العنوان المجتمع الثقافي (1463)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر السبت 11-أغسطس-2001
مشاهدات 49
نشر في العدد 1463
نشر في الصفحة 50
السبت 11-أغسطس-2001
مقاربات نقدية.. زيف الحضارة في شعرنا الإسلامي المعاصر
محمد شلال الحناحنة [1)
الصدق في العمل الأدبي هو تعبير الأديب عن الهموم الإنسانية، وذلك للنهوض بهذا الإنسان المستخلف في الأرض، وصون حريته وكرامته.
ولا يتجلى هذا الصدق إلا بدفع الباطل وزيفه، والوقوف بصلابة ووعي أمام كل ما يهين هذا الإنسان، وينال من أخلاقه السامية، وفطرته السليمة، لتحقيق الخير والحق والجمال ومن منا كان الشعر الإسلامي المعاصر في رؤاه ومضامينه، وفي شكله وإيقاعه، يصبو إلى المعاني النبيلة، والأفكار النيرة، والأساليب الأدبية الراقية هذا الحوار مع فارسين من فرسان الشعر الإسلامي المعاصر مقاربة نقدية أدبية تشرع نوافذها لألق شعري جديد، حيث نبدأ مع الشاعر صالح محمد جرار من خلال قصيدته في ظل الحضارة الزائفة.
- في قصيدتك دعوة جادة للعناية بالروح وجوهر الأشياء، دعوة للحضارة الحديثة لإحياء النفوس بالطهارة والإيمان، دعوة الإنسان لإبصار الحق والبعد عن الشرور والفواحش فهل ترى أن الحضارة الحديثة وصلت إلى هذا الحد من الشقاء؟
هذي الحضارة في أدنى معانيها *** تعطي الجسوم وتنسى جوهراً فيها
تقيم للجسم سلطانًا وهيمنة *** وتنبري لعذاب الروح تشقيها
وأزرتها نفوس ضل هاجس *** فزينت في دهاء سوء حاديها
- إن كانت الحضارة الغربية بهذا الزيف، فتسمى الفواحش فنًا، والظلم عدلًا ونزاهة، لتنقلب الموازين فيها عبر سفاهة ما بعدها سفاهة. فما موقفنا لتصحيح مسارها؟
یا حسرتاه على الإنسان قد عمي *** منه البصيرة وامتدت غواشيها
يعمى عن الرشد في القرآن واأسفًا! *** ويبصر الغي في دنياه تنزيهاً
سمى الفواحش فنًا من سفاهته *** وراح يسفك طهر الغيد حاميها
وأين أجنحة طرنا بها شهبًا*** فدانت الأرض قاصيها ودانيها؟
أين الألى حملوا القرآن في رشد *** فعم نورهم الدنيا وما فيها؟!
هم الأباة، ورب الكون أرسلهم *** ليغسلوا الأرض من أدران طاغيها
شقوا الطريق، ونور الله مرشدهم *** وسنة المصطفى تجلو خوافيها
- يغدو «التناص» مع تراثنا وتاريخنا الأصيل شدوًا أصيلًا في قصيدتك، فتتقاطر أسئلتك الموغلة في عبق الماضي لاستلهام حاضر واعد جديد من خلال الاستضاءة بقبسات من القرآن الكريم والحديث الشريف! ألا تزيدنا إيضاحًا لهذا الطرح؟!
لو غير القوم ما في النفس لانكشفت*** هذي المفاسد، وانجابت طواغيها
ويدلوا بهبوط العيش أجنحة *** تسمو بأمتنا، والله راعيها
فبالصلاح يظل القوم في شمم *** وبالذنوب يذل الله جانيها
أما فارسنا الثاني فهو الشاعر الإسلامي محمد حكمت وليد ونحاوره عبر قصيدته «شمعة في مهب الريح» وهي في الأصل عنوان الأغنية التي غناها المطرب الإنجليزي التون جون عن الأميرة الإنجليزية ديانا في كنيسة «وست مینستر»
- تغمرنا قصيدتك شمعة في مهب الريح بسخرية مرة وهي تتدرج إلى ذروتها الفنية عبر مفارقات دامغة مفجعة منذ عنوانها الذي يفجر دلالات ضدية فالشمعة رمز للإضاءة والإنارة في الظلام الدامس، ولكنها أضحت في قصيدتك هذه رمزًا للانطفاء والاضطراب والتساقط.. أو لعل هذه الشمعة المنطفئة ديانا فهل تنعاها في المتساقطة هي «ديانا»!! فهل تنعاها في شعرك أم تراك تنعى الحضارة الغربية في زيفها وخسئتها وضياع عفتها حتى رموزها الكبيرة؟.
- هل غابت خلف الأفق ديانا
وتوارث خلف الوديان
هل غابت تلك البسمة
تلك الرقة
والعينان الزرقاوان
كيف يعيش العالم بعد ديانا
وتعود الألوان...؟!
- حقًا هذا العالم الذي هاج وماج لموت «ديانا» مع عشيقها، هذا العالم الذي لا يقيم وزنًا للفضيلة والطهارة، هو أحق أن ينعى وحيث يعيش في خواء خلقي وفراغ روحي لقد أمسى السقوط لديه سموا، والخيانة طهرًا وعفافًا...!! فكيف يعبر الشعر الإسلامي عن هذه المفارقات المؤلمة؟!
- «يا ويح الطلة...
كيف دخلت قلوب الناس بلا استئذان
وكيف اجتمع لهيب الصيف
وبرد القطب...
ورقة ورق الورد
وشوك العوسج
في بستان...
وعاش ملاك الحب مع الشيطان!!
وكيف اجتمع بهاء الملك
وذهب التاج
مع الحرمان....»
- تلك «العاشقة العظيمة» في نظر الحضارة الزائفة الموبوءة، قد أذابت القلوب حزنًا عليها، تجمع الناس كقطعان الماشية لتأبينها، لكن كان لك رأي آخر جاء يتشظى نازفًا لاذعًا عبر صورة شعرية نامية تتغلغل في الوجدان الإسلامي الصادق المرهف!
فليتك تسمعنا ما كتبت عن هذا الهوان!!
- «صعد الكل لعرش ديانا
إلا العفة سقطت تحت نعال القوم ...
وداستها أقدام الرقص
وماتت من قهر وهوان
ما بين جحيم القصر...
وبين صقيع الهجر...
دخلت خريف العمر
ووهج شبابك في الريعان...
وذرفت دموع القهر...
شربت كؤوس الحقد ...
هربت بجوف الليل من الأحضان إلى الأحضان...
من عصر ضيع معنى الحب
وخسة زوج خان العهد
وخان
وخان!!»
[1] شاعر وناقض إسلامي أردني.
لغويات سياسية
لقد دخلت السياسة اليوم في كل شيء حتى اللغة واللغة داخلة منذ القدم في كل حتى السياسة.
طرف الشيء نهايته، وجمعه أطراف.
ومن هذا الأصل الثلاثي «طرف» اشتقت الفاظ عدة، بمعان متباعدة ومتقاربة، متشابهة ومختلفة.. تصف أطواراً وتعبر عن أحوال، فالرجل
الأملس المتقلب، وصفه الشاعر بما يلي:
يعطيك من طرف اللسان حلاوة *** ويروغ منك كما يروغ الثعلب
والرجلان، أو البلدان، اللذان تتناقض مصالحهما بشدة، يُقال: إنها على طرفي نقيض.
ويقال: اتفقت الأطراف المعنية بعملية التسوية على كذا ... هذا إذا اتفقت وإذا التزم طرف عربي بموقف قوي في الدفاع عن حقه، وثبت عليه وصفته أجهزة الإعلام النزيهة» بأنه متطرف.
وبالطبع لا يلحق الوصف بأي طرف صهيوني يصر على التهام حقوق العرب في فلسطين وغيرها، سواء أمزق هذه الحقوق بأطراف مخالبه، أم قضمها بأطراف أسنانه. بل الطريف أن رئيس الوزراء اليهودي، يلهث بشدة مسابقاً الزمن سعياً إلى تهويد كل شيء في فلسطين، وفقاً لأدق تفصيلات التلمود ويطالب في الوقت نفسه شركاءه في عملية التسوية بسحق «المتطرفين» الذين يصرون على التمسك بحقهم.
وإذا تنازل العرب عن شبر من أرضهم أتهمه أبناء جلدته بالتفريط وصاروا يشنعون عليه بأنه «فرط» بحق اليهود في إقامة دولتهم على كل شبر من أرض «التوراة» التي وعدهم بها الرب «يهودا».
وإذا «فرط» منه كلام أو وعد لشركائه في السياسة بتليين موقفه «طفر» الدم في وجوه الصهاينة.
أما فطرة الله التي «فطر» عباده عليها من كره الظلم، ومن حب العدل والإنصاف، فلا يعرف عنها المسؤول الصهيوني شيئاً، بل لا يحب أن يصغي إلى ندائها، ولو «تفطرت» أكباد العالم، لرؤية المحرومين والحزاني والأرامل واليتامى والجوعى والمشردين من أبناء فلسطين وما جاورها.
فهل ثمة علاقة سياسية، أو اجتماعية، أو نفسية بين «طرف» واشتقاقاتها «تطرّف، استطرف، طارف مطروف...» وبين تقليباتها:
أ- فطر: «فطر السلام القائم على عدل شارون قلوب العرب حتى المفطورة منها على الموادعة واللين».
ب- طفر: «طفر اليهود أصدقاءهم قبل أعدائهم، بأساليبهم الملتوية المخادعة».
ج- فرط: «فرط العرب بحقهم، بعدما انفرط عقدهم ... فهم مفرطون».
نقول: هل ثمة علاقة بين هذه الاشتقاقات والتقليبات أم ليس من حق الذين تتفطر مرائرهم وأكبادهم من جراء التفريط بحقوقهم أن «يطفروا» وأن «يتطرفوا»؟!.
عبد الله عيسى السلامة
ثرثرات على ضفاف الموت
بقلم: محمد السيد
١- في البداية
ليس من السهل عليه أن يتذكر.. فأيام كهذه التي تمر بين بصره والحواس الأخرى فيها من المرارة ما ينسي المرء صباحاً ما تناوله من طعام في عشائه مساء، والحديث عن أشياء حدثت ومضت لابد أنه حديث تومض به ذاكرته الواهنة بصعوبة، رغم أن شبابه يتزيا بشيخوخة مبكرة، لكن الوميض الآتي ما يلبث أن يخفت تحت وطأة حمولة هائلة من الشعور بالإحباط، الذي يصنعه في داخله ذلك العبث اليومي بالإنسان في مشهد متتابع بلا نهاية سعيدة.. ورغم ذلك فإنه نزولا عند إلحاح صديقه الذي لا يتوقف، راح يفرك جبهته بأطراف أصابعه ويحدق جاهدًا في سقف الغرفة الرمادي، في حين كان صوت الصديق يأتيه مختلطاً بالجهد الذي يبذله لاستعادة الشريط الضائع في الثنايا المتقادمة من ذاكرته.
- اسمع يا محمود، يجب أن تعيد علينا تلك القصة الرائعة.
- كان صوت الصديق جازمًا، تخالطه رنة رجاء.
وبينما كان محمود ينقل بصره بين تقاطيع وجه صديقه وبين سقف الغرفة، كان تجري في مخيلته مقارنة طريفة بين ذينك المنظرين المتشابهين في اعتداء الأيام عليهما. وإذ استغرق محمود في تلك المقارنة يقلبها في خياله، ندت عنه ضحكة مسروقة، أعادته للحضور على وقع كلمات صديقه الملحاحة..
- ها..؟ هل تذكرتها..؟ ضحكتك تبشر بخير.. انطلق يا محمود
- ماهي ...؟ آه.. آه استعدتها يا صديقي.. مادمت قد استعدت القصة إلى شريط ذاكرتك فهيا بها، ولا تبطئ حتى لا تأتي عليها عوائد ذاكرتك الواهنة.
٢- «زبدة القول».
بعد أن وصلت بسيارتي إلى مستشفى جرش حاملًا الضحية، وبعد انقضاء عشر دقائق تم أثناءها إجراءات الإسعافات الأولية السريعة، اقترب مني أحد الممرضين قائلًا، لقد مات.. مات المصاب الذي حملته.
- هل علمت أنه خوري؟
قلت له بلهجة حازمة حسبي أنه إنسان، ولا فرق عندي بعد ذلك من يكون.
بعد سرد هذه الخلاصة توجهت إلى صديقي قائلًا: هذه هي زبدة الحكاية التي تريد هل اكتفيت؟
لا.. لا.. لقد رويتها لي من قبل فكانت حكاية درب وثرثرة مسلية طويلة، نريدها من البداية.
3- «تهيؤات».
- نعم .. إنه ذات أصيل خريفي أصفر هدأت عواصفه النهارية المغيرة، فالتجأت ملامح أفقه إلى النقاء، وامتدت أذرع شمسه تداعب خضرة صامدة متعلقة بالهضاب المنتشرة على طرفي الطريق ما بين جرش وعمان، محاولة الانسجام مع تلك البقاع الجميلة أكبر وقت ممكن، مطيلة بقاء الآثار التي تتركها زيارة الربيع العابرة.
كانت «المرسيدس البيضاء التي أمتطيها وبجواري ذلك الشيخ الشاب، تتهادى فوق الشارع الملتوي الصاعد، تتجه بنا نحو عمان قادمين من جرش.
بين الحين والآخر كنت الفت انتباه صاحبي الشيخ الذي يقبع بجواري إلى الجمال الأخاذ الذي يلف تلك التلال خصوصاً أنها اتشحت بذبالة أشعة الشمس الخريفية المقبلة على الأفول... فأقول له: إنها بقاع تسبح الله يا عدنان، تتصدق علينا بسحرها الأخاذ، فلا يزيد عدنان عن القول:
- ولكنه جمال بكفن.
- قلت في سري: اتق الله يا رجل... ما الذي تقوله؟.. أيعقل أن تكون نظارتك عاكسة الجمال بهذه المفارقة اللا معقولة؟.... وكأنه فهم ما دار في سري فقال:
- يبدو أنك لا ترى ذلك الشعاع المحتضر.. إنه كفن يلف ذلك الجمال برايات الفراق لابد أنك تشاركني الرأي في هذا الاستنتاج.
«وسادت لحظات صمت لم أرد فيها على سؤال الشاب».
ثم تابع عدنان القول:
- ألا تلاحظ ظلال النهايات فوق بحيرة سد طلال.. يا عم..؟
- أطلقت احتجاج الصمت على كلماته، واكتفيت بالاستمتاع بتلك الآيات الجمالية في داخلي، حتى إن أصوات السيارات التي كانت تمر - متجاوزة في الاتجاهين - لم أكن أتبين من ضجيجها سوى أثار التيار الهوائي التي تحدثه فيلامس ذراعي المتكئة على حافة نافذة السيارة.
طوت تلك الرتابة من الصمت صفحة همومي الحاضرة فراحت تلوح في ثنايا الذاكرة وحشة قاتمة قوامها خضرة مختزنة في قاعها منذ كان لزقزقة العصافير معنى قبل أن يسد البعد عن الوطن منافذ الفرح.
- فجأة أعادتني من سرحتي قفزة ثعلب بري من أمام السيارة، كدت أدوسه بالعجلات لولا أن سلم الله.. وقد جاءت تلك العودة مع صوت أطلقه عدنان خائفًا:
- عمي.. عمي.. «وكان مع صراخه يمسك بالمقود»
- وبحركة غير إرادية رفعت قدمي عن «دعسة» الوقود، لتخف سرعة السيارة إلى الحد الأدنى، وتخلص الثعلب الصغير من براثن العجلات بأعجوبة.. وعندئذ أوقفت السيارة على يمين الطريق، ورحت مع عدنان نتابع الحيوان الفتي، الذي توقف بدوره، ودار بكليته نحونا، ليرمينا بألحاظ راعبة، وأنفاس
لاهثة لاتقل عنها حركة صدرينا.
- لو كان الثعلب إنسانًا لما استطاع التخلص من عجلات سيارتك..؟
- كانت كلمات عدنان مفاجئة لي.. لم اتبين معالم ما يرمي إليه في البداية.. إذ كانت حادثة الثعلب ما تزال تلجم الفهم والتحليل في رأسي، ولكن تلك الكلمات ما لبثت أن بعثت بمثل البراكين في نفسي، ورحت اردد بدون انقطاع «إنسان»؟! «إنسان؟! إنسان؟!.. ثم راودتني ولقد كرمنا بني ادم ارجع يا صديقي مع ذاكرتك إلى الطفولة ومنظر الطرق الضيقة في المنزل ما بين الأثاث وترويع الأم في تكسير بعض الموجودات، إذ كان المشي مازال طريًا قلقًا، وها هي على صفحة الذاكرة تتراءي منحنيات العمر المديدة التي كانت دائما بحاجة إلى من يقومها في الرحلة العارية أمام الريح التي لا تنفك تهب من كل الاتجاهات فتمتد اليد الحانية الناعمة تقدم الخدمة والعون بدون مقابل، تلك اليد التي لا يساويها في الوجود إلا أن تكون أما.
وتأتي انت يا عدنان في هذه اللحظة لتضع كل هذه الرحلة الإنسانية أمام عجلات سيارتي ثم لتفجع الغد بهذا المشهد الخارج من شريان غدر الآلة التي تدعي أن وجودها كان لخير تلك الرحلة الإنسانية؟!
٤- المفاجأة.
أدرت مفتاح المحرك وبدأت السيارة صعودها من جديد، كانت ظلال الأشجار قد غطت مساحة كبيرة من عرض الشارع ونسيمات الأصيل الغارق في الاقتراب من الأفق الغربي تهدهد خصلات لحية عدنان المترامية الأطراف فوق صدره بينما كان مشروع ابتسامة يتشكل في محياه رويدًا رويدًا.. وشفتاه القرمزيتان الفتيتان تلوحان بمقدمة كلمات... استبقته في استجرارها قائلًا:
- لقن أيقظت اللحظات الماضية أشرعة الحنين إلى الإنسان...
مط عدنان شفتيه حتى اتحدتا مع شاربيه الكثين، واختفت ملامح الابتسامة التي كانت تتوافد على محياه فاكتست تقاطيعه بما له من الصرامة، والتفت نحوي بعينين متقدتين بجمر الاكتشاف وألقي في الهواء الفاصل بيني وبين هذه الكلمات.
القلب يا عمي قلب، وما يتهادي في صدرك اللحظة من عواطف جامحة لا يرده إلا أن تصل فتنخرط في أعباء ما هو حال وما أت فتنسى كل ما قلته الآن عن الإنسان.
- عالمك غريب يا عدنان! كيف لي أن أدرك أسراره وأنت تضغط على قلبي ليختنق!...
- عش اللحظة يا عمي، فقدرك لا بد متحرر من كل احتياط.
لم أرد على قوة عدنان، وحل الصمت من جديد لا يقطعه إلا صوت المحرك المتعب من هول الصعود.
وبينما كانت الشمس قد واجهتنا مباشرة مخترقة الزجاج الأمامي للسيارة، انهمكت في تبين الطريق التي كانت الشمس تحجب عن عيني كثيرًا من وضوحها، احسست كأننا في لحظات وداع أو كأن الطريق يقودنا ولسنا نحن الذين نطوي المسافات، والتقت نظراتي الساهمة مع الأفق الأصفر الرطب، لحظة بدأت تباشير المساء تقترب ووصلت إلى سمعي بعض أصوات صراصير الليل تطلق الحانها على استحياء، وتجمعت اسراب من العصافير فوق الأشجار المحاذية للطريق، وراحت تغني مجتمعة بصورة عشوائية، بينما كانت ذبالات من أشعة الشمس تداعب وجه عدنان، تختفي، ثم تعود تبعًا لحركة أغصان الأشجار القريبة المتمايلة مع الريح بعث كل ذلك في كياني رعشة هادئة مطمئنة، أغمضت على اثرها عيني لمدة ثانية، وما إن فتحتها حتى رأيت.. ويا لهول ما رأيت فصحت بأعلى
صوت: ما الذي يجري؟
- هل ترى ما أرى یا عدنان..؟
وجاءني صوته مدججًا بنبرة راعبة: لابد أن تلك السيارة الصغيرة الخضراء ستصدم الحافلة التي أمامنا أو ستصدم مقدمة سيارتنا...
- كلماتك مخيفة أيها الفتى.. ولكن ما الذي يجري..؟ السيارة الصغيرة تروح إلى يمين الشارع، ثم تعود القهقري إلى يساره... أتوقع أن السائق قد فقد الكوابح.
- ليس الوقت وقت تكهنات.. يجب أن تتصرف.. يا عم..
كان صوت عدنان هذه المرة أكثر حزمًا ورعبًا.. توجهت بالسيارة إلى الرصيف الترابي، وأطفأت المحرك.. بينما ظلت الحافلة الصغيرة التي كانت أمامنا تتابع سيرها.
حدث كل ذلك في ثوان معدودات، إذ لم تبتعد الحافلة عنا سوى بضعة أمتار عندما وقعت السيارة الصغيرة في أحضانها الأمامية معانقة لها، محدثة ضجيجًا راعبًا، بينما انطلق من فوق الحافلة كتلة سوداء ضخمة واستقرت على أرض الشارع الأسفلتي إلى جانب سيارتنا من ناحية اليسار، محدثة صوتًا كأنه انفجار خفيف.
ومن خلال الذهول والدهشة والرعب انطلقت أدقق بعينين جاحظتين الكتلة في السوداء الغامضة... التي وقعت إلى جانين ولما تبين لي كنه الكتلة، صحت بصوت متحشرج.. يا إلهي.. إنه إنسان يا عدنان..!
إنسان.. ألا تسمع حشرجته الخافتة؟
يبدو أنه سائق السيارة الصغيرة انفلت من زجاج سيارته الأمامية بعد ارتطامها بالحافلة بينما استقرت السيارة في منتصف ساق إحدى الأشجار.. كان كلام عدنان ينطلق من حنجرته وكأنه لقمة غير سائغة علقت بها... فأغلقت أجزاء كثيرة من فتحتها......»
توقفت كل السيارات القادمة من طرفي الشارع.. وهذا سائق الحافلة يشد شعره... ألا تسمعه يصرخ: «يا ناس.. يا عالم.. والله من يومين خرجت من السجن.. ابتلاني أحدهم بنفسه.. وهأنذا اليوم أبتلى بهذا الإنسان.. لقد رأيتم ولاحظتم ولابد أنكم عرفتم أن الحق عليه.. أليس كذلك؟....»
تجمع الناس حول الرجل الملقى بإهمال في منتصف الشارع، كانت الدماء تسيل من أنفه وفمه وأذنيه، بينما كانت حشرجة خافتة تخرج من أنفه...
صاح أحدهم... يا إخوان ليس في الوقت متسع، من يتبرع بنقل الرجل إلى المستشفى؟ صحت بأعلى صوتي أنا الذي اتبرع ولكن على أن يرافقنا سائق الحافلة، وذلك كي يكون طرفي خاليًا من المسؤولية أمام الشرطة.
وترددت أصوات قائلة بشكل جماعي على بركة الله يا شيخ.. هيا نرفعه.
حملت في سيارتي ذلك الإنسان الذي لا أعرفه أبدًا، وطرت به إلى مستشفى جرش، بينما كانت شمس ذلك اليوم على أبواب الوداع الأخير هل كان ذلك نذير شؤم يشير إلى وداع ذلك الإنسان الذي أحمله لمعالم هذه الدنيا» سؤال دار في خلدي وأنا أسمع حشرجات المصاب الخافتة.
والتفت إلى يميني فرأيت عدنان يجلس إلى جانبي من جديد ويختلس نظرات عاجزة تنم عن تسليم نام لا تردد فيه، بينما كان الثمالة شريط لاصق من الألم يغلق فمي حتى عن النطق بأية كلمة.
بعد عشر دقائق من الوصول إلى المستشفى، وبعد إجراء بعض الإسعافات الأولية للضحية...
تقدم منى أحد المعرضين.. وهمس في أذني:
لقد مات من أحضرته بسيارتك مات...
وقال: مات.. مات..؟ لا حول ولا قوة إلا بالله مرة أخرى قرب المعرض فاه من أذني وقال:
- إنه خوري..!
- قلت والفكرة تسبق الدمعة: حسبي أنه إنسان.. إنسان يا أخي.. ألا تفهم..؟!
وفي طريق العودة.. تناول عدنان بعض القروش الحمراء من على الكرسي الخلفي للسيارة كانت قد تسربت من جيب الضحية...
ثم لوح بها أمام عيني وهو يقول: يبدو أن الحديد أقوي وأدوم!
قلت له «بنرفزة» ظاهرة.. يا رجل.. والله إن الألم الذي سببه منظر ذلك الإنسان وهو ملقى بإهمال على أرض الشارع أقوى وأدوم ولن يزول أبداً ما دام في العمر مداد.. وإن هذا الحديد.. مهما كثر زائل لا محالة مع أول رنة بكاء من طفل تدفع به رحم امرأة إنسان..!!
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل