الدين الشعبي»، فكانت وثيقة كإيروس محاولة أولية لصياغة ونظم مدى فهم الناس لدينهم، وانتقاداتهم لما يظنون أنه رد فعل مسيحي على المشكلة الحالية.
وقد تبين مدى جدية القلق وشدة الاهتمام لدى المجموعة الأصلية من رجال الدين، والقساوسة ومن انضموا إليهم فيما بعد في الاجتماعات والمناقشات التي أفرزت الوثيقة، ولتقويم وثيقة كايروس لا بد لنا من تقويم اعتبارات القلق والاهتمام التي يتقاسمها المسيحيون في مدن جنوب أفريقيا القريبة من الريف، هؤلاء سيفهمون على الفور ما تعنيه الوثيقة وما قصده رجال الدين، أما الذين يعيشون بعيدًا عن التجربة، ولا يعرفون الكثير عن حقائق الحرب الأهلية التي تدور من حول المدن، هؤلاء لا بد أن يتعرفوا على اهتمامات الذين وضعوا وثيقة كايروس نقطة بنقطة.
أول الأمور التي تقلق رجال الكنيسة هو انتشار قتل وتعذيب وسجن الأطفال والشباب بواسطة رجال الأمن والجيش، فقد شعروا «بالفزع الشديد» لأعمال العنف القمعية التي يلجأ إليها النظام، لقد كان الاضطهاد والظلم هنا منذ وقت طويل متمثلًا في العنف العنصري الرسمي، لكن العنف والبشاعة والوحشية والاستفزاز الذي بدأ رجال السلطة في ممارسته ضد سكان الضواحي، وخاصة بعد إعلان حالة الطوارئ، أصبح بحد ذاته مشكلة لا نظير لها من قبل، كل رجال الدين في كنائس الضواحي السوداء كانوا شهودًا على المجازر التي نصبت لذبح الشعب، وأصبح عليهم أن يفعلوا أو يقولوا شيئًا بخصوص ما يحدث تحت سمعهم وبصرهم، لم يعد ممكنًا أن يظلوا على صمتهم، ويتركوا الأمر كله في أيدي بعض الأساقفة وزعماء الكنيسة، الذين يقدمون احتجاجات هزيلة معتدلة، فإن ما يرونه بأعينهم في الضواحي السوداء لا يحتمل إلا اسمًا واحدًا هو «الطغيان».
لقد كان أول اهتمام رجال كايروس هو «وقف أعمال العنف»، ولا شك أن الكثيرين ممن وجهوا اتهامات إلى هؤلاء الرجال بأنهم يحرضون ويدعمون العنف، قد أثبتوا بذلك أنهم لا علم لهم بما يجري في الحقيقة في ضواحي المدن في جنوب أفريقيا.
وكان الاهتمام الثاني هو ضرورة أن يتم كل ذلك باسم المسيحية، فقد سبق أن وجدت التفرقة العنصرية ذاتها، وما صاحبها من أعمال قمعية وحشية لسحق أي مقاومة ضد التفرقة العنصرية، وجدت لها مبررًا من تعاليم العهد الجديد، وقيل بأن الرب أعطى أولي الأمر في الدولة الحق في أن يتصرفوا كذلك، وقد شعر رجال كايروس بأنه قد حان الوقت للتنديد بسوء استخدام اسم الرب وتعاليم الإنجيل في أمور غير مؤكدة، في رأيهم أنها لم تكن مجرد هرطقة، ولكنها كانت مؤامرة شيطانية وكفرًا قاطعًا، وكان لا بد بالتالي من توضيح ذلك للناس؛ حتى يعرفوا المعنى الحقيقي للمسيحية.
وكان الاهتمام الثالث يتمثل في عدم فعالية رد فعل الكنيسة الرسمية إزاء التمييز العنصري، وعلي وجه الخصوص في الأزمة الأخيرة قاموا بدراسة البيانات التي أصدرتها الكنيسة في السنوات القليلة الأخيرة، وتبينوا منها كم كانت غامضة وناعمة، لم تكن تحمل بين كلماتها تلك القوة الهائلة والتحدي العظيم الذي يترتب على إنجيل المسيح عيسى لمعالجة الأزمة المتفاقمة، لم يكونوا يقصدون بذلك إظهار عدم ولائهم للكنيسة ولا مضايقة كبار رجالاتها، وإنما كان قصدهم الأول أن يدعوا الأمر لتدخل قوى من جانب الإنجيل.
فهم بعد ذلك شيء يبشرون بكلمة الرب، وبالتالي مسؤولون عن كلمة الحق الفعالة والمؤثرة، وبخاصة في زمن تحيق فيه أزمات خطيرة بالبلاد.
ويرتبط بذلك أيضًا قلقهم الشديد إزاء الإغراء الخطر الذي يتمثل في البقاء على الحياد، أو الجلوس في مقاعد المتفرجين، فقد ظلت الكنيسة دومًا تحاول البقاء على الخطوط البعيدة، متذرعة بأن المشكلة سياسة في الأساس، وبالتالي لا تدخل في اختصاص الكنيسة، فهي لا مصلحة لها في مناصرة جانب دون آخر، وإنما يجب عليها- في كل الأحوال- أن تعرض على الأطراف «الطريق الثالث»، ومما أثار قلق رجال كايروس هو أنهم قد يكونون في الواقع قد وضعوا في موقع خيانة الأمة ومعاناة شعب البلاد بوقوفهم على الحياد، أليس ذلك الحياد هو الذي شارك مع أمور أخرى في تمكين النظام القمعي من الاستمرار طويلًا في ممارسة الوحشية والعنف الشديد الذي اتسم به مؤخرًا؟ ولذا اهتم رجال كايروس بضرورة تحديد مصدر الشر في البلاد ،وتسميته علنًا، وإدانته بشكل لا يمكن أن يساء فهمه.
وامتد القلق إلى أزمة الكنيسة نفسها، فالكنيسة منقسمة على نفسها؛ بحيث أصبحت هناك كنيسة بيضاء وكنيسة سوداء، ولم تعد أي منهما تفهم مضمون الدين المسيحي بنفس الطريقة كالأخرى، مع أن كلا الظالم والمظلوم يدينان بعهد الولاء لنفس المسيح، ونفس المعتقدات، ونفس الكنيسة، وتلك أزمة خطيرة تواجه المسيحية، وأصبح علينا بكل جدية أن نتساءل عما إذا لم تكن المسيحية في تلك الظروف قد صارت دينًا يشوبه اللبس والغموض، بلا أي معنى على الإطلاق؟ لكن رجال كايروس كانوا على ثقة من أن للمسيحية معنى عميقًا، معنى شديد الأهمية، معنى حاسمًا في مثل هذا الوقت وأمثال تلك الظروف.
وكان قلقهم الأخير على رسالة المسيحية المبشرة بالأمل؛ فقد شعروا بأن رسالة الأمل المسيحية قد أهملت وطرحت جانبًا، في وقت اشتدت فيه حاجة كل فرد في جنوب أفريقيا إلى الأمل في المستقبل، لم تعد الكنيسة حاملة لواء الأمل في البلاد، فقد كانت هي أيضًا تنتقد وتلوم وتلتزم جانب الحذر والحرص، ولكنها بعد كل ذلك نسيت أن تنشر الرسالة الجريئة والرسولية للأمل المسيحي، فكانت وثيقة كايروس محاولة لغرس شيء من الأمل في نفوس الذين يرفضون شرور التمييز العنصري بكافة أشكاله.
هل هي لاهوت جديد؟ هل هي نوع جديد من المسيحية؟ نعم ولا، إنها جديدة فقط من حيث إنها تَحْمِلُ الرسالةَ التقليدية للمسيح عيسى مَحْمَلًا جديدًا يواكب الموقف الحالي، ويتدخل لإيجاد الحل بشكل لم يحدث من قبل، الذين وضعوا الوثيقة والذين وقعوها ينتمون إلى كل المذاهب المسيحية من الكاثوليك والبروتستانت والإنجيليين والمستقلين الأفارقة والرسوليين، وكذلك الذين ينتقدونها ينتمون إلى كل تلك المذاهب، أين الفرق إذن؟
الفرق هو التحليل النهائي لنظريتين متباينتين من حيث وجهة النظر إزاء الأزمة الحالية، نعم هناك الغالبية ممن يشهدون على تلك الأزمة بأنها نتيجة ظلم وطغيان لا سبيل إلى السكوت عليهما، وهناك أيضًا الذين لا يفهمون ولا يستطيعون أن يقيموا ما يجري في بلادنا اليوم، من هنا فإن مدى ملاءمة الإنجيل وتعاليم المسيحية لا بد أن يكون فهمها مختلفًا طالما طريقة فهم الموقف برمته مختلفة أصلًا.
ونحن نتساءل ونقول: أين كان رجال کايروس ورجال الكنيسة أيام أحداث سويتو الرهيبة في عام ۱۹۸٥، والتي راح ضحيتها مئات الأبرياء من الطلبة والعمال السود الذين خرجوا بالآلاف في شوارع سويتو؛ ليحتجوا على الممارسات القمعية للأقلية العنصرية في جنوب أفريقيا؟ وما هي الجهود التي بذلها رجال کایروس لدى السلطات العنصرية، ولدى دول العالم من أجل الضغط على النظام العنصري في بريتوريا؛ ليقلع عن ممارساته الوحشية ضد الأكثرية السوداء في البلاد، لتمهيد الطريق أمام نقل الحكم من الأقلية البيضاء إلى أصحابه الحقيقيين من المواطنين الأصليين؟ إن الكنيسة كانت دائمًا تقف إلى جانب الأقلية البيضاء في جنوب أفريقيا، ولم يسمع العالم كلمة احتجاج منها على تجاوزات السلطات العنصرية ضد المواطنين السود هنالك، وما اهتمام رجال کايروس بهذا الأمر مؤخرًا إلا وسيلة جديدة لكسب مزيد من المواطنين الأصليين من السود إلى جانب الكنيسة، بعد أن تأكد لهؤلاء أنه لا فرق بين رجال الكنيسة وبين السلطات العنصرية في جنوب أفريقيا في عداوة الأغلبية السوداء..
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل